المنسيون فى الأرض «2-2»
رغم المعاناة التى ذكرناها فى المقال السابق عن ساكنى ما يُطلق عليها "العِزَب" استنادًا للتحقيق الذى نُشر فى جريدة الأخبار، راصدًا أوجه معاناتهم من فقر وغياب للكهرباء، والماء، وانتشار للجهل والأمراض - إلا أن التحقيق أظهر، أيضًا، الوجه الآخر للإنسان المصرى الذى يتمسك بالأمل إلى آخر لحظة، ويحاول قدر طاقته أن يجتهد، ويتغلب على الصعاب.
ومن ذلك قصة الطالب المنتمى لعزبة الصعايدة، التابعة لمركز الواسطى، بمحافظة بنى سويف، والذى يذاكر ليلًا على الضوء الناتج من حريق الأخشاب، ويتغلب على معاناته ليكون من الطلاب الأوائل فى مدرسته.
يقول الطالب المناضل: "أذاكر فى النهار على ضوء ربنا فى الشارع بجوار الحجرة، بينما أذاكر ليلًا على ضوء الشمعة، أو الإضاءة التى تنتج من حريق الأخشاب، وأنا طالب بالصف الثالث الإعدادى، وبالرغم من عدم وجود ماء، أو كهرباء، لأن أهلى لم يستطيعوا أن يدخلوها إلى المنزل لمعوقات مالية، اعتدت أن أتفوق دائمًا، وأن أكون من الأوائل على المدرسة كل سنة، وبعد أن أنتهى من المذاكرة أذهب إلى الغيط كى أساعد والدى حيث يعمل باليومية.. فأنا أدرك جيدًا أن أبى وأمى تعبا من أجل تربيتى كثيرًا، لذلك يجب أن أقف بجانبهما، وأن أرفع رأسهم، لأن الفقر ليس ذنبهم والحمد لله، وكل ما أحلُم بتحقيقه هو أن أصبح فى المستقبل طبيبًا مرموقًا أساعد الغلابة وأعالجهم".
مثل هؤلاء هم نقطة الضوء التى تحاول أن تنير ما حولها من عتمة، لكن لا يجب الوقوف عند المحاولات الفردية، والشحذ الداخلى، وترفع الدولة يدها، عن تنمية مثل هذه الأماكن، لابد من وضع حد لمعاناة أهالى هذه العزب الذين يحاولون أن يعيشوا بأبسط الأمور المتاحة، بل فى بعض الأحيان يكونون القدوة والمثل.. فإذا كان الطالب الذى أشرت إليه يجتهد فى مذاكرته، لتحقيق حلمه، وسط الصعاب، نجد هذه السيدة التى اقتربت من التسعين لازالت تعمل، بعد أن ضربت المثل فى قيم الوفاء، فعندما مات ابنها أوقفت حياتها من أجل تربية بناته، والإنفاق عليهم، ولا زالت تواصل عملها، بأن تبيع الطماطم، وهى صاحبة التسعين عامًا!!.
تقول السيدة المكافحة: "لا تتعجبوا من كِبَر سنى، فأنا ما زلت أعمل، وأبيع على الرغم من عدم قدرتى على الحركة، وعدم رؤيتى الواضحة بسبب التعب الذى أصابنى فى عينى.. لكن كل هذا يهون من أجل لقمة العيش، فأنا مسؤولة عن 3 بنات منذ ولادتهن.. وهن بنات ابنى الذى تُوفى منذ 20 عامًا، وتركهن فى رقبتى، فأخذت أعمل من وقتها كى أصرف عليهن إلى أن كبرتهن، وزوجتهن أيضًا، وضاعت صحتى على تربيتهن، واليوم أصبحت وحيدة. لا أنكر أننى قد تعبت وصحتى راحت، ولو ما اشتغلتش مش هلاقى آكل"!.
أتمنى أن يزور هذه العزب وغيرها المسؤولون، وجمعيات المجتمع المدنى، وأن تُوضع خطة عاجلة، من أجل تحقيق عدالة اجتماعية على أرض الواقع.