شُرّابة خُرج
نقول بعض الكلمات ونردد بعض العبارات كما يقولها لنا أهلنا أو معلمونا ونحن لا نفهم معناها بالضبط.. وأحيانا نفهم المغزى ولا نفهم المعنى الحرفى لمثل تلك العبارات..
ولما كنا كجيل يقبل أن يتسلم التراث من آبائه ومعلميه، ظللنا نحفظ عباراتهم فى عقولنا ونفكر بها عندما تحضرنا مناسبات تذكرنا بمعانيها.. ولكن الأجيال الجديدة من أبنائنا لا تقبل ما لا تفهم عنه كل شىء.. ولن تحفظ ابنتى ما حفظتُ عن أمى من أمثال أو عبارات تراثية إلا إذا حكيت لها قصتها، وشرحت لها مغزاها جيدا..
ولأننى أؤمن أن من واجبات الأم حفظ التراث ونقله إلى الجيل الجديد قررت أن أبحث وراء المعانى التى لا أعرفها بالضبط حتى أنقلها بطريقة صحيحة ومقبولة.. وكانت عبارة (شرابة خرج) من أوائل ما بحثت عن معناه.. والمعروف أنها عبارة تقال عن الإنسان الذى لا يقوم بأى دور وليس لوجوده أى نفع ولا ضرر ويقولون عنه حينئذ أنه (عامل زى شرابة الخرج)..
ولكن ما معنى الكلمتين؟ الخُرج – بضم الخاء – هو الجراب أو الكيس الذى توضع فيه الأشياء حتى تُحمل.. والشرّابة – بضم الشين وتشديد الراء – هى زينة توضع على طرف الخراج.. فإذا لم تكن هناك شرابة فلا ضير لأنها مجرد زينة.. والغريب أنهم يشبهونها أيضا عند العرب بما يسمونه (واو عمرو) أى الواو الزائدة فى اسم عمرو والتى لا تنطق.. وهى كناية عن المعنى نفسه، والمقصود به من لا نفع منه ولا ضرر..
ويوجد من حولنا تفسيرات أخرى أكثر حداثة لشرابة الخرج.. إذ تحيط بنا أشياء لا معنى لوجودها ولا نفع منها ولا ضرر.. فالأرصفة فى معظم الشوارع (شرابة خرج) بالنسبة للمشاة.. فهم غالبا ما يسيرون بجانبها، لا فوقها.. إما لأنها مشغولة بالباعة الجائلين وبالبضائع المرصوصة خارج المحال التجارية، أو لأنها ضيقة جدا، أو مرتفعة جدا، أو لأنها مستخدمة كجراج، تركن بها السيارات أو عليها قوالب حجرية لحجز أماكن السيارات التي خرج بها أصحابها.
وكثير من المدارس الثانوية أصبحت شرابة خرج.. وبخاصة الفصول المخصصة للصف الثالث الثانوى، فلا يوجد بها طلاب ولا معلمون.. وهة فارغة طوال العام.. ولا نفع منها ولا ضرر على العملية التعليمية على الإطلاق.. إذ أن التعليم والتلقين يسير فى مراكز الدروس الخصوصية حيث يتواجد الطلاب والمعلمون.. وإذا كانت الوزارة ترغب في تحويل الفصول الفارغة إلى مشروع مفيد بدلا من شرابة خرج، فلتدرس إمكانية تأجير تلك الفصول للمدرسين الخصوصيين وطلابهم.
و(النيش) وما فيه فى حجرات الطعام فى بيوتنا المصرية هو أيضا شرابة خرج.. فلا نستخدم غالبا الصينى الذى فيه إلا فى (العزومات).. هل ما زلنا نستضيف العائلة والأصدقاء ونقوم بعمل الولائم والعزومات؟ نيش وصينى وزحمة لا لزوم لها.. مجرد شرابة خرج..
بعد فهم العبارة يسهل ذكر الأمثلة عليها من حولنا.. فصناديق القمامة شرابة خرج، وبعض كبارى المشاة شرابة خرج، وكثير من اللافتات التحذيرية شرابة خرج أيضا.. عبارات الحب والصداقة على شبكات التواصل الاجتماعى شرابة خرج فى كثير من الأحيان، وبعض الأخبار بل والصحف شرابة خرج..
بهذه الطريقة قد يدرك الجيل الجديد أهمية العبارات التراثية في التعبير عن واقعنا الملموس فيحفظونها بفهم، وينقلونها بتفسير تطبيقى.. وهذه هى أهمية الأشياء التى ليست إلا (شرابة خرج).