تأملات تونسية
ذهبت إلي تونس تلبية لدعوة كريمة من جمعية الأئمة والخطباء التونسية.. وهي جمعية تهتم بالدعوة الإسلامية ولا تتعاطي السياسة .. وتضم كل الخطباء والأئمة في تونس.. والغريب أن هؤلاء الخطباء والأئمة كان يتعذر عليهم مجرد اللقاء الإنساني في عهد "بن علي".. ولكنهم أرادوا بعد الثورة أن ينسقوا مواقفهم الدعوية ويطوروا من أساليبها العتيقة التي لم تتطور في تونس علي الإطلاق منذ أكثر من 60 عاما.
وقد كانت لنا صحبة طيبة من الدعاة من رموز الوسطية الإسلامية المصرية .
وقد لاحظت في البداية أثر الاستعمار الفرنسي علي منظومة الحياة التونسية فقد فوجئنا أن الأجازة الرسمية الأسبوعية هي يومي السبت والأحد.. أما الجمعة فهي يوم عمل في القطاعين العام والخاص .. وهناك فسحة من العمل وقت الصلاة فقط.
أما الأغرب من ذلك أننا فوجئنا أن المساجد تؤخر صلاة الظهر حتى يتوافق مع فسحة العمل الذي يتم في المصالح الحكومية التونسية علي فترتين كما يحدث في فرنسا أيضا.. فبعض المساجد تؤذن وتصلي الظهر في الساعة الواحدة .. وبعضها يؤذن ويصلي الساعة الثانية ظهرا.. وذلك حسب مناطق وتوقيت فسح العمل التي تجاور المسجد.
وقد تأملت في طالبات المدارس في الأحياء الراقية وكذلك الجامعات فوجدت الحجاب قليلا .. ومعظم الطالبات دون حجاب.. وكذلك جميع الموظفات والعاملات في الفندق إلا واحدة.. رغم أن معظم الموظفات والعاملات في الفندق كبيرات السن قليلات الحسن.
وقد استوقفتني موظفة عجوز قائلة لي: نحن نحب الدين ونتمسك به ونصوم ونصلي ونتعبد ولكن تونس درجت منذ فترة طويلة علي منع الحجاب للموظفات والعاملات وقد تعودنا جميعا ًعلي ذلك.. وإذا حاول الشباب المتدين هنا أن يقهرنا علي ذلك أو يجبرنا عليه إجبارا ً فلن يحقق ذلك نتيجة إيجابية .. لأننا نكره من يعاملنا بطريقة فظة أو جافة .. ومن يعاملنا برفق سنستجيب له .
فقلت لها: صدقت فقد قيل لمن هو خير منا جميعا ً ولمن ملك رياسة الدنيا والدين صلي الله عليه وسلم "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك".
سألت مرافقي الشيخ بشير نيف عن السر في ذلك فقال لي: إن نقابات العمال هنا قوية جدا .. ونقابة عمال التاكسي تقرض نوعا راقيا حديثا من السيارات من أجل السياح.
تجولت في الشوارع فوجدتها نظيفة جدا مثل أوروبا تماما.. فقالوا لي أنها كانت أنظف من ذلك بكثير قبل الثورة لم أجد في العاصمة أية عشوائيات علي الإطلاق.. بل وجدت الخضرة في جميع الأحياء الفقيرة قبل الغنية وفي كل البيوت.. وكل مؤسسات الدولة تحوطها الخضرة .. حتى المساجد في الأحياء الشعبية حولها أشجار فاكهة مختلفة في حرم المساجد.
دخلت منزل مرافقي الشيخ بشير فوجدت الزهور والورود وأشجار الزينة تحوطه.. والهدوء يسود المكان..وأشجار الزيتون والنخيل في الشوارع.
ذهبت للتسجيل في إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم فوجدتها أشبه بفيلا صغيرة تحوطها أشجار الفاكهة والزينة .
والخلاصة أن تونس حقا خضراء.. حتى الجبال مكسوة بالخضرة والجمال .. لا أثر للفوضى في الشارع التونسي كما نراها هنا في مصر في كل متر من الشارع .. ليس هناك مقهى أو متجر يضع الكراسي أو البضاعة علي الرصيف أو في الشارع.. ولم أجد احتلالا للشارع من الباعة الجائلين .
التوانسة أشبه بالأوربيين وبالمسلمين الأوائل يستيقظون مبكرا ويعملون علي فترتين .. ثم ينامون بعد صلاة العشاء .. المساجد تكتظ وتمتلئ بالمصلين .. بعد صلاة العشاء بساعة لا تكاد تجد أناسا ًفي شوارع العاصمة..الأمن مازال قويا ومرهوب الجانب لم تسقط هيبته كما سقطت في مصر.. يستوقف من يشك في أمره بالليل ليظهر هويته.. كل إشارات المرور تعمل الكترونيا ليس هناك جندي مرور واحد في العاصمة.. ورغم ذلك يحترم الناس إشارات المرور حتى في الساعات المتأخرة من الليل .
شعب تونس طيب في داخله.. ومهذب جدا.. يتكلم قليلا وقد لا يعبرلك كثيراعن مشاعره .. ولكنه يحمل في قلبه مشاعر فياضة ويعمل كثيرا.. مصبيتنا في مصر أن الكلام كثير والعمل قليل..لا تسمع في تونس عن حوادث القتل أو السرقة أو قطع الطرق البشعة التي نسمع عنها هنا في مصر أو ليبيا أو العراق وغيرها .
الصفوف الأولي من المصلين من كبار السن .. أما الشباب فبدأ بعد الثورة يطرق المسجد بعد أن كانت مواظبته علي الصلاة دليل إدانة وتهمة له تعرضه للاعتقال.
تجولت كثيرا في تونس لم أجد أحدا يتشاكس مع آخر أو يضربه..ولم أسمع شتائم في الشارع .. المترو ليس فيه زحام ولا الأتوبيسات.. الشوارع حالتها جيدة .. قد يعود ذلك لعدد السكان القليل الذي لا يجاوز13 مليونا..وقد يعود لانضباط هذا الشعب أو قربه من الحضارة الأوربية المعروفة بالجدية والانضباط رغم الفساد الأخلاقي .
لم ينزل هناك الجيش إلي الحياة السياسية ولم يصب حياؤه ولا حرمته بخدش..ولولا الجيش التونسي ورئيس الحرس الجمهوري التونسي ما رحل بن علي .. ولما انتصرت الثورة التونسية.. الخطر علي تونس يكمن في التطرف العلماني وفي دعاوى أنصار الشريعة الذين يدينون بالولاء للقاعدة ويكفرون كل شيء حتى زعماء النهضة الكرام بحجة أنهم لم يكتبوا نصا ً عن الشريعة في الدستور.. ناسين أن الشريعة حاضرة في قلوب ونفوس التونسيين رغم غفلة بعضهم أو عصيانهم أو تقصيرهم في جنب الله .
فهذه تنقص الإيمان ولكنها أبدا لا تنقضه .. فالإيمان وشعبه ستبعث من جديد وستدب فيها الحياة من جديد لتكون أقوى من أولئك الذين يكفرونهم بغير حق ويريدون إدخال تونس في دوامة التكفير والتفجير.