«إشارة مرور».. نص جديد لعزة كامل
الشارع مزدحم بالسيارات المكدسة، أقف بسيارتى الفضية فى إشارة المرور التى مضى عليها 3 دقائق، أخبط على الدركسيون من الزهق والغل، صوت كلاكسات السيارات يتعالى بحشرجات مكسورة، كأنه مظاهرة احتجاج على طول الإشارة.
ورائى سيارة لا أتبين سائقها، فأشعة الشمس تنعكس فى المرآة، تحجب الرؤية خلفى، تغيرت إشارة المرور، لكن الكارثة أن سيارتى تعطلت فجأة، أخذت السيارة التى ورائى تطلق الكلاكسات بعصبية، ومن شباك السيارة سمعت صوتاً أنثوياً:
- معقول يا أستاذ بعد كل هذا العذاب فى الانتظار، حضرتك واقف بالسيارة كأنك واقف فى موقف أتوبيس.
نزلت من السيارة وتوجهت إليها ، كانت ترتدى حجابًا على رأسها:
- أنا آسف يا مدام.
نزل العرق المالح فوق جبينى، دغدغتنى قسوة المفاجأة، جحظت عينى فى جنون وسرى الرعد بقلبى، كأننى حطاب هوى على جذع متلألئ بالأوراق الحية، أنها هى بصوت مرتجف قلت لها:
- أنت فادية.. لا أصدق نفسى.
انخطف لونها، حاولت أن تتكلم ارتعشت الكلمات على شفاها وتلعثمت:
- من حضرتك .. ياه .. إزيك يا عاطف.. سنين طويلة لم أرك.. كيف أحوالك؟ يا ترى الدنيا أخذتك إلى أين؟
ملامحها لم تتغير، لكن بريق عينيها انطفأ، عودها أصابه بعض السمنة، مازالت جميلة تفوح منها رائحة عطرة:
أعطتنى رقم هاتفها، وبدورى فعلت ذلك وانصرف كل منا يتسربل فى دهشته.
يتحشرج صوت السيارات وهى تنطلق بسرعة لتمرق من الإشارة قبل أن يتغير لونها، لم أدر إلا أننى أنحرف بمقود السيارة فى حركة مفاجئة إلى طريق غير الطريق المفترض أن أسلكه، لقد قدت السيارة بمحاذاة النهر، أوقفت المحرك، أدرت الأستريو على أغنية لعبد الحليم "بتلومونى ليه..." ، هزتنى الأغنية ولفنى شجن رقيق، فتحت باب السيارة، وقفت فى مواجهة النهر أتأمله ونثار الذكريات يهدر فى أعماقى، أشم رائحة الطين والعشب المتناثر على ضفة النهر، المراكب الشراعية تتهادى على سطحه بنعومة وانسياب، رائحة حمص الشام والترمس المالح تزكم أنفى، يطل وجهها مثل قمر مضئء، بعينين براقة و ابتسامة فرحة رقيقة عذبة، أحس بيدها على كتفى دافئة وخصلات شعرها تلامس خدى، أشم رائحة جسدها العطر، اسمعها وهى تتمتم فى همس :
- اشتقت إليك.
تتشابك أيادينا ونرتجف من وقده اللمس، اضغط يديها بين أصابعى، يتسرب الخدر اللذيذ والألفة إلى أعماقنا، نمارس متعتنا بأن نحصى عدد العشاق على الكورنيش وتخمين مدى عمق علاقتهم.
نتلكأ وتصبح خطواتنا بطيئة ومراوغة، نتوقف أمام بائع الذرة المشوى، ينظر إلينا بابتسامة ماكرة:
- أهلا بالأحباب.. حالاً الذرة تكون جاهزة .
تلسعنا الذرة الساخنة حين نلتقطها بسرعة من البائع، نلتهمها فى فرح ولذة، نتطلع إلى بعضنا فى دهشة ونغرق فى ضحك طفولى.. لا يوقفه إلا مرور بعض العجائز الذين دأبوا على التنزه بصحبة عصاهم وأحيانًا بصحبة كلابهم لتؤانسهم وتحميهم.
نغمض أعيننا ، نختلس بعض القبل، نلتصق فى حميمية، نتوحد فيها وننسى العالم.
نهبط معاً إلى الشارع، نختفى فى الزحام.. نودع بعضنا على أمل اللقاء فى اليوم التالى.
كانت هى المرة الأولى التى انتظرها فى ساعة غسق ولا تجيء ، لا يظهر طيفها ولا أشرف بحضورها، كان الجو بارد النفحات وشغف القلب للقائها لا يهدأ، كان هذا الغسق فاصلاً فى حفر جرح فى قلبى لم يندمل حتى الآن، لفنى الخوف والألم، فى تلك الليلة لم أذق طعم النوم، هرس الحزن مضجعى، أحسست أنى طائر مهيض الجناح، حرم من أهم نعمة وهى التحليق فى آماد السماء، لقد سقطت على الأرض ولم يقدر أحد على تجبير الكسور التى أصابت جسدى.
بعد أسبوعين من الصدمة العنيفة التى أردتنى طريحاً، بعثت لى رسالة مع إحدى قريباتها ومعها صورة فوتوغرافية لها.. سيزوجها أبوها من مهندس يعمل فى دولة من دول الخليج.. كانت تؤكد فى رسالتها أنها حاولت الهرب ولم تستطع.. مزقت الجواب ومزقت صورتها.. ومزقت هى قلبى، أحسست أنها لم تقاوم بالقدر الكافى.. حطمت مرايا البيت كله، كان غضبى يفوق احتمالى لهذه الصدمة.
أدخل إلى فراشى بباقة من الذكريات تطلق الماضى من خبايا أيام عمرى وحنينى الليلى يصطفينى، أحاول أن افر من رؤى الأوهام وتباريح البعاد التى تزرع فى حلقى طعم الحنظل، أحاول أن أمسك باللحظة الغافية وبماء غمام لا يجيء، انظر من نافذتى إلى السماء فأجد كواكب هائمة فى السديم، توقظ مواجع الليل، وتثير شهوة الذين يعبرون على جسدى الطريح.
انهض من الفراش، ارتدى ملابسى، ألقى بنفسى إلى أتون الشارع المزدحم بالناس والمحلات ذات الأضواء الساطعة والبيوت التى لا تتشابه مع بعضها إلا فى أضواء الليل الخافتة، تأخذنى قدماى إلى صالة "ديسكو"، يرتجف جسدى كله، تمتزج الروائح، رائحة الدخان، الكحول ، عطور الرجال والنساء، الفتية والفتيان، يعبق المكان برائحة غريبة آلفها بعد فترة وجيزة من الزمن ... فى منتصف المكان صالة الرقص تسلط عليها أضواء ملونة خافتة من السقف الذى يعلوها ، تتقاطع الأضواء مع بعضها البعض فى صورة خاطفة.
مجموعة من الفتية والفتيان فى سن العشرين يشكلون دائرة، يرقصون بهستيرية وبسرعة شديدة كمن أصابهم حمى الجنون، فى داخل الدائرة ترقص فتاة خمرية اللون ترتدى فستاناً قصيراً من الكريب الأحمر، ممشوقة القوام، مفتولة العضلات، يبدو عليها هالة من الغموض.
استيقظ بداخلى ذلك الذكر الذى جرحت كرامته فيحاول أن يتبارى مع نفسه ليظهر فحولته ويستعيد كبرياءه الجريح مع امرأة شبقه تحمل غواية الليل، كمقلتى ذئب تشتهى الفريسة هرس الجنون عقله، انقدت لنبرة صوتها السحرى، اقتربت منها، ثبت نظرتى الفاجرة على جسدها، كدت أن ألمسها، لم أكن اعرف قواعد اللعبة ولا مخاطرها، حاولت أن تتراجع عنى، كلما ابتعدت عنى اقتربت منها، بان الغضب على وجهها الذى كان يشع بنضارة الأضواء الملونة المختلطة المتقطعة الساقطة عليه، لم أكن اعلم أن هناك من يتابع هذا الحوار الصامت ... انقضوا على وألقوا بى خارج المكان.
أعود إلى منزلى ... يطالعنى وجهها من الجدران والأبواب، أتأمله بغضب ويأس، أنخرط فى البكاء، أشعر بالبرودة تسرى فى مفاصلى، أخر ساجداً على ركبتى، أحاول أن استجمع قواى، أسقط مرة أخرى، تمتزج شذرات من الخواطر فى ذهنى، أراها تحدق فى ... تجذبنى من يدى، أشم رائحة جسدها، تحتوينى بدعة وحنان، تحتضنى كوليد فقط أمه، فجأة تزيحنى عنها، أدرك أننى أهذى، أتأمل ضوء نجمة شاردة فى السماء، أشعر بالعجز والوهن، أرتمى على مرافئ ليلية مشتتة، تسكب فى إناء الروح لوعة واسى وتورق بين الضلوع رياح الألم، فيكبر جبل الحزن ويخبئ بين أجنحته نوراً وظلالاً.
أرقد فى سريرى يغلبنى نوم كابوسى بليد تعس وتغمرنى أحلاما غريبة .
تمر الأيام والشهور والسنون.. تسير الحياة.. أحاول أن أبدأ من جديد، لم يتبق من ملامحها إلا صورة باهتة وأضواء خافتة، لم أقرب امرأة من وقتها، عشقت الصمت وغرقت فى عملى ودفنت نفسى فى أطنان من الكتب أعيش معها وتتعايش معى فى سلام، متعتى الوحيدة هى سماع الموسيقى والتوحد معها وفيها والتحليق إلى الأعالى مع أنغامها.
لماذا يأتى طيفها الآن.. لماذا تجمعنى بها الصدفة بعد هذه السنين، كنت قد انتصرت على هذا الحب الذى كاد أن يعصف بى ويسلب روحى ويكسر عودى الصلب ويجرفنى لتيار البؤس، هذا الحب الذى جعل خوفى مقيماً ساكناً فى قلبى ومعشعشاً فيه، صباحى لا يتنفس إلا التعب، وليلى لا ينفث إلا الغبار، وكالباب المشدود الرتاج وقفت فى مواجهة نفسى ،وكالشعاع المجهض اندسيت فى فجوة النسيان أبحث عن ورقة تستر سوءتى ، انطلقت الأنات الموجعة الجارفة داخلى تبحث عن أى عبور إنسانى يدثرنى برائحته ويحمل عنى عبء نبش الذكريات ويفتح أمامى الدروب والمسالك التى استغلقت.
هل مقدر لى أن استعيد هذا الحب بعد هذا الزمن ... بعد هذا البعد والجفا .
هل رقم الهاتف هو العلامة التى بعثت لى من السماء .
آه أين هذا الهاتف. إنه فى جيب سترتى.. ها هو .. إنه تسعة أرقام فقط.. هناك رقم ناقص.
هذا يعنى أننى لن ألتقى بها مرة أخرى.. سأخلع ملابسى، سأتمدد على الكنبة واستمتع بتدخين سيجارتى وتأمل خيط الدخان الصادر منها.
إنه رنين صوت الهاتف.. قلبى يدق.. سأرفع السماعة.. إنها هى.. إنه صوتها يبدو لى كأنه قادم من زمن سحيق:
- ألو .... ألو أنا فادية ...... أزيك .
- أهلا
- ممكن نتقابل
لماذا يصيبنى الخوف والقلق، لماذا تسرى البرودة فى جسدى، يجب أن أخرج الآن من المنزل، القمر فى طور المحاق والشوارع تبدد ظلمتها مصابيح صفراء باهتة، على أن أقطع مسافة طويلة لكى أصل إلى المكان الذى اتفقنا أن نتقابل فيه وهو كازينو منعزل فى أطراف المدينة.
ها هى تجلس فى كرسى بإحدى الطاولات فى ركن منزو.. ترتدى ملابس فضفاضة، تريد أن تطمس مفاتنها، لماذا تغطى رأسها بهذا الحجاب القبيح؟ .
إن وجهها شاحب ونظرات عينيها حائرة، أهلاً يا فادية: سأجلس أمامك مثل أيام زمان.
لماذا يخيم علينا الصمت.. ماذا يمكن أن أقول لها.. كيف أشرح لها ارتباكى والحيرة الرابضة فى أعماقى.. سأنادى على الجرسون: من فضلك .
- ماذا تريدان أن تشربا؟
- ماء
- ماء
لقد اندهش الجرسون.
- تشربى إيه يا فادية
- شاي
- وأنا أيضا
ماذا يدور بداخلها الآن
- عاطف.. بالطبع إنك متشوق تعرف حكايتى.
إنها لا تأخذ نفسها، تتكلم بشكل متواصل.. كلامها ممل وتبريرها غير مقنع، وحجابها ليس على رأسها فقط ولكن يبدو أنه أصاب عقلها، حجاب العقل ... نعم ....
يا حظى التعس ، يا خيبة أملى.
إننى أجلس مع أخرى.. غريبة عنى، أجلس مع شبح شخص مات منذ زمن بعيد، آه على سنوات عمرى التى مرت وعلى الوهم الذى عاش داخلى والحلم الذى طوحته فى حب مستحيل، ....
لماذا أشعر بأننى كالسجين الذى حكم عليه بالإعدام.. لابد أن أهرب.. سأهرب..
- سامحينى لابد أن أغادر .... أين النادل ....
- من فضلك هذا هو الحساب.
يجب أن استجيب للصوت الذى يصرخ بداخلى الآن بشدة:
- انطلق تجاه باب الخروج
سأنطلق .... أننى اسمع حفيف الأشجار وها هى الطيور تنطلق لتشكل سرباً فى الفضاء ... لماذا أحس الآن عندما لامست قدمى أسفلت الشارع أننى عبرت برزخاً إلى عالم جديد.. يجب أن أسرع الخطى.. ها هو النسيم الليلى البارد يلفح وجهى، من أين جاء هذا الضوء السرمدى الذى يتسلل إلى روحى.. وهذا الغناء الذى يتصاعد فى إيقاع دافئ ويغمر المكان.. آه إنها الحياة ... الحياة.