جمال رائف

الحضارات الأصيلة تتلاقى لتنسف ما أسس له صامويل هنتنجتون من نظرية تتحدث حول صدام الحضارات وتحول الصراع إلى حضاري عقب الحرب الباردة، ولعل الواقع السياسي الدولي بشكل عام ينسف تلك النظرية ويؤكد أن الدول صاحبة الحضارات العريقة قادرة على أن تتلاقى وتصنع حاضرًا ومستقبلًا من التعايش والتعاون وأيضًا السلام، في حين أن الدول حديثة العهد هي من تصنع الفوضى الدولية وتصنع الصراعات، وبالنظر لقدرة الدولة المصرية صاحبة الحضارة العريقة وقدرتها على التواصل مع كافة الحضارات ومد جسور المحبة والسلام مع مختلف الاتجاهات الحضارية لهو خير شاهد ودليل على أن ائتلاف الحضارات واقع يتحقق، بل إن تلاقي مصر والصين اليوم لهو دليل قاطع على قدرة الحضارات على العمل سويًا من أجل بناء الحاضر والمستقبل.

​مصر والصين تربطهما علاقات تاريخية عميقة، الغوص فيها يذهب بنا إلى أعماق التاريخ، فطالما كانت القاهرة وبكين أبناء الشرق الأوفياء تجمعهم الحكمة والرشد والقدرة على مواصلة بناء علاقات تخدم مصالح الشعبين على مدار التاريخ، ولا سيما عقب ثورة 30 يونيو المجيدة التي أثبتت أن بكين قادرة على فهم اختيار الشعب المصري بشكل سريع في وقت لم تكن الكثير من دول العالم قادرة على استيعاب ما يحدث من ثورة مصرية فريدة استطاعت أن تقضي على التطرف والإرهاب، ولهذا كانت الصين على رأس أولويات تحركات الدبلوماسية الرئاسية، وقد شكلت زيارة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بكين عام 2014 وبعد أشهر معدودة من تولي المسؤولية محطة مفصلية نقلت العلاقات بين مصر والصين إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة والتي دشنت خلال تلك القمة وأسست لمرحلة جديدة من التعاون الممتد على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية وأيضاً الأمنية والعسكرية، بينما يظل التواصل الثقافي والحضاري بين البلدين والشعبين يشكل ركيزة أساسية بنيت عليها كل تلك المجالات من التعاون الاستراتيجي، حيث شكل العمق الحضاري والثقافي لكلا الدولتين أساسًا صلبًا وقويًا للارتقاء وتنمية العلاقات المشتركة، ومن ثم شكلت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر عام 2016 محطة أخرى لتنمية العلاقات، بل إن القاهرة كان لديها اهتمام بالغ بإظهار هذا التواصل الثقافي والحضاري بين البلدين خلال مراسم تلك القمة ما يؤكد علي هذا البعد المحوري والاساسي في العلاقات الثنائية.

​الصين تنظر لمصر ليس فقط كونها شريكًا استراتيجيًا على مدار العقود يتمتع معها بعلاقات مستقرة ومتنامية، بل أيضًا تجد بكين في القاهرة شريكًا دوليًا يعتمد عليه نتاج الثقة المتبادلة التي بنيت بين البلدين على مدار الزمان، وبرصد الدعوات التي وجهت للقيادة السياسية المصرية لحضور محافل اقتصادية هامة في الصين، سنجد أن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قد قام بزيارة الصين 8 مرات، من ضمنها 5 زيارات لحضور اجتماعات لتجمعات ومحافل اقتصادية هامة وهي كالآتي:
سبتمبر 2016: المشاركة كضيف خاص في قمة مجموعة العشرين بمدينة هانغتشو.
سبتمبر 2017: المشاركة في قمة دول بريكس بمدينة شيامن.
سبتمبر 2018: المشاركة في قمة منتدى التعاون الصيني الأفريقي (فوكاك).
أبريل 2019: المشاركة في الدورة الثانية لمنتدي الحزام والطريق للتعاون الدولي.
مايو 2024: زيارة دولة رسمية والمشاركة في المنتدى العربي الصيني بمناسبة مرور 10 أعوام على الشراكة الاستراتيجية.

​وبالنظر لتلك الزيارات التي شارك خلالها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، يتضح كيف تنظر الصين لمصر كشريك اقتصادي وتنموي لا يمكن الاستغناء عنه على مختلف الاتجاهات الاقتصادية سواء الإقليمية والدولية، ولا سيما وأن مصر أيضًا استطاعت على مدار العقد الماضي أن تؤهل نفسها داخليًا وإقليميًا للتواجد كفاعل اقتصادي وتنموي رائد على الصعيد الأفريقي والعربي وأيضًا الشرق أوسطي بشكل عام، ما دفع الصين لتعزيز تعاونها الاقتصادي مع مصر ليصل التبادل التجاري إلى ما يتجاوز 20 مليار دولار، بينما تجاوز حجم الاستثمارات الصينية في الداخل المصري 8 مليارات دولار، هذا بالإضافة إلى أن الصين شريك استثماري وتنموي في مشروعات حيوية مثل العاصمة الإدارية والمنطقة الاقتصادية بمحور قناة السويس، وأيضًا مشروعات النقل والبنية التحتية والتكنولوجيا وغيرها من المجالات التنموية التي تخدم أهداف استراتيجية مصر 2030، وعلى الجانب الآخر تنظر بكين لهذه الشراكة كونها لا تخدم فقط العلاقات الثنائية، بل إنها بالتبعية تعزز من دور مصر كبوابة اقتصادية إقليمية تساهم في إحداث تغيير إيجابي واستقرار نوعي في الاقتصاد الإقليمي، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي الدولي الراهن الذي يشكل خطرًا حقيقيًا على مستقبل التنمية في الدول العربية والأفريقية.

​سياسيًا تشكل العلاقات الاستثنائية والمتميزة بين القادة أحد أهم عوامل نجاح وتنمية العلاقات بين الدولتين، ما انعكس إيجابيًا على مختلف قطاعات التعاون المشترك، بل إن جودة العلاقات السياسية ساهمت بشكل ملحوظ في بناء مواقف مشتركة وتوافقات بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية وحيال بعض الأزمات، خاصة وأن تلك الرؤى ترتكز على ترسيخ السلام والاستقرار ودعم جهود التسوية السياسية لمختلف الأزمات والصراعات، ولهذا يترقب العالم أجمع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج لمصر في هذا التوقيت وما ستسفر عنه من التأكيد على المواقف المشتركة التي تخدم الأمن والسلم الدوليين، خاصة وأن كلًا من القاهرة وبكين لديهما أدوات سياسية ودبلوماسية تمكنهما من إيجاد تأثير إيجابي في الرأي العام الدولي، ولعل القضية الفلسطينية واحدة من أهم تلك القضايا التي تشكل محل توافق بين البلدين عبر استحضار مبدأ حل الدولتين كحل نهائي يضمن السلام والاستقرار بالمنطقة، كما تعد القمة المشتركة فرصة سانحة للنقاش المعمق حول الكثير من الأزمات الإقليمية والدولية بما يُمكّن الجانبين من العمل المشترك لتحقيق الأهداف المتعلقة بالأمن والاستقرار وأيضاً السلام.

​مصر والصين تلاقٍ حضاري يصنع واقعًا عظيمًا ومستقبلًا أفضل لكلا الشعبين.