صندوق الحكايات وفنون الفرجة في بيت السحيمي
في قلب القاهرة الفاطمية، حيث تتشابك الأرواح القديمة مع النوافذ المشربية، يحتضن بيت السحيمي عرضًا يستحضر ذاكرة الفرجة الشعبية المصرية في ثوب فني مغاير.
العرض، الذي يحمل اسم «صندوق الحكايات»، من إخراج وتأليف الدكتور نبيل بهجت، وتقدمه فرقة «ومضة»، ليس مجرد عودة إلى الأراجوز أو خيال الظل بوصفهما فنونًا تراثية للفرجة، بل هو توظيف واعٍ لمسرح الطفل، الذي وضع لبناته الأولى الرائد محمود مراد في مصر، لتتوالى بعده الإبداعات في مسرح الطفل والمسرح المدرسي.
ويأتي استخدام فنّي خيال الظل والأراجوز هنا بوصفه إعادة بناء للهوية البصرية والسردية للطفل المصري، وكأن الضوء والظل والأراجوز يتفاوضون مع الذاكرة الجماعية ليعيدوا نسجها من جديد داخل تشكيل وجدان أجيال متعاقبة من أطفال مصر.
ينقسم العرض إلى حكايتين في مدة زمنية لا تتجاوز نصف ساعة، بإيقاع سريع بعيد عن الملل والرتابة، ومناسب بطبيعته لإيقاع الأطفال السريع. ويُقدَّم العرضان في قالبين من فنون الفرجة الشعبية؛ الأولى من خلال عرض خيال الظل بعنوان «الشهبندر»، والثانية من خلال عرض الأراجوز بعنوان «العامل النوبي الكسول». ويأتي هذا التداخل الزمني والجمالي ليذكرنا بنظرية «المسرح المركب»، حيث لا يوجد عنصر واحد مسيطر، بل تتفاعل جميع العلامات لتصنع الدلالات.
وتدور الفكرة المهيمنة في عرض خيال الظل حول مفهوم الثقة والحذر، بينما يؤكد عرض الأراجوز فكرة الأمانة وتحمل المسؤولية، وهي أفكار محورية في تربية الطفل ونشأته في سنواته الأولى، وهدف رئيسي من أهداف مسرح الطفل.
يستند العرض إلى لغة شعبية دارجة، لكنها مشبعة بالإيقاع الحكائي والمثل الشعبي. ففي «حكاية الشهبندر»، تتخذ اللغة طابع الحكمة والتسلية؛ إذ يتحدث الشهبندر، بوصفه رمزًا للسلطة الاقتصادية والتجارية، بمزيج من الفخر والتباهي عن فنون خداعه لمواطن بسيط، غير أن دهاءه لا ينفعه في النهاية.
أما في «حكاية العامل النوبي الكسول»، فيُستخدم الكسل كمفارقة كوميدية لتعرية فكرة «الآخر المختلف» في الثقافة الشعبية؛ حيث يواجه الأراجوز النوبي بالنقد والسخرية، لكنه يدفع الجمهور إلى التفكير في البعد الاجتماعي للكسل وعدم الاستحقاق الناتج عن غياب تحمل المسؤولية.
اللغة في العرضين ليست مجرد أداة للتواصل، بل «إشارة درامية»، يوظفها «الكاتب ـ المخرج» كأداة مزدوجة للضحك والتعليم. ففي عرض خيال الظل، يتحول الجسد إلى صورة، والصورة إلى حركة تتنفس بين خلفية مضيئة وستارة رقيقة. تتحرك الشخصيات في «الشهبندر» بإيقاع منظم، بينما تتكسر الحركة عمدًا في عرض الأراجوز «العامل النوبي الكسول» لتوليد الطرافة؛ فالنوبي يتثاقل، والأراجوز يقفز، وكأن العرض يصنع مفارقة بين جسدين: جسد الخطأ وجسد الصواب.
وهنا تؤدي الحركة وظيفة دلالية قبل أن تكون جمالية؛ فهي وسيلة لتحديد «الطبقة» و«الموقف» و«الهوية»، إذ تُفسَّر كل انحناءة أو وثبة اجتماعيًا داخل المنظومة الشعبية للفرجة.
المنظر في هذا العرض لا يُبنى على الخشبة فقط، بل يُستعار من المعمار ذاته في بيت السحيمي بسقفه الخشبي العالي، ونوافذه المزخرفة، وفنائه الداخلي.
يتحول المكان كله إلى «صندوق حكايات» حقيقي، ما بين صندوق خيال الظل وصندوق الأراجوز، بما يحويانه من حكايات مسلية وتربوية غير مباشرة.
ويستخدم المخرج المكان كعنصر درامي، فينصهر خيال الظل على جدرانه كما لو كانت شاشات روحانية تتوهج فيها الحكايات. فالمكان لا يحتضن العرض فقط، بل «يتكلم» بلغته الخاصة، مؤكدًا نظرية أن المكان في المسرح ليس خلفية، بل شريك في المعنى.
الإضاءة هي البطل الحقيقي في عرض يعتمد على الظل؛ ففي «حكاية الشهبندر» يكون الضوء خافتًا ثابتًا، يعكس سلطة المال المتجسدة في شخصية الشهبندر، بينما يتغير الضوء سريعًا في عرض الأراجوز «العامل النوبي الكسول» مع الحركة، ليخلق إيقاعًا بصريًا قريبًا من ارتجال الموال الشعبي.
كل ظل متحرك يحمل رمزًا؛ فعندما يقترب الأراجوز من الضوء تتضخم صورته، وحين يبتعد تصغر، في توظيف دلالي لفكرتي «القرب من القيمة» و«الابتعاد عنها»، ليبرز أن الضوء ليس وسيلة للرؤية فحسب، بل خطاب بصري ذو نغمة معنوية.
تلعب الموسيقى في العرض دور «السارد المشارك»، إذ تبدأ في العرضين بجرس بسيط أو إيقاع طبلي يذكر بنداءات الحكواتي في الأسواق المصرية القديمة، ثم تتطور لتصاحب حركات شخصيات خيال الظل وقفزات الأراجوز.
ففي «الشهبندر» تُستخدم مقامات شرقية مثل النهوند والبياتي لتعزيز فخامة المشهد، مع الاستعانة بأغانٍ راسخة في الذاكرة الجماعية المصرية، مثل أوبريت «الليلة الكبيرة». أما في «العامل النوبي الكسول»، فتظهر الألحان النوبية، من خلال الاستعانة بأغنية الفنان محمد منير «سو ياسو» ذات الإيقاع الخماسي، بما يمنح العرض بعدًا جغرافيًا وصوتيًا متنوعًا.
جاءت الأزياء في العرضين مناسبة للدلالات؛ فزيّ الأراجوز، بقبعته الحمراء وملابسه الزاهية، يعيد صياغة الذاكرة البصرية المصرية القديمة ويجعل الشخصية مقروءة فورًا لدى الجمهور.
في المقابل، يرتدي الشهبندر أزياء فاخرة بألوان ذهبية أو بنية داكنة تذكر بالسلطة، بينما يظهر العامل النوبي بالجلباب الأبيض رمز البساطة.
أما المكياج في خيال الظل فلا يُرى مباشرة، بل يُستعاض عنه بتباين الألوان بين الظل والنور، ليصبح كل لون «ماكياجًا ضوئيًا». وهكذا تحمل الأزياء والماكياج الدلالة الاجتماعية والنفسية، ويتحدان لتحديد الهوية والطبقة، وربما «الضمير الجمعي» للشخصية المصرية.
بين كل حكاية وأخرى، يزرع المخرج لحظات من الصمت المدروس؛ وهي ليست فترات انقطاع، بل «وقفات تأمل» تتيح للمتلقي إعادة ترتيب المعنى. فالصمت هنا لا يعني غياب الصوت، بل حضورًا آخر للمعنى، كما لو أن الصندوق نفسه يتنفس قبل أن يروي الحكاية التالية، محققًا توازنًا بين السرد والوجدان.
في المسرح الشعبي، لا يوجد ممثل بالمعنى الأكاديمي، بل «محرك روح». ففي خيال الظل، يتمثل هذا الدور في الفتاة التي بدهائها تنجح في خداع الشهبندر لاستعادة أموال الرجل البسيط، بعد أن كان الشهبندر قد خدعه. أما في عرض الأراجوز، فالمحرك هو الأراجوز نفسه، الذي يجسده اللاعب إبراهيم شيكا، الذي ورث هذا الفن والمهنة عن الآباء والأجداد.
وقد خرج العرضان من إطار السرد التقليدي إلى التعليق والسخرية ومخاطبة الجمهور مباشرة، فكُسر الجدار الرابع بحميمية مصرية أصيلة. لم يكن جمهور بيت السحيمي جمهورًا صامتًا، بل أصبحت أصوات الضحك والتعليق والدهشة جزءًا من النسيج الدرامي؛ شارك الأطفال بردود أفعالهم العفوية، واستعاد الكبار ذكريات الموالد والساحات، ليتحقق مبدأ المسرح كفعل تواصلي لا يكتمل إلا بتفاعل المتلقي.
من الناحية الجمالية، أدت السينوغرافيا في العرضين دورًا يتجاوز التزيين البصري إلى المشاركة الفعلية في بناء الدلالة والمعنى. فقد تآلفت عناصر الضوء والديكور والملابس لتشكيل مشهد بصري نابض بالحياة، دون أن يثقل وعي الطفل أو يشتته.
جاءت الألوان ذكية ومفعمة بالحيوية، تتبدل مع إيقاع الحدث لتقود المتفرج الصغير إلى العالم التخييلي الذي يخلقه العرض؛ فحملت ألوان الشهبندر المائلة إلى الذهبي والبيج رمزية الثراء والطمع، بينما جاءت ألوان الأراجوز زاهية ومبهجة، تستدعي ضحكة الطفولة الأولى وتفتح شهية الخيال.
أما الأداء التمثيلي، فتميّز بالخفة والرشاقة، ونجح في تحقيق التوازن بين المبالغة الكوميدية المثيرة للضحك، والصدق الإنساني المقنع للمتلقي الصغير.
لم يكن الأداء مجرد تقليد لحركات مألوفة، بل حوارًا بصريًا ووجدانيًا مع الطفل؛ يضحكه، وفي الوقت ذاته يدعوه إلى التفكير. ولعل هذا التوازن بين التسلية والتأمل هو ما منح العرض قيمته الفنية الأعمق.
كما جاءت الموسيقى عنصرًا حيويًا في بنية العرض، لا خلفية صامتة، بل شخصية موازية تترجم الانفعالات وتربط المشاهد، بألحان قريبة من الوجدان المصري، تخلق جسرًا بين جيلين: جيل تربى على الألحان القديمة، وجيل جديد يتعرف من خلالها على جذور موسيقاه وهويته.
في جوهره، العرض ليس عن الشهبندر ولا النوبي فحسب، بل عن الإنسان المتأرجح بين النشاط والكسل، بين النور والظل، بين الثقة والحذر. الصندوق الذي يُفتح في البداية ليحكي، يستحضر من خلاله نبيل بهجت رؤية إنسانية عميقة مفادها أن الفن الشعبي ليس ماضيًا يُعرض للفرجة، بل طاقة مستمرة للحياة. وهكذا يتحول «صندوق الحكايات» إلى شاهد على إمكانية أن يصبح التراث مسرحًا حيًا لا يقلد القديم، بل يعيد خلقه.
يتبدى لنا أن استخدام فنون الفرجة في مسرح الطفل ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل فضاء وجداني ومعرفي يعيد للطفل اتصاله الأول بالعالم، فيجعله يرى ويشعر ويفهم من خلال التجسيد واللعب والمحاكاة. فالمسرح، حين يخاطب الطفل بهذا الشكل، يسهم في تشكيل وجدانه وصناعة مواطن صغير يدرك الجمال كما يدرك الأخلاق.
وقد أثبتت هذه التجربة أن الطفل ليس متلقيًا سلبيًا، بل قارئ جمالي قادر على استخراج المعنى من الصورة والحركة والحدث.
وعند إجراء استبيان لاستطلاع آراء مجموعة من الأطفال من فئات عمرية متباينة بعد انتهاء العرضين، جاءت النتائج كاشفة عن عمق التأثير التربوي والجمالي. قالت الطفلة سارة (7 سنوات): «المسرحية اللي فيها الشهبندر علمتني إننا ما نضحكش على حد، وإننا ممكن نضحك على اللي بيضحك علينا، واتعلمت كمان إننا ما نثقش في أي حد غير ماما وبابا».
أما تقى (7 سنوات) فقالت: «عجبني أوي عرض الأراجوز، واتعلمت منه إن ما نامش وأنا بذاكر، زي الراجل اللي كان بينام وهو بيحرُس البوابة. لازم أعمل شغلي وأذاكر علشان ربنا ينجحني».
وقال الطفل خالد (9 سنوات): «إحنا نحط فلوسنا في البنك أو مع ماما وبابا، وما نديهاش لحد غريب»، وأضاف عن عرض الأراجوز: «لازم نعمل الواجب وما نسيبش حاجة قبل ما نخلصها».
كما قالت فريدة وملك (13 عامًا): «اتعلمنا إننا ما نصدقش حد غريب، وإننا نتحمل مسؤوليتنا ونذاكر ونعمل شغلنا كويس، وربنا هيكافئنا بالنجاح».
تعكس هذه الشهادات أن العرض تجاوز التسلية إلى تقديم نموذج تربوي متوازن يجمع بين القيمة والسخرية، والبهجة والتأمل، مخاطبًا وعي الطفل والأسرة معًا، وملائمًا لأعمار مختلفة، بل ممتعًا للكبار أيضًا بما يحمله من روح مصرية خفيفة الظل.
وإذا كان الهدف من مسرح الطفل هو تنمية الطفل ثقافيًا واجتماعيًا ولغويًا وعاطفيًا وجسمانيًا، وغرس القيم والأخلاق، وإثراء الخيال والإبداع، فقد جاء عرض «صندوق الحكايات» محققًا لهذه الأهداف من خلال الإيمان بأن الضحك يمكن أن يكون طريقًا للفهم، وأن الفن قادر على التربية دون وعظ أو تلقين.
في النهاية، يخرج المشاهد من بيت السحيمي وهو يشعر أن الحكاية لم تُغلق داخل الصندوق، بل خرجت إلى الشوارع، إلى الناس، إلى القاهرة ذاتها؛ تلك المدينة التي لا تنام إلا لتبدأ حكاية جديدة.