نتنياهو وشخصنة الفشل الاستراتيجي
أثار التقرير الاستقصائي لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية جدلًا واسعًا في أروقة السياسة الإسرائيلية. ومفاد ما أورده التقرير أن نتنياهو تلقى تحذيرًا مبكرًا بشأن تصاعد حالة الاحتقان داخل قطاع غزة، وهو ما تجاهله بنيامين نتنياهو، وتقاعس عن إحاطة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية به. وبصرف النظر عن مدى دقة ما ورد في التقرير، في ظل غياب تأكيد رسمي لهذه الرواية، فإن طبيعة الارتدادات وردود الفعل التي أثارها في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية تدفع إلى تأمل المسألة من زوايا متعددة.
أولًا: لا يعيش بنيامين نتنياهو أفضل أيامه السياسية؛ فقد استقر لدى قطاعات واسعة من الشارع الإسرائيلي أنه لم يعد يملك حلولًا جديدة للأزمات المتراكمة.
ولعل استطلاعات الرأي المتواترة خير معبر عن حالة الإحباط والنفور العام من أدائه؛ إذ يسود إدراك متزايد بأن الدولة ومؤسساتها لم تعد تتصدر أولوياته، بعدما طغى هاجس بقائه السياسي بأي ثمن على أمور أخرى أكثر إلحاحًا، كالعدالة الاجتماعية، وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية في ظل حالة الإرهاق والتآكل التي يعاني منها الجيش الإسرائيلي، والملف الاقتصادي المتأزم، وهجرة الكفاءات والعقول، وصولًا إلى التهديدات متعددة الجبهات التي احترف نتنياهو استثمارها وإدارتها سياسيًا بدلًا من السعي إلى تفكيكها.
ويضاف إلى ذلك الحضور الضاغط لسؤال المسؤولية عن الإخفاق الاستراتيجي في السابع من أكتوبر؛ وهو السؤال الذي يتردد بإلحاح في الأوساط السياسية والشعبية، خصوصًا في ظل تهرب حكومته من تشكيل لجنة تحقيق رسمية تحدد مسؤولية كل طرف عن هذا الإخفاق.
ثانيًا: راهن بنيامين نتنياهو على حالة الانقسام الفلسطيني، واعتبر حركة حماس أصلًا استراتيجيًا في مسألة إبعاد الدولة الفلسطينية عن جدول أعماله، من خلال إبقاء قطاع غزة معزولًا.
وساعده على ذلك ظهور طبقة من المستفيدين من هذا الانقسام، عززت توجهاته الرامية إلى خلق كيانات سياسية منفصلة، يتذرع بها أمام الرأي العام الدولي بعدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض معه.
وبالتالي، فإن كل جهد يهدف إلى تحسين أوضاع الفلسطينيين ودفعهم إلى البحث عن حلول سياسية يصبح، في الحسابات الاستراتيجية لنتنياهو، عملًا تخريبيًا.
ثالثًا: كشفت ردود الفعل الصاخبة على تقرير «هآرتس» أنه، رغم ابتعاد محمد دحلان جغرافيًا عن فلسطين لأكثر من عقد، فإن استحضار اسمه بكثافة في السجالات السياسية والإعلامية الإسرائيلية يعيد تكريسه رقمًا سياسيًا صعبًا، عصيًا على التجاوز أو الشطب من معادلات المنطقة السياسية.
فقد برهن رد نتنياهو، الذي سارع إلى اعتبار التقرير «محاولة تدخل خارجي» يقودها دحلان للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية، على ميل واضح إلى شخصنة الفشل؛ إذ اتخذ من دحلان «فزاعة سياسية» لحشد قاعدته الانتخابية، وتخويف الشارع من صعود بدائل فلسطينية عقلانية ومنظمة تمتلك القدرة على الفعل السياسي.
وبصرف النظر عن مشاعر الابتهاج التي تسود الشارع الفلسطيني وهو يراقب هذا الارتباك الإسرائيلي، الذي أحدثه حضور الرجل رغم بعده الجغرافي، فإن ردود الفعل الإسرائيلية تفضح هشاشة المنظومة الأمنية والسياسية التي أدارها نتنياهو لسنوات؛ وهي منظومة قامت على وهم إمكانية تجاوز وتهميش الفاعلين الحقيقيين القادرين على استشعار الواقع وقراءته بدقة والتعامل مع متطلباته.
كما تكشف تصريحات نتنياهو عن ازدواجية معايير وانتهازية سياسية؛ ألم تكن تصريحات ومناشدات الرئيس ترامب لوقف محاكمته ومنحه عفوًا تدخلًا في شأن إسرائيلي داخلي؟ ألم يكن لمثل هذا العفو أن يرفع من حظوظه في الانتخابات المقبلة؟
لقد أدار دحلان حضوره الفلسطيني والعربي بحنكة شديدة؛ فعلى الرغم من تعرضه لحملات شيطنة وتشويه ممنهجة من أطراف فلسطينية داخلية وقوى إقليمية أخرى، اختار التموضع في مساحة الفعل التراكمي الهادئ، بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي، وهو ما تجسد في بناء حضور إغاثي وميداني متجذر وأصيل داخل قطاع غزة، قبل الأزمة الحالية وخلالها وبعدها، دون البحث عن تسجيل نقاط إعلامية رخيصة أو المتاجرة السياسية بها.
ورغم محاولات النفي المستميتة من جانب الليكود وأقطاب اليمين في إسرائيل لما ورد من مزاعم في تقرير «هآرتس»، فإن استدعاء الساسة وقادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية اسم دحلان في عمق الجدل الأمني الإسرائيلي يبرهن، وفق هذا الطرح، على أنه طرف يمتلك مفاتيح واقعية لا يمكن القفز فوقها في أي ترتيبات تخص حاضر غزة ومستقبلها.
ولعل أبرز الاستخلاصات من أزمة تقرير «هآرتس» وتداعياتها على الساحة الإسرائيلية تتجاوز مجرد إدانة نتنياهو أو تبرئته؛ إذ تقودنا إلى حقيقة مفادها أن محاولات شطب دحلان من وعي الإسرائيليين وذاكرتهم لم تنجح، بل أسهمت، دون قصد، في تثبيت مكانته كأحد الفاعلين الذين يصعب كسرهم أو تهميشهم عند بحث مستقبل القضية الفلسطينية وهندسة ترتيبات المرحلة المقبلة.