ما بعد اليونيفيل؟!
ترددت مؤخرًا رغبة بعض الدول في الانضمام إلى القوات الدولية التي ستحل محل قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، الأمر الذي يستدعي النظر في الوضع الأكثر مناسبة للدولة اللبنانية ومستقبلها.
والحقيقة أنه مع اقتراب نهاية عام 2026، يدخل جنوب لبنان مرحلة أمنية وسياسية بالغة الحساسية، مع اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل». فالمسألة لم تعد مرتبطة بتمديد جديد للمهمة، كما جرى في مراحل سابقة، وإنما بتنفيذ قرار مجلس الأمن 2790، الذي مدد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية خفض عديدها وانسحابها بصورة منظمة وآمنة خلال عام. وبذلك لا ينتهي الوجود الأممي في الجنوب بصورة كاملة في اليوم الأول من 2027، وإنما تبدأ مرحلة انتقالية يُفترض أن تنتقل خلالها المسؤوليات الأمنية تدريجيًا إلى الدولة اللبنانية.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أنها تضع لبنان أمام فرصة لإعادة تعريف المعادلة الأمنية في الجنوب. فالبديل الطبيعي لليونيفيل لا ينبغي أن يكون قوة دولية جديدة تحمل اسمًا مختلفًا أو تركيبة متعددة الجنسيات تعيد إنتاج الدور نفسه، وإنما الجيش اللبناني الذي يُفترض أن يصبح الجهة الأساسية والوحيدة المسؤولة عن الأمن على الأراضي اللبنانية. وقد وضع قرار مجلس الأمن هذا الاتجاه في صلب المرحلة المقبلة، عندما ربط إنهاء مهمة اليونيفيل بالهدف المتمثل في أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في جنوب لبنان، بالتوازي مع دعوة المجتمع الدولي إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتمكينه من الانتشار المستدام والقيام بالمهام المطلوبة منه.
ومن منظور لبناني، فإن انتقال المسؤولية من اليونيفيل إلى الجيش لا يمثل مجرد ترتيب أمني تقني، بل يشكل خطوة أساسية على طريق استعادة الدولة سيادتها الكاملة. فالوجود الدولي في الجنوب نشأ في ظروف تاريخية واستثنائية، بدءًا من إنشاء اليونيفيل عام 1978، ثم توسعت مهمتها بصورة كبيرة بعد حرب يوليو 2006 بموجب القرار 1701. وعلى مدى عقود، أصبحت القوة الدولية جزءًا من منظومة الاستقرار في الجنوب، وشاركت في مراقبة وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش اللبناني، ومساندة تطبيق القرارات الدولية. إلا أن وجودها لم يكن يُفترض في الأصل أن يتحول إلى بديل دائم عن الدولة اللبنانية، بل كان يُفترض أن يساعد على الوصول إلى مرحلة تصبح فيها المؤسسات اللبنانية قادرة على تولي مسؤولياتها كاملة.
ولهذا فإن انتهاء مهمة اليونيفيل يمكن أن يمثل فرصة لإعادة وضع الجيش اللبناني في قلب المعادلة الأمنية الجنوبية. فالجيش هو المؤسسة الشرعية التي تملك حق الانتشار في الأراضي اللبنانية، وهو الجهة التي تستطيع الجمع بين المسؤولية الأمنية والسياسية والسيادية في آن واحد. كما أن وجوده في الجنوب لا يحتاج إلى تفويض دولي جديد يحدد طبيعة علاقته بالسكان أو بالسلطات المحلية، لأنه جزء من الدولة اللبنانية نفسها، الأمر الذي يجعله أكثر قدرة على إدارة التفاصيل الأمنية اليومية والتعامل مع البيئة المحلية والحدود والمنشآت والبنى التحتية.
غير أن نجاح هذا الانتقال يتطلب الاعتراف بأن الجيش اللبناني يحتاج إلى دعم كبير حتى يتمكن من القيام بهذه المهمة. فالانتقال من وجود قوة دولية واسعة الانتشار إلى تولي الجيش المسؤولية الكاملة لا يمكن أن يتم بقرار سياسي فقط، وإنما يحتاج إلى تمويل مستدام وتجهيزات متطورة وقدرات استخبارية ومراقبة واستطلاع، إضافة إلى تعزيز القدرات اللوجستية والهندسية والبحرية والاتصالات وأنظمة القيادة والسيطرة. والمجتمع الدولي، إذا كان جادًا في إنهاء مهمة اليونيفيل ومنع حصول فراغ أمني في الجنوب، يستطيع أن يوجه الجزء الأكبر من الدعم الذي كان يذهب إلى منظومة الوجود الدولي نحو بناء قدرات الجيش اللبناني.
وهنا يصبح الدعم الأوروبي والدولي للجيش اللبناني أكثر أهمية من إنشاء قوة أجنبية جديدة. ففرنسا وإيطاليا وألمانيا ودول أوروبية أخرى تملك خبرة طويلة في لبنان وفي اليونيفيل، كما أن لديها قدرات عسكرية وتقنية يمكن أن تساعد الجيش اللبناني في مراقبة الحدود، وإزالة الألغام، وتعزيز الاتصالات، وتطوير قدرات الاستطلاع والمراقبة، وتدريب الوحدات المتخصصة. ويمكن لهذا الدعم أن يستمر في إطار دولي واضح، لكن من دون أن يتحول إلى وصاية أمنية على لبنان أو إلى بديل عن الجيش اللبناني.
وفي هذا السياق، تكتسب المبادرات الفرنسية والإيطالية المتعلقة بمرحلة ما بعد اليونيفيل أهمية خاصة. فقد بدأت باريس وروما البحث في ترتيبات دولية لدعم لبنان بعد انتهاء مهمة القوات الدولية، مع احتمال انضمام دول أوروبية أخرى. ويمكن لهذه المبادرات أن تكون مفيدة للبنان إذا اتجهت نحو تقوية الجيش اللبناني بدلًا من استبداله. فالمصلحة اللبنانية لا تكمن في وصول جنود أوروبيين أو غير أوروبيين ليحلوا محل الجنود اللبنانيين، وإنما في وصول المعدات والخبرات والتمويل والتدريب الذي يجعل الجيش قادرًا على القيام بالمهمة بنفسه.
كما أن استعداد تركيا للمشاركة في أي ترتيبات أمنية جديدة في لبنان يضيف بُعدًا إقليميًا إلى المشهد المقبل. وقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده للمساهمة في مبادرات أمنية جديدة بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. غير أن المشاركة التركية، مثل المشاركة الأوروبية، ينبغي أن تُقاس من زاوية المصلحة اللبنانية، لا من زاوية التنافس الدولي على النفوذ في لبنان. فإذا كانت المشاركة الخارجية ستساهم في تدريب الجيش وتجهيزه ودعم قدراته، فإنها يمكن أن تكون عنصرًا مساعدًا في المرحلة الانتقالية، أما إذا تحولت إلى إنشاء قوة أجنبية جديدة تتولى الأمن بدلًا من الجيش، فإنها ستعيد إنتاج المشكلة نفسها بصورة مختلفة.
وتزداد أهمية هذا التمييز مع طرح أفكار حول إنشاء آلية دولية للتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية في الجنوب. فالمفاوضات الأمريكية واللبنانية والإسرائيلية بحثت في إمكان وجود دول ثالثة تشارك في التحقق من بعض الالتزامات الأمنية، وظهرت أسماء عدد من الدول المحتملة للمشاركة. لكن هذه الصيغة لا تزال في إطار التفاوض ولم تتحول إلى اتفاق نهائي. ومن المنطقي أن تكون أي آلية تحقق مستقبلية محددة الصلاحيات، وأن تعمل بالتنسيق مع الدولة اللبنانية، وألا تتحول إلى سلطة موازية للجيش أو إلى أداة لإدارة الأمن داخل الأراضي اللبنانية.
وتبقى إسرائيل العامل الأكثر تأثيرًا في أي ترتيبات مستقبلية للجنوب. فإسرائيل تريد ضمانات تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله قرب الحدود، وتبحث عن آليات أكثر فاعلية للتحقق من الوضع الأمني في المنطقة. لكن الاستجابة لهذه الهواجس لا ينبغي أن تتم عبر تحويل جنوب لبنان إلى منطقة أمنية تديرها قوى أجنبية، بل عبر بناء قدرة الدولة اللبنانية على ضبط أراضيها. وكلما أصبح الجيش اللبناني أكثر قدرة على الانتشار والمراقبة ومنع أي نشاط عسكري خارج سلطة الدولة، تراجعت الحاجة إلى وجود أجنبي واسع، وأصبح من الممكن بناء ترتيبات أكثر استقرارًا على الحدود.
وتبقى قضية سلاح حزب الله جزءًا أساسيًا من أي انتقال أمني حقيقي. فالهدف الذي تضمنته القرارات الدولية يرتبط بتوسيع سلطة الدولة اللبنانية ومنع وجود أسلحة أو قوات غير تابعة لها في المنطقة الجنوبية، وفق الترتيبات المعتمدة. لكن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يكون عملية عسكرية منفصلة عن الواقع السياسي اللبناني، بل يحتاج إلى مسار وطني متكامل يعيد تنظيم مفهوم الدفاع الوطني، ويضع قرار الحرب والسلم والسلاح تحت سلطة الدولة. وفي هذا الإطار، فإن تعزيز الجيش لا يمثل مجرد استجابة لضغوط دولية، وإنما يشكل شرطًا أساسيًا لبناء دولة قادرة على إدارة أمنها بنفسها.
ومن هنا، فإن مرحلة ما بعد اليونيفيل ينبغي ألا تتحول إلى سباق بين الدول على إرسال قوات إلى الجنوب. فلبنان ليس بحاجة إلى استبدال قوة دولية بأخرى، ولا إلى تحويل جنوبه إلى ساحة جديدة للتنافس الفرنسي والإيطالي والتركي والأمريكي والإسرائيلي. المطلوب هو صياغة معادلة مختلفة يكون الجيش اللبناني في مركزها، وتكون المساعدات الدولية عنصرًا داعمًا لها. ويمكن أن يستمر الحضور الدولي في مجالات التدريب والمراقبة التقنية وإزالة الألغام والدعم اللوجستي والتحقق من تنفيذ بعض الترتيبات، لكن المسؤولية الميدانية والسيادية يجب أن تكون لبنانية.
وعام 2027 ينبغي أن يكون عام الانتقال التدريجي نحو هذه المعادلة. فمع بدء خفض وجود اليونيفيل اعتبارًا من الأول من يناير، يجب أن تتوسع مسؤولية الجيش اللبناني بصورة متزامنة، وأن تنتقل إليه القدرات والتجهيزات والخبرات اللازمة. ولا ينبغي أن يكون الانسحاب الدولي منفصلًا عن خطة واضحة لتعزيز انتشار الجيش، بل يجب أن يسير المساران بالتوازي، بحيث لا يترك انسحاب اليونيفيل فراغًا أمنيًا في أي منطقة.
إن نجاح هذا المسار يتطلب أيضًا موقفًا لبنانيًا موحدًا في التعامل مع المجتمع الدولي. فبدلًا من مطالبة الدول بإرسال قوات جديدة، ينبغي للحكومة اللبنانية أن تضع لائحة واضحة باحتياجات الجيش، وأن تطلب من الدول الصديقة تمويلها وتجهيزها وتدريب وحداتها. ويمكن تحويل الدعم الدولي من دعم قوة دولية موجودة على الأرض إلى استثمار طويل الأمد في مؤسسة لبنانية قادرة على الاستمرار بعد انتهاء أي مهمة دولية.
وتكمن قوة هذا الخيار في أنه يجمع بين السيادة والاستقرار. فالجيش اللبناني ليس قوة انتقالية تنتظر أن تحل محلها جهة أخرى، بل هو المؤسسة التي يُفترض أن تبقى في الجنوب لعقود طويلة. ولذلك فإن كل دولار يُنفق على بناء قدراته، وكل تدريب يحصل عليه، وكل منظومة مراقبة تقدم له، يمثل استثمارًا في أمن لبنان، وليس مجرد تمويل لمرحلة مؤقتة.
ومن هذه الزاوية، فإن نهاية اليونيفيل يمكن أن تتحول من مصدر قلق إلى فرصة. فالخروج التدريجي للقوة الدولية يمكن أن يشكل بداية لمرحلة جديدة يتولى فيها الجيش اللبناني مسؤولياته بصورة كاملة، مع استمرار دعم دولي منظم ومحدد الوظائف. وإذا نجح لبنان في بناء هذه المعادلة، فإن الجنوب لن ينتقل من قوة دولية إلى قوة دولية أخرى، بل سينتقل من نموذج الأمن الدولي المؤقت إلى نموذج الأمن الوطني المستدام.
أما استمرار البحث عن «بديل أجنبي» لليونيفيل، من دون إعطاء الجيش اللبناني الدور المركزي، فسوف يعني عمليًا تأجيل المشكلة لا حلها. وستبقى الدولة اللبنانية في موقع المتلقي للترتيبات الأمنية التي يقررها الآخرون، بينما يبقى الجنوب ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية.
لذلك، فإن الخيار الأكثر واقعية والأكثر انسجامًا مع مصلحة لبنان هو أن تكون نهاية اليونيفيل بداية لمرحلة الجيش اللبناني. لا يعني ذلك إبعاد المجتمع الدولي، بل وضعه في المكان الصحيح: شريكًا في بناء قدرات الدولة، لا بديلًا عنها. ولا يعني رفض أي وجود دولي محدود، بل رفض تحويل هذا الوجود إلى سلطة أمنية موازية.
وفي النهاية، فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بعدد الجنود الأجانب الذين سيبقون في الجنوب، ولا بعدد الدول التي ستشارك في أي قوة جديدة، وإنما بقدرة الجيش اللبناني على الانتشار والسيطرة وحماية الحدود وفرض القانون، وبقدرة الدولة اللبنانية على أن تصبح صاحبة القرار الأمني الوحيد على أراضيها. وعندها فقط تكون نهاية اليونيفيل قد حققت الغاية التي يفترض أن تكون من أجلها: ليس استبدال قوة دولية بقوة دولية أخرى، وإنما تمكين لبنان من استعادة مسؤوليته الكاملة عن جنوبه وسيادته على أرضه.