المنسيون فى الأرض 1-2
تحقيق صحفى مخيف فى دلالته، نشرته جريدة الأخبار يوم الخميس الماضى، هذا التحقيق إذا نظرنا إليه من الناحية القانونية، أعتقد أنه كفيل بإعادة نظام مبارك بأكمله للمحاكمة مرة أخرى.
التحقيق عن "عزب مصر" والعزبة هى نجع صغير على أطراف القرية لا تصلها أى خدمات، وتسقط دائما من الحسابات، فهى بمثابة من رقص على السلم لا هى قرية ولا مدينة.
أربع عزب تروى الزميلة روحية جلال حكايتهن، التى ربما تصيبنا بالفزع، ففى الوقت الذى نتحدث فيه عن العدالة الاجتماعية والخدمات الإلكترونية والحكومة الذكية نجد أنفسنا أمام بشر أمنية حياتهم: "نفسى أشرب مياه نظيفة قبل أن أموت، فنحن قربنا ننسى شكل المياه"، "أسمع عن الكهرباء فى الكتب بس"، " هناك عيون لا تنام من شدة الألم دون علاج ومن شدة الجوع دون طعام" ، " كل شىء هنا يسبب المرض".
العزب الأربعة هى عزبة الصعايدة بمركز الواسطى ببنى سويف، عزبة بمها بالعياط، عزبة مرعى بالشرقية، عزبة السوسى بالغربية، بالتأكيد موجود �مثلها المئات وربما الآلاف من العزب، التى تعيش حياة تعود بنا لطريقة عيش الإنسان فى العصر الحجرى، وعصور ما قبل التاريخ.
عزبة الصعايدة لا تمتلك سوى حنفية فى الشارع يتجمعون حولها من أجل أن يغسلوا وجوهم وملابسهم ويطهون طعامهم: "حلمى أن أستيقظ من النوم مثل باقى البشر، أجد سقفا يسترنى ويستر أبنائى وأجد ماء أغسل به وأنظف أولادى قبل ذهابهم إلى المدرسة، بدلا من أن آخذهم كل يوم عند استيقاظهم إلى الشارع، وهم فى عز نومهم كى أغسل لهم وجوههم"، بينما عزبة المرعى تعتمد على الطلمبات الموجودة عند أبواب بعض المنازل، لذا تقوم كل أسرة كل يوم بملء العديد من الحلل كى تنظف المنزل والأولاد.
ترصد صاحبة التحقيق مشاهد من حياة أهالى هذه العزب، فتسجل المرض شبه الجماعى لأطفال عزبة السوسى، التى تطلق عليها �"العزبة الموبوءة": "اعتقدنا فى البداية أن ما حدث مجرد حالة مرضية استثنائية لطفل، ولكن بمجرد سيرنا فى أزقة تلك العزبة شاهدنا ما تقشعر له الأبدان، حين دققنا النظر إلى الأطفال شاهدنا الفقر والمرض ينهش فى أجسادهم ويسرق أحلى أيام طفولتهم، حيث لا يستطيع معظم أطفال تلك العزبة الجرى أو اللهو مثل باقى الأطفال فى أعمارهم وذلك نظرا لمعانتهم من أمراض فى عظام القدم أو الذراع أو الساق بأكمله".
أما عزبة مرعى بالشرقية فتلخص حال هذه العزب: "الطريق إليها خير شاهد على فساد الحكومات السابقة، يحاصرها الإهمال من جميع الاتجاهات، تشعر وأنت بها أن النفس الذى يخرج منك قد يشع تلوثا، خالية من الخدمات أو أى مقومات لحياة آدمية".
أعتقد أنه لا بد على الحكومة أن تضع خطة عاجلة لهذه الأماكن التى أصبح الوضع فيها لا يحتمل أى تأجيل فى معالجة الأمور المتردية، وإلا تكون هذه الحكومة مثل غيرها من الحكومات مشاركة فى هذه الجريمة.�