صناديق النذور.. كنوز منهوبة
صناديق النذور أو النفحات تعد وبحق مغارة على بابا التى تجلب الملايين لوزارة الأوقاف، إلى جانب قطع الذهب والفضة التى تغدق من قبل زوار ومحبى ومريدى آل البيت من الداخل والخارج خصوصًا فى الموالد الكبرى التى تشهد حضور الآلاف كالحسين والسيدة زينب بالقاهرة والسيد البدوى بطنطا وأبوالحسن الشاذلى وإبراهيم الدسوقى بكفر الشيخ وأبوالعباس المرسى فى الإسكندرية، والفولى بالمنيا.
"مبتدا" يقتحم هذا الملف الشائك للوقوف على المبالغ التى تأتى من صناديق النفحات وأوجه إنفاقها وآليات الاستفادة منها فى خدمة الدولة والمجتمع.
علاء أبو العزائم، شيخ الطريقة العزمية ورئيس الاتحاد العالمى للطرق الصوفية، يؤكد أن مريدى الصوفية ومحبى آل البيت هم من يأتون بالملايين لتلك الصناديق وليس الأوقاف التى تحصل على الأموال على الجاهز دون أى مجهود، حيث تبلغ الأموال التى تحصل عليها الوزارة عند فتح إجمالى صناديق النذور قرابة العشرين مليونا فى العام.

رئيس الاتحاد العالمى للتصوف يشير إلى أن وزارة الأوقاف لم تلتزم حتى ببنود القانون، حيث تتعمد وعن قصد إرسال الـ10% المستحقة للمشيخة طبقا لقانون المشيخة رقم 118 لسنة 1976 الذى أوجب إرسال 10% من إجمالى حصيلة الصناديق فى حين أن الأوقاف ترسل هذه النسبة، ولكن بعد خصم المصروفات من صرف بدلات وحوافز للعمال والعاملين بالوزارة من تلك الأموال، الأمر الذى يجعل من النسبة المستحقة للمشيخة تصل إلى ما يقرب من 5%، وهذا خير شاهد على أن الأوقاف تضرب بالقانون عرض الحائط.
ويوضح أبو العزائم أن الأوقاف تعوم فى بحر من الأموال بالإضافة إلى قطع الذهب والفضة، مضيفًا أن رواد مساجد الصوفية ليسوا من المصريين، ولكن هناك أجانب يتوافدون وبكثافة على تلك الصناديق خاصة من أفغانستان وباكستان والهند وكذلك السعودية وبعض البلدان العربية.
وحول كيفية فتح صناديق النذور يشير الشيخ محمد عز الدين، وكيل وزارة الأوقاف لشؤون الدعوة، أن مثل هذه الطرق التى اتبعت فى فتح صناديق النذور من قبل عبر السنوات الماضية شابها العديد من المخالفات وعمليات السرقة لغياب الشفافية والمصداقية، الأمر الذى دفع الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، إلى إصدار لائحة جديدة تحقق المزيد من المصداقية والنزاهة فى فتح صناديق النذور فى جميع المساجد والتى يصل عددها إلى ما يزيد عن 200 صندوق، للحفاظ على المال العام من عمليات السرقة والنصب.

ويؤكد عز الدين أن الوزير أرسل صناديق جديدة مؤمنة إلى جميع المساجد الكبرى والصغرى التى بها صناديق نذور بما فى ذلك الزوايا وتم ترقيمها بالتسلسل على جميع مستوى الجمهورية، مشيرا إلى أن تلك الصناديق لها قفلين مختلفين لكل صندوق لكل منهم مفتاح مختلف أحدهما يوجد بخزينة المديرية التابع لها المسجد أو الصندوق المراد فتحه والآخر يوجد بخزينة الوزارة حتى لا يمكن لأحدهما فتح الصندوق إلا بوجود الآخر هذا بالنسبة إلى تأمين الصناديق ذاتها.
ويكشف وكيل وزارة الأوقاف أن الوزير اتبع أعلى درجات الشفافية فى فتح صناديق النذور، حيث لم تكفيه تلك الإجراءات بل قام باتباع تجربة حديثة تعد الأولى من نوعها وهى استخدام كاميرات الفيديو كونفرنس عند عملية فتح الصناديق، حيث تقوم تلك الكاميرات بنقل وقائع فتح الصناديق لحظة بلحظة إلى مركز معلومات الوزارة وبحضور الوزير شخصيا، وكانت أول تجربة لفتح صناديق النذور بكاميرات الفيديو كونفرنس كانت بمسجد إبراهيم الدسوقى بطنطا، وجار تعميم التجربة فى أغلب المساجد الكبرى التى بها صناديق نذور لرغبة الوزارة فى تحقيق أعلى معايير المصداقية والنزاهة فى فتح الصناديق وحتى لا تضيع أموال الناس إلا فى نصابها الصحيح وطبقا للقانون.

وعن مواعيد فتح صناديق النذور ينوه الشيخ محمد عبد الرازق، رئيس القطاع الدينى بالوزارة، بأن فتح صناديق النذور تختلف على حسب ما إذا كانت الصناديق موجودة فى مساجد كبرى أو صغرى أو متواجدة فى الزوايا وذلك لأن المساجد الكبرى دائما ما تحصل على مبالغ ضخمة وبالتالى تختلف عن المساجد الصغرى والزوايا ومع ذلك فهناك من المساجد التى يفتح بها صناديق النذور كل أسبوع عقب صلاة الجمعة بمعرفة الأوقاف وأخرى تفتح كل شهر، بالإضافة إلى صناديق يتم فتحها كل 3 أشهر وستة شهور وصولا إلى مرة واحدة كل سنة وعادة ما تكون المرة الواحدة فى صناديق الزوايا لقلة الوافدين إليها.

وفيما يتعلق بكيفية توزيع حصيلة أموال صناديق النذور يقول الشيخ أحمد ترك، مدير إدارة المساجد الكبرى، إن القرار الوزارى رقم 52 لسنة 1998 هو الذى ينظم مسألة توزيع حصيلة تلك الأموال، حيث نصت المادة الثالثة على أن تخصص نسبة للعاملين بالمسجد بحسب الدرجة الوظيفية لكل عامل فى المسجد، حيث يحصل شيخ المسجد والإمام طبقا للقانون على ما يعادل حصة ونصف بحد أقص 300 جنيه فى الشهر، بينما يحصل أمين المكتبة وكاتب النذور ومقيم الشعائر على حصة واحدة بحد أقصى مائة جنيه فى الشهر.

أما عمال الخدمة والنظافة فلهم نصف حصة بحد أقصى 80 جنيها فى الشهر هذا فيما يتعلق بعمال المسجد الذى به الصندوق، أما المسجد نفسه فالقانون أجاز له أن يحصل على 10 % من قيمة الصندوق الذى به ويتم صرف هذه النسبة على أعمال الصيانة والترميم اللازمة.
مصادر بوزارة الأوقاف توضح أن حصيلة صناديق النذور تزيد على 20 مليون جنيه، ولا أحد يملك فيها سلطان على الأوقاف، الأمر الذى يدفع بعض الأئمة فى المساجد على سرقة الصناديق باتفاق مع العمال، فهناك الكثير من حالات سرقة صناديق النذور من قبل رجال الأوقاف هذا فضلا عن عدم وجود رقابة فعلية على حصيلة تلك الملايين.

وتقول المصادر: "من هنا تصبح أموال النذور متاهة ومرتعًا خصبًا للسرقة سواء من صغار الموظفين أو قيادات الوزارة".
وطالبت المصادر بضرورة إخضاع تلك الصناديق لإشراف الجهات المعنية وأن تشكل لجنة تتكون من أعضاء ممثلين عن الأوقاف والداخلية والجيش والجهاز المركزى للمحاسبات والقضاء، فضلا عن تصوير عمليات الفتح عبر وسائل الإعلام المختلفة، وأن يكون المجتمع مطلع على مواعيد الفتح.
وتؤكد المصادر ضرورة وضع خطة واضحة لاستثمار تلك الأموال فى أنشطة تفيد وتخدم المجتمع بدلا من إخضاعها للأوقاف، والتى تشكل لجنة بمعرفتها بالتنسيق مع بعض رجال الداخلية.