حسن عبد الموجود

نحن ننتمى إلى ثقافة عجيبة، يتحدث فيها الناس عن إمكانية نكاح روبوت، ويحولون لاعبًا مثل محمد صلاح إلى "المهدى المنتظر"!

لقد توقفت أمام تصريح مهم ليورجن كلوب، المدير الفنى لليفربول، قال فيه إن صلاح يؤخِّر الفريق فى غرفة تغيير الملابس دقيقتين، حتى يتوضأ، قبل كل مباراة، وإنه لا مشكلة فى ذلك، فلا أحد من الجهاز الفنى أو اللاعبين يتذمر، وهم يرون أنه شاب رائع، ومثال يمكنه قول الكثير فى وقت نشهد فيه سوء فهم كبيرًا.. كان يورجن كلوب يتحدث عن الإسلاموفوبيا، وعن قدرة لاعبين بأخلاق صلاح على تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام.

هذه هى عقلية رجل غربى، قابلتها ملايين العقول الشرقية، التى رأت فى محمد صلاح غازيًا إسلاميًا قادرًا على تحويل كفار الغرب إلى مسلمين، وإعادة أمجاد الإسلام فى الأندلس، تحول الأمر من تشجيع لاعب يتألق ويثبت كل يوم أنه يستحق التواجد بين لاعبى النخبة إلى تشجيع محمد صلاح فاتح بلاد الصليبيين، بل إن كثيرًا منا نسب أهدافه الغزيرة إلى أنه مسلم، مع أنه ينافس لاعبين من "الكفار" أمثال كريستيانو رونالدو، وليونيل ميسى، ونيمار، وكافانى، ولويس سواريز، وغيرهم، تألقوا على مدار سنوات، وأحرزوا مئات الأهداف، قبل حتى أن يتجه محمد صلاح إلى بلاد الصليبيين، وانتقلت الأدعية التى نسمعها على لسان شيوخ متطرفين "اللهم احرق قلوبهم، وشتت شملهم" إلى صفحات التواصل الاجتماعى، وأصبح عاديًا أن نقرأ أدعية شبيهة "اللهم عليك بميسى ونيمار، اللهم اكسر قدم الكافر كريستيانو رونالدو"!

لم أصدق عينى وأنا أقرأ على صفحات التواصل الاجتماعى من يقول إن شهرة محمد صلاح ستتعاظم، حتى يصبح أشهر شخص على الكوكب، بعدها سنكتشف أنه المهدى المنتظر، المهدى الذى سينهى الفساد على الأرض، ويهدى جميع البشر إلى الإسلام، ويحارب اليهود، وبالتالى فنحن نعيش آخر الزمان، ومحمد صلاح سيكون أحد علامات قيام الساعة، ولا أعرف فعلاً كيف وصلنا إلى هذا؟! ولماذا لا نصدق أننا يمكننا امتلاك لاعب يناطح اللاعبين العالميين، لاعب ينتمى إلى النخبة، وبدلاً من هذا نتعامل معه باعتباره شخصًا آخر، ومبعوثًا إلهيًا لهداية الملحدين آكلى لحوم الخنازير، المنحلين، والفاسقين؟!

للأسف، نحن ننتمى إلى ثقافة تقدس كل ما هو قديم، ثقافة تخاصم الحاضر ولا تنظر إلى المستقبل، ثقافة تفضل الموت على الحياة، وتنتصر للغيب على العلم، ثقافة لا تفرح لأبنائها بما يحققونه لأنها تنسبه دائماً أو تربطه بشىء قديم.. نحن لا نعرف شيئًا عن السعادة أو الأمل، وخيبتنا "راكبة جمل"، لم نفكر فى المكاسب التى يمكن أن نجنيها من وراء لاعب بأخلاق صلاح، كما تحدث يورجن كلوب، الأخلاق القادرة على تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، والتى ساهم فيها متطرفون لديهم تفسيراتهم الخاطئة للدين، لم نفكر فى استغلال التزامه وموهبته فى فتح المجال أمام كثير من المواهب المصرية والعربية فى الملاعب الأوروبية، فنحن مهووسون بالقضايا الكبرى، مثل قضية دخول الحمام هل يكون بالقدم اليمنى أم اليسرى؟! والشبشب المقلوب هل هو نذير شؤم أم لا؟! وهل القطرةُ تبطل الصيام؟! وهل يجوز للصائمين استخدام فرشاة الأسنان؟!

لقد حولنا محمد صلاح إلى المهدى المنتظر، ولا أعرف ماذا سيحدث لو انقلبنا عليه، ونحن معروفون بمشاعرنا المتقلبة، وأمزجتنا المتطرفة، فهل يمكن أن نقول وقتها إنه المسيخ الدجال؟! أتمنى أن نتوقف فعلاً عن هذا العبث الذى ينتقل بسرعة البرق عبر صفحات السوشيال ميديا ويعطى تصورًا شديد السوء والرداءة عن أفكارنا، وعقولنا الممسوسة بالعصور الجاهلية.