لميس جابر

هل رأيت الصورة يا صغيرى؟  صورتك التى انتشرت على صفحات الصحف وعلى المواقع وفى الفضائيات.. أنت.. نعم.. أنت يحملك الرئيس.. لن تدرك الموضوع الآن.. ولكن سوف ترى وأنت تحبو أولى خطواتك على الأرض، وتستند إلى المقاعد بيديك الصغيرتين..

سترفع رأسك إلى حائط منزلك الذى كساه الحزن، وجلله السواد، وسترى صورتك مكبرة داخل البرواز الزجاجى.. أنت بشهورك الثلاثة والرئيس.. لن تعرف الآن معنى هذه الصورة.. لن تعرف القصة الكاملة لهذه الصورة.. فهى ملحمة.. ملحمة حب الوطن وأنت لك علاقة وثيقة بهذه الملحمة.. ربما كانت نظراتك الحائرة وأنت فوق المسرح بين يدى والدتك، التى لم تعد تستطع التحكم فى دموعها.. ربما كانت نظراتك تبحث عن وجه بعينه.. وجه اعتاد رؤيتك كل صباح.. اعتادت يداه على حملك إلى أحضانه، لإعطائك نفحة من دفء محب مضحٍ..

هل تذكر ضحكاته وابتسامته لك كلما حانت له الفرصة؟ بالتأكيد كان يفكر فيك رجلًا ناضجًا شابًا قويًا ذات يوم.. هل يا ترى كان يتمنّى أن تكون مثله؟ بطلًا.. مقدامًا يحمل عمره على يديه كل صباح؟ أم كان يدعو لك ولأقرانك من الملائكة الصغار، أن يجعل الله أيامكم أجمل من أيامنا.. وأهدأ وأكثر استقرارًا.. وأن يحمى الله مصر من كل شر يواجهه هو كل يوم..

هل تعرف مصر يا صغيرى الجميل؟ مصر هى أنت وإخوتك وأقاربك ونحن وأبناؤنا وأحفادنا.. مصر يا حبيبى هى الشعب الجميل.. القوى.. البطل.. المضحى.. وأبوك هو من يحمى المصريين.. هو من يدفع بعمره من أجلنا جميعًا.. بل هو من دفع بالفعل.. دفع حياته لنا.. وأنت أيضًا دفعت.. دفعت شيئًا غاليًا لا يقدّر بالرثاء والكلمات المساندة والسلوان.. دفعت حرمانًا لن تعوضّه الأيام.. دفعت غياب الأب.. المحب..الحنون ..المعطاء.. دفعت غياب السند.. القوة التى دائمًا ما تكون مستعدة للحماية والاحتواء..

عندما تبدأ يا صغيرى سنوات المدرسة وأنت بعد صغير.. لن يذهب معك فى اليوم الأول.. لن يبعد عنك خيالات الخوف التى سوف تحيط بك عندما تغيب عن الأم لأول مرة.. الأم.. أمك هى الأخرى دفعت الكثير.. حملت على أكتافها أثقال الحزن والفراق والوحدة والمسؤولية.. مسؤولية أن تنشئك يا صغيرى شجاعًا قويًا مثل والدك الحبيب الذى لم تحفظ عيناك الصغيرتان صورته بعد، والذى لم تعتد عيناك ابتسامته بعد.. ولم تفهم عبارات كل صباح التى كان يلقيها عليك قبل أن يفارقك..

والدك هذا يا صغيرى سوف تجد صورته الكبيرة بجوار صورتك مع الرئيس على نفس الحائط.. والدك هذا "بطل" عظيم.. أحب مصر وأحبك ودفع حياته وحرمانه منك من أجلنا جميعًا.. ربما عندما تكبر، تسأل عن هذا الرجل الطيب الذى يحملك.. سوف تعرف أنه الرئيس الأب.. حملك بين يديه، ربما أعطاك من دفء عواطفه البعض القليل الذى يخفف عنك الحرمان القادم.. كانت لحظات صغيرة عندما حملك وأحاطك بذراعيه.. ولكنها العطاء الإنسانى الممكن فى هذه الظروف الحزينة.. ربما أيضًا توقفت كثيرًا أمام ملامح الرجل الذى قالوا لك إنه الرئيس ..

هل هذه ابتسامة؟ أم محاولة شديدة الصعوبة للابتسام لإخفاء شعور طاغٍ بالحزن والمرارة.. حزن طاغٍ على والدك الشاب البطل.. وهم ومرارة بسبب نظراتك الباحثة هنا وهناك عنه.. والدك يا صغيرى بطل عظيم.. وسوف تمر بجوار الصورة كل حين وتقول أبى بطل.. الشهيد.. وسوف ترفع رأسك عاليًا ليس فقط لأنك ابن الشهيد والبطل ولكن لأنك دفعت الكثير من أجلنا جميعًا..

أوصيك يا حفيدى الصغير بأمّك الشابة الصغيرة التى كسرها الحزن، وجلّلها السواد قبل الأوان.. ستكون حضنًا دافئًا لك، وستكون سندها وفخرها، كما كان الشاب البطل.. أبوك.. هذا الشهيد الحى الذى سترى صورته دائمًا بجوار صورتك مع الرئيس.. سيندحر الشر القاتل يومًا ما.. وستنتصر مصر على الموت وعلى السواد، وستقف شابًا يافعًا يومًا ما.. تهتف مثل أبيك.

تحيا مصر