سيناريوهات السيطرة على مضيق هرمز

طرحت جولات الحرب مع إيران متغيرات عسكرية تسببت في لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى المفاوضات والتزام إسرائيل الصمت، ومن أهم المتغيرات التى قادت الهجوم المضاد الإيراني كانت درون شاهد 136، والصواريخ الباليستية والذخائر العنقودية، إلى أن تم إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية في العالم.

ولم يقف الأمريكي عند حد المفاوضات، بل عملت الآلة العسكرية الأمريكية على زيادة المخزون الاستراتيجي، والتجهيز للانقضاض على إيران مرة أخرى بعد تحييد متغيرات القوة لدى طهران، وأجرت الولايات المتحدة تدريبات باليكاتان 2026 في الفترة من 20 أبريل إلى 8 مايو بالفلبين لتجهيز القوات البحرية للسيطرة على مضيق هرمز.

وبناء على الجاهزية العسكرية في البنتاجون، ظهر القرار السياسي في البيت الأبيض، وبدأ الرئيس ترامب في العودة إلى لهجة التصعيد مرة أخرى، ظنا منه أن الأمور ستؤول لصالح الولايات المتحدة في الجولة الثالثة من الحرب على إيران.

وقبل أيام من إعلان الحرب على إيران، ظهر متغير عسكري أخر في الشرق الأوسط، وهو درون الألياف الضوئية، مؤكدا عجز الجيش الإسرائيلي في المسرح العملياتي اللبناني، وجاءت رسالة المشروع الأمريكي البريطاني «فلايتراب» بـ ليتوانيا تؤكد «إعادة التفكير في كل شيء»، فما الذي حدث في الفلبيين وليتوانيا ولبنان؟

سيناريوهات السيطرة على مضيق هرمز

الفلبيين.. رسائل باليكاتان 2026

خلقت أزمة الحصار المتبادل حول مضيق هرمز، عجزا لدى القوات البحرية الأمريكية، وهو ما انعكس على قيود المفاوضات بين إيران وأمريكا في باكستان، وسعى المخططون الاستراتيجيون في البنتاجون لتُغير وجه المواجهة في أهمم ممر مائي في العالم.

فمن مياه الفلبين، حيث اختتمت القوات الأمريكية والفلبينية والشركاء الدوليون واحدة من أضخم مناوراتها العسكرية المشتركة "باليكاتان 2026" (Balikatan 2026)، ظهرت الملامح الحقيقية لخطط التدريب والتحضير العملياتي الأمريكي للاستيلاء والسيطرة على مضيق هرمز ومواجهة استراتيجية "إنكار الوصول البحري" (Sea Denial) التي تفرضها إيران في الخليج العربي.

وعلى الرغم من أن مناورات "باليكاتان 2026" جرت رسمياً في أرخبيل الفلبين بمشاركة أكثر من 17,000 جندي بهدف ردع التمدد الصيني في المحيط الهادئ، إلا أن خبراء الدفاع يؤكدون أن التكتيكات والمعدات التي تم اختبارها هناك تمثل "بروفة مثالية" لكيفية كسر الاختناق البحري في هرمز.

سيناريوهات السيطرة على مضيق هرمز

الفوج الثالث.. قوات التدخل السريع في البحرية الأمريكية

وفي قلب هذه المناورات، برزت قوة الفوج الساحلي الثالث لمشاة البحرية الأمريكية (3rd Marine Littoral Regiment - 3rd MLR)، هذا الفوج الذي تم إنشاؤه كجزء من خطة التحديث المعروفة باسم "تصميم القوة" (Force Design)، مصمم خصيصاً للعمل كقوة خفيفة، رشيقة، وسريعة الانتشار في المناطق الساحلية الضيقة والمشحونة بالمخاطر.

خلال التدريبات، نفذ مشاة البحرية عمليات هجومية نوعية تحت مسمى "عمليات تأمين الأراضي البحرية الرئيسية" (Maritime key terrain security operations)، حيث قاموا بالاستيلاء على جزر نائية متفرقة في مضيق لوزون (مثل جزر باتانيس وباسكو) باستخدام طائرات الشحن C-130J وسفن الإنزال التابعة للجيش.

وفور السيطرة على هذه الجزر، قامت القوات بنشر منظومات تكتيكية حديثة لحرمان السفن المعادية من حرية الحركة، ومنها:

منظومة NMESIS

وهي قاذفات صواريخ برية بدون طيار، مثبتة على هيكل مركبات تكتيكية خفيفة (JLTV)، وتطلق صواريخ كروز المضادة للسفن، القادرة على العمل في بيئات محرومة من نظام تحديد المواقع (GPS) وتدمير الأهداف بدقة على بعد 185 كيلومتراً.

منظومة MADIS للدفاع الجوي

وهي منظومة متكاملة تستهدف تتبع واستهداف طائرات العدو المسيرة وحماية القوات المتقدمة في البيئات الساحلية الساخنة من هجمات الدرونات.

سيناريوهات السيطرة على مضيق هرمز

تكتيكات "باليكاتان".. سيناريو السيطرة على جزر هرمز

يمثل مضيق هرمز تحدياً جغرافياً وعسكرياً معقداً للغاية؛ فهو ممر ضيق لا يتجاوز عرضه الصالح للملاحة بضعة أميال، وتحيط به جزر إيرانية شديدة التحصين مثل (أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، وقشم) والتي حولها الحرس الثوري الإيراني إلى منصات لإطلاق صواريخ كروز، ونشر زوارق الهجوم السريع والدرونات الانتحارية والألغام البحرية.

وهنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لتدريبات الفلبين؛ إذ يعتقد قادة البنتاجون أن مفتاح فرض السيطرة على مضيق هرمز لا يكمن في إرسال حاملات طائرات ضخمة لداخل الخليج حيث ستكون عرضة للاستهداف السهل بأسلحة رخيصة الثمن، بل في تطبيق تكتيكات "الاستيلاء والتأمين" التي نُفذت في مانيلا، ومن هذه التكتيكات:

الطائرة أوسبري V-22

اقتحام الجزر الإيرانية المحصنة

يرى المحللون العسكريون أن إرسال وحدات مشاة البحرية (MEUs) عبر عمليات إنزال جوي وعمودي من خلال طائرات "أوسبري" (MV-22) ومقاتلات F-35B المنطلقة من القواعد البحرية المتنقلة، مثل السفينة البرمائية USS Tripoli، سيمكن القوات الأمريكية من السيطرة السريعة على جزر أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى، دون الحاجة للمرور عبر حقول الألغام البحرية الإيرانية الكثيفة في مياه المضيق.

منظومات NMESIS

نشر صواريخ برية مضادة للسفن

بمجرد تطهير تلك الجزر، سيتم إسقاط منظومات NMESIS فوراً عليها، هذا التكتيك سينقل ميزة "إنكار الوصول البحري" من يد إيران إلى يد الولايات المتحدة، مما يسمح بمراقبة واستهداف أي قطعة بحرية عسكرية إيرانية تحاول الاقتراب من خطوط الشحن الدولية.

إنشاء ممر عبور آمن ومحكم

يتيح هذا التكتيك بناء "ممر عبور مؤقت ومحمّي" (Defended Transit Corridor) تعبر من خلاله ناقلات النفط في أفواج منسقة ومحمية بمظلة جوية وبحرية وصاروخية ثابتة ومتحركة، بدلاً من الدخول في حرب استنزاف لتطهير كامل السواحل الإيرانية الممتدة لمئات الأميال.

تدريب فلايتراب (أمريكي بريطاني) للتصدي للدرونز


ليتوانيا.. أمريكا وبريطانيا عاجزتان عن مواجهة الدرونز في «فلايتراب»

حمل تدريب "فلايتراب" (Flytrap)، وهو تمرين متعدد الجنسيات، دلالات على الأبعاد التقنية والاستراتيجية في مواجهة الطائرات بدون طيار في المسارح الإقليمية المرتبطة بالشرق الأوسط، وتجاوز الجيش الأمريكي مجرد محاربة التهديدات الفردية للطائرات بدون طيار ، حيث أجري تجارب على تكتيكات لمكافحة - والهجوم باستخدام - أسراب الطائرات بدون طيار في سماء مكتظة. ردا على تكتيك الألف جرح الذي استخدمته إيران، بإطلاق رشقات عديدة من المسيرات.

تم تنفيذ مشروع Flytrap في ليتوانيا، وشارك فيه ما يقرب من 1000 جندي أمريكي وبريطاني، وتمحور حول دفع تكنولوجيا الجيش الأمريكي إلى أقصى حدودها وسط تقلبات الطقس والتضاريس، مع ضرورة دمج الطائرات بدون طيار في التكتيكات. وأكد قادة الجيش إن ظهور الدرونز الرخيصة المنتجة بكميات كبيرة، قد أجبر الجيش الأمريكي على إعادة التفكير في كل شيء بدءًا من الطيران وحتى دوريات المشاة.

فلايتراب 2026.. تدريب الجنود على المراقبة بالنظر


«المراقبة بالنظر» تتفوق على الرادار

وأكد مشروع Flytrap أن انتشار الطائرات المسيّرة غير أساسيات العمل العسكري، وخلص التمرين إلى أهمية أن يرفع الجنود رؤوسهم لأعلى والنظر إلى السماء من فوقهم، وعدم الاكتفاء بمشاهدة شاشات الرادارات. ويجب عليهم أيضاً أن يتعلموا "الاستماع إلى طنين الدرونز" وقال أحد القادة: "عليكم الآن أن تتعلموا أصوات الدرونز، ووتحددوا أنواعها واتجاهها".

وكانت الرسالة المستخلصة من مشروع فلايتراب: «لقد تغيرت طبيعة الحروب - من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط - حيث بدأت كل من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في الهجوم باستخدام أسراب من الدرونز الرخيصة والمتطورة"، ومازالت هناك تحديات في حماية الجنود.

تجربة فاشلة.. أوكرانيا في الشرق الأوسط

وخلال الحرب الأمريكية الإيرانية التى بدأت فى 28 فبراير 2026، استعانت الولايات المتحدة بقوات من  أوكرانيا في الدفاع ضد طائرات شاهد الإيرانية، وتمتلك كييف خبرة واسعة في مواجهتها في حربها مع روسيا، ورغم ذلك فشلت منظومة الدفاع أمام الإغراق الصاروخي الإيراني وإسراب المسيرات التى استهلكت مخزون الصواريخ الاعتراصية، ودمرت منظومات الدفاع.

فلايتراب 2026 التدريب على درون رؤية الشخص الأول


عجز عالمى أمام الطائرات بدون طيار

وفي جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، قال وزير الجيش دان دريسكول إنهم لم يجدوا إجابة لسؤال، ماذا نفعل إذا هاجمت أسراب من الطائرات بدون طيار طائرة أباتشي؟ ليستكمل:"إذا نظرت إلى جميع أنحاء العالم، فلن تجد حلولاً جيدة لذلك".

درونات الألياف الضوئية تضرب إسرائيل


إسرائيل.. الحلفاء غارقون في لبنان

في المسرح العملياتي اللبناني، ظهرت درونات الألياف الضوئية، لتقلب معادلات الحرب الإلكترونية، وتخترق أنظمة التشويش والرصد الإسرائيلية، وتُسقط الجنود وتستهدف قائد اللواء 401 من مسافة 20 كيلو متر، مؤكدة واقعًا جديدًا عنوانه أن الابتكار منخفض التكلفة هزم التكنولوجيا فائقة التعقيد.

درونات الألياف الضوئية اللبنانية اخترقت الحصانة التكنولوجية الإسرائيلية، حيث نفذت عملية استطلاع بعيدة المدى ودمرت الأهداف، ووثقت كل ضربة ببث حي عالي الدقة حتى لحظة الاصطدام، ما أدخل المعركة إلى الأبعاد النفسية والإعلامية، وأظهرت كيف يمكن لـ«ذبابة إلكترونية» صغيرة أن تهز صورة الآلة العسكرية الإسرائيلية.

ساعة الصفر.. ترامب يجلس وحيدا في البيت الأبيض

يجلس الرئيس الأمريكي وحيدا في البيت الأبيض، تحيطه رسائل سلبية عسكريا، ووجد نفسه في مأذق استراتيجي، وهو المسافة بين الخطاب السياسي والواقع العسكري ومسار المفاوضات، وشهدت أروقة البيت الأبيض في منتصف مايو 2026 أحداثاً دراماتيكية، وكشف الرئيس ترامب للصحفيين أنه كان "على بعد ساعة واحدة فقط" من توجيه ضربة عسكرية كبرى ومدمرة لإيران، وكانت المقاتلات والقوات والخطط في وضع الجاهزية القصوى للانطلاق، ولكنه تراجع فى الساعات الأخيرة.

أسباب تراجع ترامب

يفرق المحللون أسباب التراجع الأمريكي عن الهجوم على إيران إلى أسباب معلنة، وأخرى غير معلنة، وعن الأسباب المعلنة، فقد أعلن ترامب إنه ألغى الضربة استجابة لطلب مباشر من قادة دول الخليج، ومخاوفهم البالغة من ردود فعل إيرانية انتقامية غير متماثلة تستهدف البنية التحتية النفطية وحقول الغاز لدول مجلس التعاون، ما قد يضرب استقرار الاقتصاد العالمي. وهي أسباب حقيقية.

وعن الأسباب غير المعلنة لتعليق الهجوم الأمريكي على إيران، يمكن أن نستنتجه توجيهات ترامب لوزارة الدفاع والقيادة المركزية عبر منصة (Truth Social)، والتي أكد فيها أنه "أصدر توجيهات بالبقاء في حالة تأهب قصوى والاستعداد لشن "هجوم واسع النطاق ومباغت في أي لحظة"، وهي اللحظة التى تصل فيها الولايات المتحدة أو أي جيش في العالم لأسلوب أو تكتيك يستطيع تأمين الجنود والمعدات في ساحة المعركة من الطائرات دون طيار السلكية واللاسلكية.

معطيات استراتيجية

وتؤكد المعطيات الاستراتيجية لعام 2026 أن الجاهزية العسكرية والأساليب القتالية المستحدثة في جزر الفلبين البعيدة تمثل تدريبات فعلية يستند إليها جنرالات أمريكا لإنهاء هيمنة طهران الجغرافية على مضيق هرمز.

إن شواطئ مانيلا لم تكن سوى ميدان الاختبار الحقيقي لعملية السيطرة على مضيق هرمز والاشتباك مع إيران، والذي قد تنطلق شرارته في الشرق الأوسط في أي لحظة.