الدكتورة سماء سليمان

يُشكّل قانون الأحوال الشخصية أحد أهم الأدوات التشريعية التي تعكس طبيعة المجتمع وتطوره؛ إذ لا يقتصر دوره على تنظيم العلاقات الأسرية فحسب، بل يمتد ليؤثر في بنية المجتمع واستقراره النفسي والاجتماعي. ومن ثم، فإن سنّ هذا القانون أو تعديله لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة آنية لضغوط اجتماعية، بل يجب أن ينطلق من رؤية فلسفية واضحة تستهدف بناء مجتمع متماسك ومتوازن.

وفي هذا الإطار، جاءت الندوة التي نظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان يوم الأربعاء الموافق 6 أبريل الماضي، لتؤكد أن الهدف الجوهري من أي تعديل تشريعي في قانون الأحوال الشخصية هو تحقيق استقرار المجتمع، والحفاظ على الصحة النفسية لأفراده، وذلك من خلال إرساء مبدأ المساواة في المراكز القانونية بين الرجل والمرأة داخل الأسرة، بما يضمن علاقة قائمة على التوازن لا الهيمنة.

غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في النصوص القانونية، بل في الثقافة المجتمعية التي تحيط بها. فالقانون، وإن كان أداة للتنظيم، إلا أنه قد يتحول ـ إن لم يُصغَ بعناية ـ إلى وسيلة لترسيخ مفاهيم مغلوطة حول العلاقات الإنسانية، خاصة في مجتمعات يغلب عليها الطابع الذكوري، مثل المجتمع المصري. وهذه الثقافة، التي عززتها أحيانًا تيارات فكرية متشددة، انعكست بدورها على بعض توجهات واضعي القوانين، الذين قد يميلون إلى الحفاظ على مكتسبات تقليدية تمنح الرجل موقعًا متميزًا على حساب المرأة.

ولما كان القانون يُسنّ ليواكب التطور المجتمعي، فإن فلسفته يجب ألا تكتفي بعكس الواقع القائم، بل ينبغي أن تعبّر عن التطور المأمول، وأن تسهم في تشكيل وعي جديد يدفع المجتمع نحو مزيد من النضج الفكري والاجتماعي. وهنا تبرز أهمية إعادة قراءة النصوص الحاكمة للعلاقات الأسرية، سواء كانت قانونية أو مستمدة من الشريعة الإسلامية.

الواقع يؤكد وجود اختلاف جوهري في منهج التعامل مع نصوص الشريعة؛ فبينما يرى اتجاه تقليدي أنها نصوص ثابتة التطبيق، يرى اتجاه آخر أنها قابلة لإعادة الفهم وفق تغير الزمان والمكان. وهذا الاختلاف في القراءة لا يعني بالضرورة تعارضًا مع جوهر الشريعة، بل قد يكون مدخلًا لاكتشاف مساحات واسعة من المرونة التي تحقق مقاصدها في العدل والاستقرار.

ومن المهم الإشارة إلى أن الشريعة الإسلامية، في جوهرها، تتضمن العديد من المبادئ التي تحقق التوازن بين الرجل والمرأة، إلا أن بعض هذه الجوانب ظل "مسكوتًا عنه" أو غير مُفعّل في التطبيق العملي، ربما لصعوبة تقبّله مجتمعيًا، أو لهيمنة تفسيرات تقليدية استقرت عبر الزمن.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دور المفكرين والتقدميين في إعادة صياغة هذه المبادئ في صورة قواعد قانونية واضحة، قادرة على تحقيق التوازن الأسري دون الاصطدام الحاد بالوجدان المجتمعي.

وقد أثبتت تجارب عدد من الدول الإسلامية إمكانية تحقيق هذا التوازن من خلال قراءات تجديدية للشريعة وصياغات قانونية متقدمة. فهناك دول إسلامية قامت بإصلاحات جوهرية لتعزيز مكانة المرأة، وإخضاع الطلاق لإشراف القضاء، وتقييد تعدد الزوجات بضوابط صارمة، مثل تونس التي تبنّت منذ 1956 قانون أحوال شخصية متقدمًا، وكذلك المغرب التي أدخلت تعديلات واسعة عبر "مدونة الأسرة" 2004.

وهناك دول اعتمدت مقاربة قانونية أكثر تقدمًا تقوم على المساواة، مثل تركيا التي تطبق نظامًا مدنيًا للأسرة قائمًا على المساواة بين الرجل والمرأة، بينما عملت دول مثل الأردن والإمارات العربية المتحدة على تطوير قوانين الأحوال الشخصية من خلال إصلاحات تدريجية تراعي طبيعة المجتمع.

كما طورت دول أخرى قوانين تراعي التعدد الثقافي، مع فرض رقابة قضائية على الزواج والطلاق، وضبط النفقة والحقوق الزوجية، مثل ماليزيا وإندونيسيا، حيث تتولى المحاكم الإشراف على قضايا الأسرة مع مراعاة التعدد الديني والثقافي.

في المُقابل، اعتمدت بعض الدول نموذجًا مدنيًا كاملًا قائمًا على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات الزوجية، مثل فرنسا وألمانيا والسويد وكندا، حيث يقوم قانون الأسرة على الشراكة القانونية الكاملة بين الزوجين.

وتكمن أهمية هذه التجارب في أنها لم تنسخ نموذجًا واحدًا، بل صاغت حلولًا تتناسب مع خصوصية كل مجتمع، وهو ما يؤكد أن تطوير قانون الأحوال الشخصية في مصر يجب أن ينطلق من واقعها الثقافي، مع الاستفادة من الخبرات المقارنة.

ولا يُمكن إغفال دور الاتفاقيات الدولية، التي قدمت مبادئ عامة يمكن الاسترشاد بها، خاصة في مجال المساواة وعدم التمييز، مع ضرورة تكييف هذه المبادئ بما يتلاءم مع الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع.

وفي ضوء ما سبق، فإن تطوير قانون الأحوال الشخصية في مصر لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره صراعًا بين الرجل والمرأة، أو بين التراث والحداثة، بل بوصفه عملية توازن دقيقة تهدف إلى بناء أسرة مستقرة، ومجتمع يتمتع بصحة نفسية سليمة، قائم على العدالة والشراكة. وهو ما يتطلب شجاعة تشريعية، ووعيًا مجتمعيًا، وانفتاحًا على قراءات متعددة، قادرة على استيعاب روح العصر دون التفريط في الثوابت.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة النصوص فحسب، بل في القدرة على إنتاج قانون يعكس تطورًا حقيقيًا في الفكر، ويؤسس لثقافة جديدة تُعيد تعريف العلاقات الأسرية على أساس من المساواة والاحترام المتبادل، بما يضمن مستقبلًا أكثر توازنًا واستقرارًا للمجتمع بأسره.