الفنون الشعبية تضىء قبة جامعة القاهرة
إذا كانت الجامعة هى مكان تلقى الدراسات العلمية والإنسانية المختلفة، وقبلة لراغبى العلوم التخصصية الرفيعة، فإنها كذلك مكان لممارسة ألوان من الفنون والإبداع وتفجير المواهب الناشئة وبلورتها.
وفى الجامعات المصرية، يمارس الطلاب ألوانا شتى من الفنون من خلال فرق للغناء والإنشاد والتمثيل، وبينما تتهيأ الجامعات خلال الأيام المقبلة لاستقبال أعداد جديدة من طلاب العلم ممن اجتازوا امتحانات الثانوية العامة، يسعى عدد من شباب جامعة القاهرة لإحياء نشاط فنى كان للجامعة فيه تفوق وريادة على مدار سنوات خلت، حيث تتشهد الجامعة عما قريب عودة فرقة الفنون الشعبية بعد فترة توقف دام منذ ثورة يناير.
يقول الطالب محمد أحمد، صاحب فكرة إعادة إحياء فرقة جامعة القاهرة للفنون الشعبية والقائم على تدريب زملائه من الطلاب الذين يشكلون نواة الفريق الجديد: "حين دخلت الجامعة لم يكن بها فرقة للفنون الشعبية، ولم يكن أى من الطلاب يمارس هذا النشاط، رغم وجود باقى الأنشطة الفنية داخل الكليات وعلى مستوى منتخب الجامعة، وفى بداية العام الماضى 2015/2016 قررت إحياء الفنون الشعبية التى كان لها فريق ناجح ومتألق بالجامعة على مدار سنوات طويلة".

ويوضح الطالب بكلية الحقوق: استغرق الأمر 6 أشهر لنضع أقدامنا على أول الطريق، حيث تقدمت لإدارة النشاط الفنى بالفكرة التى لاقت قبولا هائلا وترحيبا من جانب المسؤولين، ثم بدأت بعمل إعلانات داخل الكليات وعلى الصفحات الخاصة بالجامعة على مواقع التواصل الاجتماعى، بحثا عن موهوبين فى الرقص ومن لديهم الاستعداد والرغبة، لتكوين النواة الأولى للفرقة..
بعد الإعلان جاءنى عدد من الطلاب اخترت منهم 17 طالبا و20 طالبة، كان من بينهم طالبتان فقط مارستا الرقص منذ الطفولة من خلال المدرسة وتمتلكان موهبة جيدة، أما باقى الطلاب فلم يكن لديهم سوى الرغبة والاستعداد دون أن يكون أى منهم قد مارس الرقص من قبل، بل إن بعضهم لم تكن لديه معرفة بطبيعة الفنون الشعبية، فكان حتما مع ذلك الوضع أن ننطلق فى رحلة تدريبات شاقة تبدأ بتهيئة أجسامهم لفن الرقص عن طريق إعادة بناء التكوين العضلى لهم وإخراجهم من أى لياقة بدنية لا تتناسب مع طبيعة اللياقة المطلوبة لهذا الفن، خصوصا بالنسبة للطلاب ممن يمارسون أنواعا مختلفة من الرياضة..

المشكلة الرئيسية الآن هى طول فترة توقف البروفات التى بدأت مع موسم الامتحانات وبعدها حل شهر رمضان، ونستعد الآن لاستغلال فترة الإجازة فى استئناف البروفات على ضوء برنامج شامل يستهدف أيضا تعريف الطلاب بتاريخ الرقص وأنواعه وتاريخ الفنون الشعبية فى مصر.
ويضيف: رؤيتى قائمة على تدريب العدد الموجود حاليا من الطلاب كبداية لفريق يعيد لاسم الجامعة بريقه بين الجامعات فى هذا اللون من الفنون الذى كانت رائدة فيه، مثلما هى رائدة فى مختلف الفنون والأنشطة، كأكبر وأعرق الجامعات المصرية، وأكثرها تميزا وحصدا للبطولات والجوائز سواء على مستوى "مسابقة الإبداع" أو "أسبوع شباب الجامعات"، وهما المحفلان الرئيسيان لتنافس طلاب الجامعات فى مصر..
ويسعى محمد أحمد، الطالب المدرب، إلى توسيع دائرة الاختيار وذلك بتكثيف البحث بين الطلاب الجدد الذين سيبدأون رحلتهم الدراسية بالجامعة مع بداية العام الدراسى المقبل، ليحقق الهدف الذى يسعى للوصول له بتكوين فريق تكون له صفة الاستمرارية من خلال مراكمة الخبرة بانتقالها من فرقة إلى التى تليها، خاصة وأن المجموعة الحالية التى انتظمت فى التدريبات هم من طلاب الفرقتين الثالثة والرابعة، ما يعنى أنهم باتوا على بعد خطوات من التخرج ومغادرة الجامعة.

ويقول محمد أحمد، الذى يتدرب مع فرقة رضا والفرقة القومية للفنون الشعبية منذ سنوات ويتقن كل الرقصات التى صممها الرواد الأوائل خاصة محمود رضا: الفنون الشعبية تكاد تكون إبداعا مصريا خالصا، إذ يندر أن توجد فى دولة واحدة كل هذه الألوان من الرقص، فلكل منطقة فى مصر رقصتها الخاصة بما يمثل تنوعا وثراء تكاد تختص به مصر، بينما لكل دولة رقصة تعتبر علما عليها، بخلاف مصر التى لديها رقصات البمبوطية الساحلية، والتحطيب ذات الأصول الفرعونية، والتنورة وهى رقصة مستوحاة من الطقوس الصوفية المولوية، والحجالة وهى رقصة بدوية، والأراجيد النوبية، ورقصة الغوازى، وغيرها، وهى رقصات طاف محمود رضا من أجلها محافظات مصر لجمعها وتوثيقها.
من جانبه، قال الدكتور طارق سمير، المستشار الفنى لجامعة القاهرة، إن الجامعة تولى اهتماما كبيرا للأنشطة الطلابية عامة والفنية منها على وجه الخصوص، مؤكدا أن الأنشطة الطلابية ليست ترفا ولا رفاهية بقدر ما هى حاجة وضرورة للارتقاء بذوق الطلاب ومن ثم النهوض بالذوق العام.

وأوضح أنه تلقف فكرة إحياء فرقة الفنون الشعبية وتعامل معها منذ اللحظة الأولى، وأنه لمس حماس الطلاب ورغبتهم فى إعادة الألق إلى الفرقة من جديد، مشيرا إلى الدعم الذى وفره للطلاب وتهيئة الظروف الملائمة قدر المستطاع وفى ظل إمكانيات الجامعة، حتى أمكن بدء "البروفات" فى وقت قصير.
وأضاف أن جامعة القاهرة رائدة بين جامعات مصر فى الأنشطة الطلابية ومتربعة على القمة، فضلا عن تاريخها الحافل وإسهامها بالعديد من الفنانين والنجوم من بين خريجيها على مدار تاريخها الطويل والعريق، مشيرا إلى أن كثيرا من نجوم "مسرح مصر" الحاليين هم من خريجى الجامعة، وكانوا ضمن فرقها الفنية التى أشرف على تدريبها منذ ما يزيد على 10 سنوات.