راشد الغنوشى

قبل عام بالتمام وكمال، رصد "مبتدا" الكراهية التى يكنها إخوان لحركة النهضة التونسية، أحد أكبر أفرع الجماعة فى الخارج، بيد أن الأمر تحول الآن بين الطرفين لخصومة ضخمة.

بالأمس، أعلنت حركة النهضة انفصالها عن التنظيم الدولى للإخوان، ومن ثم فصلت تمامًا بين نشاطها الدعوى ونظيره السياسى، مع خطوات جادة لتأسيس حزب، تتعاطى به فى العمل العام فى تونس.

لكن خطوة الأمس من جانب إخوان تونس لها جذور فى الماضى القريب، فإخوان تونس أثبتوا مرارًا منذ اندلاع ثورات الربيع العربى، وحينما كانوا فى الحكم ثم تخلوا عنه، أنهم تعلموا من خطأ الجماعة الأم بمصر، بمعنى أن تكون جزءا من المشهد، وأن تسعى بجد لتصبح فاعلًا فى إدارته نحو الصلاح لا نحو استنزافه، هو الضمانة الوحيدة للبقاء فى قلبه، والسبيل الوحيد لحكمه يومًا ما، ذلك هو الدرس الذى لم يستوعبه التنظيم المصرى.

ولعل الرسالة التى بعث بها راشد الغنوشى لإخوان مصر، يلومهم فيها على طريقة إدارتهم للأزمات أثناء حكم المعزول مرسى، وبعد إزاحتهم عنه، ربما كانت هى ذاتها نهجه فى التعاطى مع الحالة السياسية فى بلاده، حيث انتهج عكس ما انتقده فى التنظيم الأم.

الغنوشى قال فى رسالته الشهيرة، والتى انفرد "مبتدا" بنشر تفاصيلها لإخوان مصر علنًا: سياستكم مرتبكة.. ارتجالية.. متمردة.. صبيانية. اعترف بأنهم تفرغوا للدس، والتخوين، والتفرقة بين الناس، والاستحواذ على السلطة، وإقصاء الآخر".

كما حمل لهم عروضًا فى صورة ضمانات أوروبية بترك العنف، مقابل عودة آمنة لقلب المشهد العام والسياسى المصرى.. لكن لا حياة لمن تنادى.

الثابت أن النهضة الإخوانى التونسى حاول تكرار سيناريو الأخونة والاستحواذ والهيمنة الذى مارسته الجماعة الأم فى مصر، إبان حكم مرسى قبل 30 يونيو، فى بلاده.

غير أن صفعة 30 يونيو كانت مدوية، للتدخل بعدها الولايات المتحدة الأمريكية تحاشيًا لإخفاق جديد مماثل لما جرى فى بلاد النيل.

حاولت إنقاذ بقية أذرع حليفها الإخوانى فى المنطقة، فتحركت عبر واجهتها باريس، لاحتواء الوضع فى تونس، قبل أن تجبر النهضة والغنوشى على التراجع عشرات الخطوات إلى الخلف، حتى لا ينهار مشروع جماعته للأبد.

لكن الفيصل فى القصة كلها، أن إخوان تونس لم يكابروا وخضعوا ـ ولو بعض الشىءـ حفاظًا على مكاسبهم التى نالوها بعد الإطاحة ببن على، الرئيس التونسى الذى أطاحت به ثورة الياسيمن.

لتلك العقلية النفعية الناجعة يكره إخوان مصر إخوان الغنوشى بتونس، وربما لهذا السبب يرفض الفريق الأول نصيحة الثانى الرامى لإنقاذهم عبر جولات إقليمية ودولية عدة، لاستنهاض قوى ضغط على القاهرة لإقرار مصالحة مع الجماعة، بالتنازل وترك العنف وتحييد العمل السياسى، على أمل أن يجد التنظيم نافذة للنجاة، والبقاء على قيد الحياة.

الآن ماذا يعنى انسحاب النهضة من عباءة الإخوان؟

أن التنظيم الدولى وإخوان مصر فقدوا الفرع الأكثر تسيسًا واتصالًا بالعالم الغربى الديمقراطى، ووسيطًا مهمًا طاف دولًا عدة فى المحيط العربى والإسلامى فى الفترة الأخيرة، بحثًا عن قوى تساعده فى عقد صفقة بين الجماعة، ونظام الرئيس عبد الفتاح السيسى، تنقذ قياداتها من السجن وتمنحها قبل الحياة وتعيدها للحياة السياسية من جديد.

إن إخوان مصر، وفى ظل حالة الصراع الإدارى على السلطة بين فريق محمود عزت وصقوره وفريق محمد كمال المعروف بالإدارة العليا، مكتب إرشاد فبراير 2014، معرضون لتفتات عنيفة جدًا وانسحابات من شرائح كفرت بأجواء اللف والدوران والصفقات المشبوهة، ومن ثم قد تلجأ للفرار بنفسها وتأسيس كيانات بجذور إخوانية بعيدًا عن الجماعة الأم، وتراث ازدواجيتها وعنفها وعملها السرى تتماشى مع القانون والدستور والقبول المجتمعى، على غرار ما جرى فى الأردن مؤخرًا.