ماذا يحدث عندما يتغير الإنسان؟
يمكن النظر إلى تجارب الدول التي ساعدها الإنسان في بناء نفسه، وبالتالي بناء أمة قوية وحضارة ممتدة، وهي تجارب تساعدنا على فهم العلاقة بين بناء الإنسان والإنجاز من خلال:
1- تحديد الرؤية والأهداف بوضوح.
2- إعداد الإنسان عن طريق المعرفة والقيم والإرادة والمهارات.
3- تغيير السلوك: الانضباط والمبادرة والتعاون والمسؤولية.
4- تطوير الأداء المؤسسي من خلال التخطيط والتنسيق والتدريب والمتابعة والتقييم والمحاسبة.
5- تحقيق الإنجاز: نتائج قابلة للقياس، والتعلم منها، والتحسين المستمر.
إلا أن النتائج تتأثر أيضًا بالموارد والقيادة والبيئة المؤسسية والظروف المحيطة.
إذًا، تغيير الإنسان لا يعني مجرد مطالبته بأن يكون أفضل، بل بناء قدراته، وتشكيل سلوكه، وتوفير البيئة التي تسمح له بتحويل قيمه ومعرفته إلى عمل منتج.
قراءة بناء الإنسان للتجارب السابقة من منظور علم النفس والاجتماع والاقتصاد السلوكي:
أولًا: علم النفس: نتعلم الثقة بالنفس والدافعية للنجاح والصمود أمام الإحباط، ويكون الناتج تنمية عقلية المتعلم، وتعزيز المثابرة، والقدرة على التعامل مع الفشل.
الإنسان لا يعمل بكامل قدرته عندما يفقد الثقة في جدوى جهده. ولذلك، فإن استعادة الإحساس بالقدرة، وتحديد أهداف واضحة، والتدريب المتدرج، ورؤية التقدم في الأداء، عوامل يمكن أن تدعم الدافعية والكفاءة الذاتية.
ثانيًا: علم الاجتماع: نتعلم غرس الهوية والانتماء والعمل الجماعي والثقة المتبادلة، ويكون الناتج تعزيز المواطنة والتعاون واحترام المصلحة العامة.
تزداد قدرة الجماعة على الإنجاز عندما تتكون بينها قواعد مشتركة للالتزام والثقة والتعاون. لكن هذه القواعد لا تستمر بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات عادلة، وقدوات موثوقة، وتطبيق متسق للقواعد على الجميع.
ثالثًا: الاقتصاد السلوكي: أثر الحوافز بأنواعها، والالتزام في العمل، والتوقعات، وانعكاس ذلك على السلوك. ويكون الناتج مؤسسات تشجع الاجتهاد والأمانة والتعاون، وتحد من السلوكيات الضارة.
قد يعرف الفرد أن السلوك الصحيح أفضل للمجتمع، لكنه لا يلتزم به إذا كانت البيئة تكافئ المخالفة أو تجعل الالتزام مكلفًا. لذلك، لا بد من التوافق بين القيم المعلنة والحوافز الفعلية، بحيث يصبح السلوك الإيجابي ممكنًا ومقدرًا ومستدامًا.
رابعًا: الإدارة والقيادة: وضوح الأهداف وتكامل الأدوار والمتابعة والتقييم، وتطبيق ذلك في بناء الإنسان من خلال إدارة التعليم والصحة والبحث العلمي المبني على الأدلة، على أساس النتائج.
تختلف معارك التنمية عن المعركة العسكرية؛ فهي ممتدة ومتعددة الأطراف، ولا يكفي فيها توحيد الجهود لفترة قصيرة. إنها تحتاج إلى ثقافة مؤسسية ومجتمعية تستمر عبر الأجيال، وإلى مؤشرات تقيس ما تغير فعلًا في حياة الناس.
يمكن اجتهادًا ترجمة هذا المنظور إلى مؤشرات أداء عملية:
1- التعليم: مؤشر نسبة الطلاب القادرين على حل مشكلات تطبيقية، بما يعكس الانتقال من الحفظ إلى الفهم والتطبيق.
2- السلوك المجتمعي: مؤشر الالتزام بالقواعد العامة، وفق قياس موضوعي. والنتيجة: مدى تحول القيم إلى ممارسة.
3- العمل: مؤشر الالتزام بالقواعد العامة، وفق قياس موضوعي. والنتيجة المتوقعة: مدى تحول القيم إلى ممارسة فعلية.
4- البحث العلمي: مؤشر نسبة المشروعات التي تنتج حلولًا أو تطبيقات قابلة للاستخدام. والنتيجة المتوقعة هي ارتباط المعرفة باحتياجات المجتمع.
5- المواطنة: مؤشر المشاركة في المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي. والنتيجة المتوقعة هي الاستعداد للمساهمة في المصلحة العامة.
6- المؤسسات: مؤشر زمن إنجاز الخدمات، والشكاوى المتكررة، ومعدلات تصحيح الأخطاء. والنتيجة المتوقعة هي كفاءة الإدارة والتعلم المستمر.
ينبغي قياس هذه المؤشرات على فترات زمنية ثابتة، مع تحديد أسس وأهداف واقعية، وعدم الاكتفاء بالأرقام الكلية؛ فمثلًا، زيادة المشاركة التطوعية لا تعني بالضرورة ارتفاع جودة المشاركة أو استدامتها، وإنما ينبغي النظر إلى واقع الاستجابة والمشاركة الفعلية.
هذا البناء يعطي مؤشرات ودلالات على إنسان لا يحتاج إلى رقابة دائمة.
هذه إحدى أهم المسائل التي يثيرها مشروع بناء الإنسان.
يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات:
1- الالتزام خوفًا من العقوبة: يمتنع الفرد عن الخطأ لأنه يخشى اكتشافه.
2- الالتزام احترامًا للقواعد: يلتزم الفرد لأنه يدرك أهمية النظام وحقوق الآخرين.
3- الالتزام النابع من الضمير: يفعل الصواب حتى عندما لا يراقبه أحد، لأنه أصبح جزءًا من قناعاته وسلوكه.
حقيقة أن المجتمع يحتاج إلى المستويات الثلاثة؛ فالقانون العادل ضرورة، والوعي ضرورة، والضمير ضرورة.
لكن الهدف التربوي هو أن تتحول القيم إلى قناعات وثوابت داخلية، من دون الاستغناء عن القانون أو المساءلة.
وهذا التحول يتحقق بتكرار الممارسة الصحيحة، ووجود القدوة، وعدالة المؤسسات، واتساق ما يتعلمه الطفل في الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل والإعلام والمجتمع ككل.