مختار جمعة

فى السادس من يوليو 2013، تم تعيين مختار جمعة وزيرًا للأوقاف فى الحكومة الأولى بعد ثورة 30 يونيو، فانشغل بإصدار قرارات اعتبرها تخدم الدعوة وتحقق للوزارة سيطرتها على المنابر، لكن العديد من قراراته ذهبت فى مهب الريح، وكان أغلبها لأغراض الشو الإعلامى.

ويرصد "مبتدا" أبرز قرارات مختار جمعة "الفشنك" فيما يلى..

الخطبة المكتوبة

عزم الوزير خلال الأسابيع الماضية على تفعيل قرار الخطبة المكتوبة على شتى منابر المساجد خلال صلاة الجمعة، وأكد أنها ستعمل على تطوير العمل الدعوى والنهوض بالخطبة، إلا أن مبادرته لقيت ردود أفعال غاضبة على مستوى قيادات المؤسسات الدينية ورجال الدعوة.

وأكدت هيئة كبار العلماء رفضها بالإجماع للخطبة المكتوبة، معتبرة أنها خطوة لتجميد الخطاب الدينى، وأن الأئمة يحتاجون التدريب الجاد والتثقيف وتزويدهم بالكتب والمكتبات، كى يواجهوا الأفكار المتطرفة والشاذة بالعلم والفكر الصحيح.

الخطبة المكتوبة أدخلت المؤسسات الدينية فى صراع معلن ومرئى للجميع، الأمر الذى استدعى تدخل رئاسة الجمهورية لإنهاء الأزمة بين الأزهر ووزارة الأوقاف، وبالفعل اجتمع الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، مع الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، وتم التوصل إلى صيغة تهدئة، لكن مبادرة الأوقاف حول تفعيل الخطبة المكتوبة ذهبت أدراج الرياح، واكتفت المنابر بالتقيُّد بموضوع الخطبة ومدتها الزمنية فقط.

توحيد الخطبة

فى يناير 2014، قرر الوزير توحيد خطبة الجمعة على منابر الجمهورية، وذلك عن طريق تحديد موضوعات الخطب فى كل شهر، ووضعها على موقع الوزارة على الإنترنت.

هذا القرار كسابقه لم ينفَّذ على أرض الواقع إلا فى نطاق محدود وضيق، بمساجد القاهرة والجيزة والإسكندرية الكبيرة، وخصوصًا القريبة من دوائر التفتيش من قبل الوزارة، ولم تلتزم أغلب مساجد المحافظات بالخطبة الموحدة، لأن أغلبها تهيمن عليه جماعات السلفيين وأنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية.

ولا يتماشى القرار مع طبيعة المحافظات، التى تحتفظ كل منطقة فيها بمشاكلها الخاصة، ويكون الخطيب، سلفيًّا أو من الأوقاف، فى حاجة إلى تقديم حلول لتلك المشاكل، كما أن ضآلة عدد مفتشى الوزارة بالنسبة للمساجد يجعل الخروج عن موضوع الخطبة المحدد سلفًا أمرًا هينًا.

منع صلاة الجمعة بالزوايا

قررت وزارة الأوقاف، فى سبتمبر 2013، منع إقامة شعائر صلاة الجمعة بالزوايا الصغيرة التى تقل مساحتها عن 80 مترًا، لإحكام السيطرة على المنابر، وإغلاق الباب أمام التيارات المتشددة التى تستغل الخطبة للترويج لأفكار هدامة.

غير أن الوزارة لا تملك من الأدوات ما يضع هذا القرار موضع تنفيذ، كما لا تملك تعدادًا رسميًّا لتلك الزوايا، حيث يقارب العدد المسجل فى الكشوف الرسمية بسجلات الأوقاف 21 ألف زاوية على مستوى الجمهورية، وفقًا لتصريحات الشيخ جابر طايع، رئيس القطاع الدينى بالوزارة، فيما تبلغ الزوايا غير الرسمية التى لا تعلم عنها الأوقاف شيئًا نحو 25 ألفًا، حسب مصادر فى الأوقاف.

وتحتاج الوزارة إلى 10 آلاف مفتش للمرور على جميع الزوايا، فى حين لا يزيد عدد مفتشيها عن 8 آلاف فقط، يضطلعون بمهام عدة، وأغلبهم يتعاطف مع الزوايا ولا يملك من الثقافة ما يؤهله لتفعيل القرار وإغلاقها، وبالتالى تظل الزوايا الرسمية وغير الرسمية تخطب الجمعة على مرأى ومسمع من الجميع، ويظل قرار منع إقامة شعائر صلاة الجمعة بالزوايا الصغيرة غير مفعل.

قانون تنظيم الخطابة

فى هذا الصدد، رفع الدكتور مختار جمعة شعار "لا مكان للسلفيين على المنابر"، ما لقى ترحيبًا واسعًا بين المصريين، خصوصًا بعد التغلغل الواسع للتيارات الإسلامية فى المنابر قبل ثورة 25 يناير، غير أن الوزير لجأ لتفعيل الشعار بإصدار قانون تنظيم الخطابة، الذى يحرم على غير المعينين بالأوقاف وغير العاملين فى مجال الدعوة بالأزهر الشريف اعتلاء المنابر، إلا بعد الحصول على تصاريح رسمية من الوزارة.

لا يزال القانون حبيس أدراج وزارة الأوقاف، لأن عدد المساجد على مستوى الجمهورية يبلغ 125 ألف مسجد، طبقًا لما هو مسجل رسميًّا بجداول قيد الوزارة، فيما يصل عدد الأئمة والدعاة المعينين إلى 46 ألف إمام وخطيب، وعدد الوعاظ بمجمع البحوث الإسلامية 2600، وإذا أضفنا إليهم 3 آلاف بالمعاش فى الأوقاف والأزهر يعتلون المنابر، فإن محصلة رجال الدعوة تبلغ أكثر بقليل من 50 ألف إمام فقط.

ونتيجة للعجز الشديد الذى تواجهه الوزارة فى تفعيل قانون تنظيم الخطابة، لجات الأوقاف إلى ما يسمى بخطيب المكافأة، ونجحت فى استقطاب 20 ألف خطيب بعد تصفيتهم عبر اختبارات كشفت عدم انتمائهم إلى تيارات متشددة، غير أنه لا يزال هناك نحو 40% من المساجد بين يدى تلك التيارات، يصعد خطباؤها المنابر ليل نهار دون أن يتم تحرير محضر واحد.

القيادى السلفى الوحيد الذى يحمل تصريحًا للخطابة هو الشيخ ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية، لكنه إضافة إلى ذلك يلقى الدروس اليومية بمسجد "الخلفاء الراشدين"، دون رقيب على التزامه بتعليمات الوزارة فى موضوع الخطبة أو السماح بإلقاء الدروس.

ويعتلى الدكتور أحمد حطيبة، أحد قيادات الدعوة السلفية بالإسكندرية، منبر مسجد "نور الإسلام" بمنطقة فاقوس طول الوقت، دون أن يحمل تصريحًا للخطابة، لأنه لم يتقدم من الأساس للحصول على واحد، كما يتردد الدكتور أحمد فريد، القيادى بالدعوة، على كثير من مساجد المحافظات، خصوصًا البحيرة والإسكندرية، حيث يلقى دروسًا بمسجد "الرحمة" فى منطقة العصافرة، وكذلك يداوم الشيخ شريف الهوارى على الظهور بمساجد العامرية بصحبة الشيخ محمد القاضى، رئيس جمعية الفرقان، فيما يخطب الشيخ عبدالمنعم الشحات، المتحدث الإعلامى للدعوة السلفية، بمسجد "أم المؤمنين" فى منطقة باكوس، ومساجد عدة بالبحيرة.

تدريب الأئمة والدعاة

استكمالًا لمسلسل الوعود الفشنك من قبل وزير الأوقاف، يأتى قرار الدكتور محمد مختار جمعة بإنشاء أكاديمية الأوقاف العالمية لتدريب الأئمة والدعاة وإعداد المدربين، سواءً من مصر أو دول العالم، حيث أكد الوزير أن التدريب فى الأكاديمية سيكون شاملًا، دينيًّا وثقافيًّا، مع برامج ودورات متميزة فى اللغات ومجالات التواصل العصرية.

غير أن اتفاق مشيخة الأزهر الشريف خلال الأيام الماضية، خلال اجتماع الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، مع الدكتور مختار جمعة، وزير الأوقاف، والدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، والدكتور محيى الدين عفيفى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، على إنشاء أكاديمية لتدريب جموع العاملين فى كافة المؤسسات الدينية من أجل النهوض بالدعوة، كصيغة تفاهمية بين المؤسسات الدينية لإنهاء أزمة الخطبة المكتوبة، أمر يبرهن بشكل لا جدال فيه على أن قرار الأوقاف بإنشاء أكاديمية لم يرقَ إلى مستوى التنفيذ.

الضبطية القضائية

على الرغم من أن وزارة الأوقاف تمتلك قرابة 300 ضبطية قضائية لمفتشى الوزارة فى شتى محافظات الجمهورية، إلا أنها لم تُفعَّل من قبل الوزارة ضد الانتهاكات التى تحدث فى حق المنابر والدعوة بشكل عام.

فسبق أن أعلنت الأوقاف تفعيل الضبطية القضائية فى وجه كل من يعتلى المنبر بالمخالفة للقانون، إلا أن الضبطية لم تفعَّل على الإطلاق ضد مشايخ السلفية ورموز التيارات المتشددة من أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية، ما يؤكد أنها لم يتم استخدامها وفقًا للقانون من قبل مفتشى الوزارة، رغم كثرة المخالفات بشكل عام.

مكتبة لكل إمام وخطيب

قررت الوزارة توزيع مكتبة على كل إمام وخطيب، من باب تحسين أحوال الأئمة والنهوض بمستواهم الثقافى والدعوى، وتزويد قدراتهم على نشر الفكر الوسطى، لكن القرار، الذى تضمن توزيع مكتبة تحتوى على مجموعة من الكتب العلمية على كل إمام وخطيب، انتهى إلى توزيع 200 مكتبة فقط على الأئمة من أصحاب الولاء والطاعة.

وقال محمد البسطويسى، نقيب الأئمة والدعاة، إن القرار الصادر من الأوقاف بشأن تخصيص مكتبة لكل إمام وخطيب لم ينفَّذ على أرض الواقع، مؤكدًا أن أغلب القرارات التى اتُّخذت فى حق الأئمة لا تزال حبيسة الأدراج.

ولفت البسطويسى، فى تصريحات خاصة لـ"مبتدا"، إلى أن الأئمة فى أشد الحاجة للالتحاق بدورات وندوات ثقافية فى مختلف العلوم الشرعية لتزويدهم بالمعلومات الكاملة، خصوصًا فى القضايا التى تثير جدلًا وتخص الشباب وتروج لها الجماعات المتطرفة، كالجهاد ومشروعيته، وذلك من أجل غلق أبواب التطرف أمام تلك التيارات، التى تستخدم الدين ومقاصد الشريعة ذريعة لتنفيذ أغراض وأجندات خاصة بها، لا تمت للإسلام والدين منها براء.