الدكتورة سماء سليمان

هكذا يبدو المشهد: حالة من العناد المتبادل. فلم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق تتزاحم فيه ناقلات النفط والسفن التجارية، بل تحول إلى مرآة تعكس جوهر الصراع الإيراني-الأمريكي بأكمله.

فمن يملك القدرة على التحكم في المضيق يملك، ولو جزئيًا، ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي، ولذلك فإن الخلاف حوله يتجاوز مسألة الملاحة إلى صراع على النفوذ والردع والكرامة والسيادة وموازين القوة في الشرق الأوسط.

ومع استمرار التوتر، أصبح واضحًا أن إغلاق المضيق أو إبقاءه في حالة اضطراب لا يمكن أن يكون حلًا دائمًا، كما أن محاولة فتحه بالقوة لا تبدو طريقًا آمنًا أو مستدامًا، وتشير بيانات الملاحة الأخيرة إلى أن حركة العبور لا تزال أقل كثيرًا من مستوياتها الطبيعية، رغم تسجيل ارتفاع طفيف في عدد السفن العابرة، حيث عبرت 10 سفن تجارية فقط، الأربعاء 26 أغسطس، وفق بيانات "كيبلر"، مقارنة بمتوسطات أعلى بكثير قبل الأزمة.

جوهر الأزمة أن واشنطن وطهران لا تتفاوضان على هرمز وحده، فخلف المضيق تقف ملفات متراكمة، من البرنامج النووي الإيراني والعقوبات، إلى النفوذ الإقليمي، وأمن إسرائيل ودول الخليج، والوجود العسكري الأمريكي، ومستقبل النظام الإقليمي الذي تريده كل من إيران والولايات المتحدة.

ولذلك فإن تفسير الأزمة باعتبارها مجرد خلاف على حق المرور في مضيق بحري يختزل المشكلة أكثر مما ينبغي، لقد أصبح هرمز أداة تفاوضية في صراع أكبر، وكل طرف يحاول استخدامه لتحسين موقعه قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.

العناد الأمريكي

للعناد الأمريكي أسبابه، فواشنطن ترى أن قبول صيغة تمنح طهران سلطة سياسية أو مالية منفردة على حركة الملاحة سيشكل سابقة خطيرة، ليس فقط في الخليج، وإنما في النظام الدولي كله.

فإذا قبلت الولايات المتحدة أن تستخدم إيران المضيق للحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية تحت ضغط التهديد بإغلاقه، فإن ذلك سيعني، من وجهة النظر الأمريكية، أن ممرًا حيويًا للتجارة العالمية يمكن أن يصبح رهينة لإرادة دولة واحدة.

ولهذا تصر واشنطن على حرية الملاحة، وتستخدم العقوبات والضغط الاقتصادي والتهديد العسكري في محاولة لمنع طهران من تحويل هرمز إلى أداة دائمة للمساومة. وقد تصاعد الضغط الأمريكي اقتصاديًا خلال الأيام الأخيرة مع توسيع العقوبات المفروضة على إيران.

العناد الإيراني له منطقه

لكن العناد الإيراني له منطقه أيضًا، فطهران لا تنظر إلى المضيق باعتباره مجرد ممر ملاحي، وإنما باعتباره إحدى أوراق القوة القليلة التي بقيت في يدها بعد سنوات من العقوبات والضغط والعزلة والمواجهة العسكرية.

ومن ثم، فإن التخلي الكامل عن هذه الورقة من دون الحصول على مقابل سيبدو داخل إيران وكأنه استسلام، وتريد طهران أن تقول للولايات المتحدة إن الضغط الاقتصادي والعسكري له تكلفة، وإنها لا يمكن أن تكون الطرف الوحيد المطلوب منه تقديم التنازلات.

ومن هنا يأتي تمسكها بربط فتح المضيق بتسوية أوسع تشمل العقوبات السابقة، ورفض العقوبات المحتملة، ورفع القيود التي ترى أنها جزء من سياسة الحصار، إلى جانب المطالب المرتبطة بوقف الحرب.

ومع ذلك، فإن قراءة سلوك الطرفين باعتباره استعدادًا لإبادة الطرف الآخر أو خوض حرب مفتوحة حتى النهاية ستكون قراءة غير دقيقة، فما يجري أقرب إلى حرب إرادات ومحاولة لتحسين شروط التسوية.

فالولايات المتحدة تريد أن تخرج من الأزمة وهي قادرة على القول إنها لم تسمح لإيران بفرض قواعد جديدة على الملاحة، بينما تريد إيران أن تخرج وهي قادرة على القول إنها لم تُجبر على الاستسلام، وأنها حصلت على ثمن سياسي واقتصادي مقابل التراجع.

المشكلة ليست في غياب مصلحة الطرفين في السلام، وإنما في أن كل طرف يريد أن يبدأ السلام من نقطة تبدو، أمام جمهوره الداخلي، انتصارًا له.

المنطقة الوسطى.. مخرج ممكن

وهنا تكمن المنطقة الوسطى التي لم تُستثمر بالقدر الكافي، فهذه المنطقة لا تقوم على سؤال: من يملك هرمز؟ وإنما على سؤال أكثر واقعية: كيف يمكن ضمان ألا يستخدم أي طرف هرمز كسلاح سياسي أو عسكري، وفي الوقت نفسه ألا تُنتزع من الدول المشاطئة حقوقها السيادية؟

يمكن بناء ترتيبات مؤقتة تجعل الملاحة التجارية منفصلة عن بقية الملفات السياسية، فتكون السفن التجارية محمية ومسموحًا لها بالعبور وفق ممرات متفق عليها، بينما تُعالج حركة السفن العسكرية بقواعد منفصلة لمنع الاحتكاك.

وتكون سلطنة عُمان في قلب هذه الترتيبات، باعتبارها الطرف الأكثر قبولًا للوساطة بين واشنطن وطهران.

وهذا ليس تصورًا نظريًا بالكامل؛ فهناك بالفعل مسار إيراني-عُماني يبحث إنشاء ممر ملاحي مؤقت وإزالة الألغام، مع استمرار الخلاف حول تفاصيل الإدارة وتقاسم الإيرادات. وحتى الآن لم يتحول هذا التفاهم إلى اتفاق نهائي.

خطوة مقابل خطوة

الحل الأكثر واقعية هو تحويل الأزمة من معادلة "هرمز مقابل العقوبات" إلى معادلة "خطوة مقابل خطوة".

تضمن إيران حرية الملاحة التجارية وعدم استهداف السفن، وفي المقابل تجمد الولايات المتحدة إجراءات التصعيد الجديدة وتبدأ تخفيفًا تدريجيًا للعقوبات.

ومع استمرار فتح المضيق، تنتقل التنازلات الأمريكية إلى مستويات أكبر، وفي مقابل كل خطوة أمريكية تقدم إيران ضمانات إضافية بشأن الملاحة والملف النووي والأمن الإقليمي.

وبهذه الطريقة لا يُطلب من أي طرف تقديم تنازل استراتيجي مجاني، وإنما يصبح كل تنازل جزءًا من مسار تفاوضي متبادل يمكن قياسه والتحقق منه.

الصين.. ضمانة اقتصادية ودبلوماسية

يمكن للصين أن تلعب دورًا بالغ الأهمية في هذه المعادلة، فبكين تملك نفوذًا اقتصاديًا كبيرًا على إيران، ومصلحة مباشرة في استقرار تدفقات الطاقة، كما تستطيع أن تمنح أي اتفاق غطاءً دوليًا واقتصاديًا أوسع.

وفي مارس، طرحت الصين وباكستان بالفعل خطة من خمس نقاط دعت إلى وقف إطلاق النار، وحماية المنشآت المدنية، وبدء مفاوضات السلام، وضمان أمن الملاحة وعودة المرور الطبيعي في مضيق هرمز.

والدور الصيني الأكثر فاعلية، في تقديري، يجب أن يكون ضامنًا اقتصاديًا وسياسيًا، لا مديرًا للمضيق.

فبكين تستطيع أن تربط استثماراتها وتعاونها الاقتصادي مع إيران بالتزام واضح باستقرار الملاحة، وأن تشجع طهران على قبول ترتيبات دولية للممر، وفي الوقت نفسه تستخدم علاقاتها مع واشنطن لإقناع الإدارة الأمريكية بأن تخفيف الضغط الاقتصادي ليس تنازلًا لإيران، وإنما ثمن لاستقرار سوق الطاقة ومنع اندلاع حرب جديدة.

فالصين لديها مصلحة حقيقية في منع انهيار أمن الخليج، لأن اضطراب هرمز لا يضر إيران والولايات المتحدة فقط، وإنما يضرب الاقتصاد الآسيوي وسلاسل إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها الصين.

روسيا.. دور سياسي وأمني

أما روسيا، فدورها مختلف. فهي لا تمتلك الأدوات الاقتصادية الصينية نفسها، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها وسيطًا محايدًا بالكامل، لكنها تستطيع أن تؤدي وظيفة سياسية وأمنية مهمة.

فعلاقتها بإيران تسمح لها بالتأثير في حسابات طهران، وعلاقتها بالصين تتيح لها العمل ضمن إطار أوسع، كما أن وجودها في معادلات الأمن الإقليمي يمنحها قدرة على دعم ترتيبات عدم التصعيد.

والأفضل أن يكون الدور الروسي مكملًا للدور الصيني، لا منافسًا له، فموسكو تساعد في الضمانات السياسية والأمنية، وبكين تساعد في الحوافز الاقتصادية والدبلوماسية.

ومن هنا يمكن تصور صيغة ثلاثية أكثر واقعية: عُمان تدير الوساطة المباشرة، والصين توفر الغطاء الاقتصادي والدبلوماسي، وروسيا تقدم دعمًا سياسيًا وأمنيًا، بينما تبقى الولايات المتحدة وإيران صاحبتَي القرار الأساسي.

وهذه النقطة مهمة للغاية، لأن أي اتفاق يُفرض من الخارج، من دون أن يشعر الأمريكيون والإيرانيون بأنه يحفظ مصالحهما الأساسية، لن يصمد طويلًا.

لا غالب ولا مغلوب

المعادلة النهائية التي يمكن أن تخرج الأزمة من مأزقها ليست أن تنتصر إيران على أمريكا، ولا أن تنتصر أمريكا على إيران.

المطلوب هو أن يحصل كل طرف على شيء يستطيع تقديمه أمام الرأي العام الداخلي باعتباره مكسبًا.

تحصل واشنطن على فتح مستقر للمضيق، وحرية الملاحة، وضمانات أمنية، وتحصل طهران على تخفيف تدريجي للعقوبات، ووقف الحصار، وضمانات بعدم استخدام ملف الملاحة ذريعة لتصعيد عسكري جديد، وتحصل عُمان على دور الوسيط، بينما تحصل الصين وروسيا على فرصة للمساهمة في بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

والأهم أن يبدأ الطرفان بالتعامل مع هرمز باعتباره مصلحة مشتركة لا ساحة غلبة، فإغلاقه لا يمنح إيران انتصارًا دائمًا، وفتحه بالقوة لا يمنح أمريكا استقرارًا دائمًا، وكلا الخيارين يحمل تكلفة هائلة على المنطقة والعالم.

أما الاتفاق المرحلي الذي يفصل أمن الملاحة عن الملفات الأكثر تعقيدًا، ثم يستخدم نجاحه لبناء تفاهمات أوسع حول العقوبات والبرنامج النووي والأمن الإقليمي، فهو الطريق الأكثر عقلانية للخروج من دائرة العناد.

في النهاية، لا تحتاج إيران والولايات المتحدة إلى أن تتفقا على كل شيء حتى تفتحا هرمز، بل تحتاجان فقط إلى الاتفاق على شيء واحد، فاستمرار الأزمة أخطر وأغلى من التسوية.

وعندما يصل الطرفان إلى هذه القناعة، يصبح المضيق من ورقة تهديد إلى ورقة تفاوض، ومن نقطة اشتعال إلى بوابة لتسوية أكبر في الشرق الأوسط.