البغدادي في أول ظهور له بالمسجد الكبير بمدينة الموصل

(نبأ عظيم) وعد به ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف اختصارًا باسم (داعش) منذ عدة أيام.. نبأ جاء به أبو بكر البغدادي أمير التنظيم مع حلول اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، بإعلانه دولة خلافة على الأراضي التي يسيطر عليها رجاله، من مدينة حلب شمال سوريا إلى إقليم ديالى شرق العراق.

ومن أجل توضيح ذلك الطموح الأممي قام البغدادي عقب ذلك الإعلان بساعات ببث مقطع فيديو على شبكة الإنترنت له دلالة رمزية، إذ يظهر فيه لودرات تحمل أعلام التنظيم تزيل نقطة حدودية بين سوريا والعراق، وهو ما سبقه قيام ميلشياته بالاستيلاء على نقطة مدينة القائم الحدودية من الجانب العراقي(توازيها مدينة البوكمال من الجانب السوري)، مما شكل نقطة هامة لإعلان عودة الخلافة التي أسقطها الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك عام 1924.

غير أن الحدث الذي يمكن وصفه بالتاريخي دون أدنى مبالغة، هو ظهور البغدادي نفسه علنًا يوم الجمعة الماضي بالمسجد الكبير في مدينة الموصل ثاني أكبر المدن العراقية، ظهر الرجل الأربعيني متشحًا بالسواد من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، في إشارة لنسبه الهاشمي، ليخطب ويصلي بالناس إمامًا، مازجًا في خطبته بين كلمات تاريخية للخليفة الراشدي الأول أبو بكر الصديق، وخلفه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

حيث قال الرجل الذي برهن بكلماته على أنه خطيب مُفوّه: (ابتليت بهذه الأمانة الثقيلة، فوليت عليكم ولست بخير منكم ولا أفضل منكم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فانصحوني وسددوني.. اطيعوني ما أطعت الله فيكم.. لا أعدكم كما يعد الملوك والحكام رعيتهم برفاهية وأمن ورخاء، وإنما بما وعد الله عباده المؤمنين).. في اقتباس واضح من قول ابن الخطاب لرعيته في أولى خطبه: "لقد ابتلاني الله بكم وبلاكم بي"، وقول الصديق: "لقد وليت عليكم ولست بخيركم".

ولكن انتقال البغدادي المفاجئ من الظلام إلى النور أثار أسئلة دون إجابات، أبرزها: أين كانت المخابرات الإيرانية المتوغلة في العراق منذ الإطاحة بصدام حسين، ولماذا لم تمنع تنظيم البغدادي من التمدد بهذا الشكل المرعب عبر العراق وسوريا، ولماذا لم تقصف طائرات النظام السوري أماكن تمركز داعش على أراضيه؟ ثم كيف يظهر البغدادي على هذا النحو متقمصًا دور الخلافاء الراشدين الزاهدين بينما رصدت الكاميرات في يده ساعة "رولكس" لا يقل ثمنها عن 35 ألف يورو؟!

في العدد الأخير من المجلة التي يصدرها (داعش) بالإنجليزية، وتحمل اسم (التقرير الإسلامي) Islamic Report، احتفل مقاتلو التنظيم بـ(إزالة حواجز الكفار)، في إشارة إلى إلغاء الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية (إنجلترا - فرنسا - روسيا) في اتفاقية (سايكس-بيكو) الموقعة عام 1916 إبان تفكيك الإمبراطورية العثمانية.

(توماس بيرت) أستاذ الإسلام السياسي بجامعة إدينبورج باسكتلندا، يوضح لصحيفة لوموند الفرنسية اليومية الهدف من إعلان داعش الخلافة بقوله: (الفكرة ليست بهدف جذب مزيد من المجاهدين من شتى أنحاء العالم، إنهم يريدون اللعب بكل الأوراق وإثارة الاضطرابات في عدة دول، منها مصر على سبيل المثال، بتمرير فكرة أنها الليلة الكبيرة لتحريك جماعات تشاركها نفس الأيدلوجيا كجماعة أنصار بيت المقدس في سيناء وأنصار الشريعة في ليبيا، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب المنتشر في غرب ووسط إفريقيا).

كشف الغموض

إعلان دولة الخلافة من قبل (داعش) أزاح ستار الغموض الذي كان محيطًا بشخصية زعيمه أبو بكر البغدادي، ذلك الرجل العراقي المولد عام 1971 بمدينة سمراء، والذي كان يحرص كل الحرص على إخفاء وجهه واسمه الكامل، ويدعي النسب لآل بيت النبي محمد(ص)، وبالتالي أحقيته بالبيعة والخلافة وقسم سمع طاعة من جميع المسلمين، ومن لا يفعل ذلك يعتبره مرتدًا خارجًا عن الإسلام ويستحل دمه، ويتخذ البغدادي الخلافة العباسية التي تمركزت في بغداد في الفترة من 750 إلى 1258م، كنموذج يسير عليه، ولكن لا أحد يعلم حتى الآن كيف سيُنظم أمور دولته ولا كيف سيجبر رعاياه على السمع والطاعة.

الخليفة الجديد الذي سمى نفسه (إبراهيم) معروف عنه تعطشه للدماء، ويملك ترسانة هائلة من الأسلحة ومئات الملايين من الدولارات، حصيلة بيع بترول منطقتي الحسكة والرقة السوريتين الواقعتين في قبضة رجاله، إضافة لبيع آثار نادرة من المناطق السورية التي فقد النظام السيطرة عليها.

وفي الفترة من أواخر 2012 لنهاية 2013، قام البغدادي باللجوء لبيزنس خطف الرعايا الغربيين لزيادة مخزونه من العملات الأجنبية، وهو ما ربح منه الملايين بالفعل من العملات المختلفة، فضلًا عن استيلائه على مبلغ كبير من البنك المركزي لمدينة الموصل العراقية عقب الاستيلاء عليها مباشرةً.

طلقة في الرأس

محمد العدناني، المتحدث الرسمي باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أعلن أنه (لن يكون هناك تواجد قانوني لأي جماعة أو إمارة أو تنظيم أو دولة يتمدد فيه تنظيم)، وهو ما يمثل تحديًا صريحًا لسلطة تنظيم القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري، الذي أدان أكثر من مرة ممارسات (داعش) بمجرد ظهورها على المسرح السوري في أبريل 2013، وهو ما يعني جبهة النصرة، التي يعتبرها الظواهري الممثل الأوحد لتنظيمه في الشرق الأوسط، وغيرها من الجماعات الجهادية المستقلة عليها أن تقرر ما إذا كانت ستحلف يمين الولاء للبغدادي أم لا، علمًا بأن العدناني توعد المخالفين للبغدادي بـ(طلقة مباشرة في الرأس).

وكانت معارك طاحنة شهدتها الأراضي السورية بين مقاتلي (داعش) والنصرة أودت بحياة ما يقرب 6000 مقاتل من الجانبين، بعدما فشلت كل دعوات الظواهري للبغدادي بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله فيما هم فيه يختلفون.

غير أن إعلان الخلافة أحادي الجانب من قبل البغدادي ليس من المتوقع أن يتسبب في قتال بين رجاله وجماعات جهادية أخرى فقط، ولكن من المتوقع أيضًا الدخول في صراع شرس مع عشائر المدن السنية في العراق (الرمادي - الأنبار - الموصل) التي طالبها البغدادي بتسليم سلاحها والإذعان له، هذا فضلًا عن عناصر بعثية في قواعد تنظيمه التحقت به كرد فعل انتقامي على السياسة الطائفية لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.

في النهاية يؤكد (توماس بيرت) أن الحديث عن تمدد داعش وتغوله في الأراضي المسيطر عليها يبدو مبالغًا فيه، نظرًا لما يملكه التنظيم من وسائل دعائية مترابطة على الشبكة العنكبوتية تسمح له بتضخيم انتصاراته، كما أن الحديث عن إمكانية اجتياحه بغداد لا يبدو منطقيًا في ظل أن عاصمة بلاد الرافدين ذات الأغلبية الشيعية يدافع عنها قوات من الحرس الثوري الإيراني بقيادة رجل لا يعرف الرحمة هو قاسمي سليماني.

وإذا كانت تحركات رجال البغدادي على الحدود مع السعودية والأردن تثير استنفار الدولتين، فإنه من غير المتوقع أن يهاجم أيًا منهما خصوصًا مع الأنباء المؤكدة عن زيارة يتم الترتيب لها في السعودية، حيث من المنتظر أن تستقبل الرياض وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وبحسب تسريبات من طهران، التي أعلنت أنها لا تعارض ترشيح شخصًا آخر غير المالكي لرئاسة وزراء العراق، لصحيفة التايمز البريطانية فإن زيارة ظريف تهدف لتقريب وجهات النظر مع مملكة آل سعود، لنزع فتيل الأزمة العراقية وللتوافق على شخصية توافقية بدلاً من رئيس الوزراء نوري المالكي الذي كانت سياساته الطائفية وتهميش وإقصاء المكون السني في العراق سببًا رئيسيًا في انتفاض مدن الأنبار والرمادي والموصل، وإلتحاق الكثير من أبناء العشائر السنية بقطار البغدادي، وهو ما يعني أن نجاح زيارة ظريف في الرياض يُمكن أن يسفر عن كماشة سعودية إيرانية تستعد للإطباق على عدو مشترك يسمي نفسه دولة الخلافة الإسلامية.