كوباني

لأكثر من شهر، كانت مدينة عين العرب "كوبانى" السورية فى يد "داعش". والجميع يعلم ماذا تمثل هذه المدينة للأتراك، لأن بها ضريح مؤسس الدولة التركية السلطان سليمان شاه.

ولعدة شهور، كان الدواعش يعيثون فسادا فى الأرض، فيذبحون ويحرقون من يشاؤون، ويهدمون أضرحة من يشاؤون.�الغريب أن ضريح مؤسس الدولة التركية لم تمسه "الدواعش"، رغم أنه كان فى يدهم، وتحت سيطرتهم، هو ومدينة "كوبانى" كاملة.

الأمر يثير تساؤلا كبيرا، لا سيّما أن قوات الأتراك توغلت منذ يومين لنقل رفات السلطان إلى مدينة أخرى فى سوريا، وهى "أشمة" رُفع عليها بالفعل العلم التركى.

ضريح سليمان شاه

لم يصطدم الجنود الأتراك، بالطبع، برفاقهم الدواعش، ولا اختطفوا 40 جنديا تركيا يحرسون الضريح، أو يذبحوهم ويحرقوهم، مثلما فعلوا مع المصريين المختطفين فى ليبيا والطيار الأردنى الكساسبة الذى وقع بين أيديهم.

غزوة سليمان شاه باشا تحيلنا إلى إمكانية إعادة تأهيل القسم المتعاون مع الاستخبارات التركية من مقاتلى داعش، كـ"معتدلين" فى إطار الاتفاقية "الأمريكية التركية"، لتدريب "المعارضة السورية". ويحيلنا أيضا إلى الإعلان عن بدء تدخل عسكرى تركى صريح فى سوريا، كما يحيلنا لما هو أخطر وأخبث، وهو استخدام رفاة سليمان شاه، لمنازعة السوريين على السيادة على مناطق تدّعى أنقرة حقها التاريخى فيها، على غرار ما فعله الصهاينة فى القدس، وما يروّجونه عن هيكل النبى سليمان المزعوم تحت المسجد الأقصى.

من جانبها وصفت الحكومة السورية التدخل العسكرى التركى فى الأراضى السورية بأنه "عدوان صارخ"، ونص بيان أصدرته وزارة الخارجية فى دمشق على أن "تركيا لم تكتف بتقديم كل أشكال الدعم لأدواتها من عصابات داعش والنصرة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة، بل قامت بعدوان سافر على الأراضى السورية".

وللتذكير، نشر موقع استخبارى إسرائيلى منذ فترة، تقريرا موجزا مفاده أن تركيا وإسرائيل تنسّقان لضربة عسكرية مشتركة ضد نظام الأسد، عبر قناة الأطلسى، وبتشجيع مباشر من الولايات المتحدة، وقد زّج التقرير بالأردن، بوصفه واحدا من الشركاء المحتملين فى الحرب المحتملة، ويبدو أن أول إرهاصات هذه الحرب قد بدأت بالفعل منذ يومين. نحن الآن أمام عدوان مكتمل الأركان من القوات التركية على أرض عربية، يبدو أنها أصبحت مستباحة من الجميع.

تنظيم داعش الإرهابى

فتركيا تتوغل فى أراضيها، والأمريكان وحلفاؤهم يرمون قذائفهم "الطائشة" من سمائها، والدواعش ينتشرون فيها ويأخذون من جبالها وصحرائها وريفها حصونا منيعة، فى وجود نظام فقد شرعيته منذ أعوام، عندما أجهض الثورة السلمية بالعنف غير المبرر.

الجميع إذن يستبيح سوريا بلا استئذان.


ولزوم إظهار أنقرة فى ثوب "المكافح للإرهاب"، انتقدت السلطات التركية صباح اليوم، بريطانيا، لإبلاغها متأخرا عن سفر ثلاث تلميذات بريطانيات إلى اسطنبول، للتوجه إلى سوريا، والانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية. وكانت الفتيات الثلاثة قد غادرن لندن عبر مطار غاتويك إلى تركيا الثلاثاء، بعد أن أخبرن عائلاتهن أنهن خارجات لقضاء احتياجات.

والفتيات الثلاثة هن: شميمة بيغيم، وأميرة عباسى (15 عاما)، وخديجة سلطانة (16 عاما).

وقال نائب رئيس الوزراء التركى، بولنت ارينج، إن "السلطات البريطانية ستكون مسؤولة فى حال عدم العثور على ثلاث تلميذات من لندن، سافرن إلى تركيا الأسبوع الماضى، ويعتقد أنهن فى طريقهن إلى سوريا". وتقول تركيا إنها تحتاج معلومات أسرع وأكثر تفصيلا من وكالات المخابرات الغربية، لتتمكن من اعتراض طريق من يسعون إلى الانضمام للتنظيم المتشدد.

يأتى هذا فى الوقت الذى وعد فيه وزير الدفاع الأمريكى الجديد آشتون كارتر من الكويت أمس، وبعد ستة أيام من تسلمه منصبه، بإلحاق هزيمة نهائية بتنظيم داعش، خلال ترأسه اجتماعا رفيعا فى قاعدة أمريكية فى الكويت مع قادة عسكريين ودبلوماسيين فى دول عربية بهدف البحث فى مستجدات الحرب على الإرهابيين تمهيدا لشن عملية "ثأر الأسود" ضد التنظيم فى العراق.

واجتمع كارتر لمدة ست ساعات مع نحو عشرين قائدا عسكريا وسفيرا ومسؤولاً فى أجهزة الاستخبارات فى قاعدة عريفجان، قدموا من مختلف أنحاء المنطقة. وقال كارتر، الذى تجنّب زيارة بغداد فى أولى جولاته الخارجية، متوجها إلى القوات الأمريكية فى القاعدة، قبيل الاجتماع، إن الائتلاف الدولى الذى تقوده الولايات المتحدة يدفع "تنظيم الدولة الإسلامية" بفاعلية بعيدا من الكويت ومن أماكن أخرى.

البيت الأبيض

وما زالت أصوات وقف الحرب فى أمريكا تتصاعد دون صدى فى البيت الأبيض، حيث قال النائب الديمقراطى فى الكونجرس الأمريكى، آدم شيف، إنه لا يرغب برؤية بلاده تنخرط فى حرب جديدة على غرار حرب العراق، أو أن تقع وسط مواجهة مذهبية بين دول المنطقة والمليشيات الشيعية، مضيفا أنه كان من بين المشدّدين على ضرورة أن تكون إجازة استخدام القوة ضد داعش واضحة ومحددة، داعيا العرب إلى خوض معاركهم بأنفسهم.

وقال شيف: "لقد صوتت لصالح الحرب فى العراق، وأنا نادم الآن لأنه اتضح أن المعلومات الاستخبارية التى بحوزتنا حول أسلحة الدمار الشامل لدى نظام صدام حسين غير صحيحة، ونتج عن ذلك تداعيات كارثية وأتمنى ألا يحصل ذلك مجددا"، وعن كيفية ضمان ألا تتطور إجازة التدخل الحالية لتصبح مشابهة للحرب بالعراق، قال شيف: "هذا هو السبب الذى دفعنا للتأكيد على أهمية ألا تكتب إجازة استخدام القوة ضد داعش بصيغ مطاطة، تتيح للرئيس الحالى أو المقبل استخدامها لاحتلال العراق مجددا، أو سوريا، البعض يطالب اليوم بقوات أمريكية مقاتلة فى سوريا والعراق، وأظن أن هذا خطأ فادح".

وتابع القول: "يمكن استخدام القوات الأمريكية فى عمليات التدريب أو التجسس أو إنقاذ طيارين سقطت طائراتهم مثلا، ولكننا لا نريد فتح الباب أمام تدخل عسكرى واسع النطاق يقع ثقله على عاتق الجيش الأمريكى، الذى سيتحمل مسؤولية تلك الدول العربية ويخوض الحرب بدلا منها".