أسامة سلامة

كان الأمل أن يكون 2014 عام الانطلاق نحو الدولة المدنية، واستبشر كثيرون بوجود دستور جديد ينص على أن مصر دولة مدنية، خصوصًا بعد أن تمت الموافقة عليه بأغلبية كاسحة فى أوائل العام.

هذه البداية المشرقة لم تستمر طويلًا، ومع توالى الشهور بدأت تحدث بعض الانتهاكات التى تتعارض مع مواد الدستور، ومع انتهاء العام ظهر أننا ما زلنا نمشى بطريقة محلك سر، نحرك أقدامنا، ولكن نظل فى أماكننا، لا نتقدم خطوة للإمام، بل أحيانا تدور العجلة إلى الخلف، ونتراجع خطوات بعيدًا عن طريق الدولة المدنية التى نرجوها، وهو الأمر الذى سأقصر عليه كلامى فى هذا المقال، بعيدًا عن باقى المناحى الأخرى.

رفض عام 2014 أن يفارقنا دون أن يترك فى أيامه الأخيرة بصمة تحبطنا وتجعلنا نشعر بالخوف، من تسلط الدولة الدينية ومفاهيمها على عقول بعض المسؤولين، وكان الأمر أكثر إحباطًا عندما انقاد الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة، لهذا الاتجاه، ووقف مع قرار منع فيلم "الخروج" من العرض فى مصر، بدعوى أنه يحتوى على مغالطات تاريخية، رغم أنه منذ شهور قليلة كان يقف فى معسكر الموافقة على عرض فيلم"نوح"، فى مواجهة الأزهر، الذى رفض عرضه بحجة أنه لا يجوز تجسيد الأنبياء.

كانت وجهة نظر عصفور أن الأمر ليس به مساسًا بالأنبياء، وقد عرض من قبل فيلم المسيح دون أى مشاكل، ولكن مع فيلم "الخروج" وقف وزير الثقافة، الذى له مؤلفات مهمة عن التنوير فى صف المصادرة والمنع، هذا الأسلوب المرفوض، لن يمنع من يريد مشاهدة الفيلم من رؤيته، فسيكون موجودًا قريبًا على مواقع الإنترنت، ومتاحًا أمام الجميع، وهو ما حدث مع فيلم "نوح".

كنت أتمنى أن يبحث وزير الثقافة عن حل آخر خلاف المنع، مثل أن يكتب تحذير قبل عرض الفيلم، وعلى تذاكر السينما أنه يحتوى على مغالطات تاريخية، بل أرى أن فى عرضه ومناقشته على نطاق واسع فى الصحف والفضائيات، ومن خلال ندوات تقيمها وزارة الثقافة، فرصة لتعريف المواطنين، خصوصًا الأجيال الجديدة بالحقائق التاريخية لبلدهم، وهكذا اختار الوزير الحل الأسهل، ومؤثرًا السلامة على المواجهة، حتى ولو كان الثمن التراجع عن الدولة المدنية.

وفى نفس السياق جاء إحالة الشاعرة فاطمة ناعوت إلى المحكمة، بتهمة ازدراء الإسلام، ليصب فى نفس الاتجاه، أخطأت ناعوت فى كتابتها عن اشمئزازها من شعيرة ذبح الأضاحى فى عيد الأضحى، ووصفها بأنها مذبحة كبرى، ولكنها تراجعت واعتذرت، وخير الخطائين التوابون، ولكن فيما يبدو أن قضايا الحسبة أقوى من الاعتذار، وأن هناك من يريد تطبيق المثل "اضرب المربوط يخاف السائب"، وأن التضحية بناعوت يخيف الكثيرين، ويمنعهم من التعبير عن آرائهم وأفكارهم.

صدمتان فى نهاية العام الذى سيفارقنا بعد ساعات، ولكن يبدو أن الجهاد من أجل الدولة المدنية لن يفارقنا فى العام الجديد، وسيحتاج منا إلى كفاح طويل.