إيران والتنظيمات الإرهابية «2 - 2»| سهام ميليشيات طهران تستهدف المنطقة
لم تكن الجماعات الإرهابية وحدها كافية لتنفيذ مخططات نظام الملالى الإيرانى فى المنطقة العربية، فكان لا بد له من ميليشيات تحمل اسم إيران ومذهبها بالبلدان التى قررت طهران أن تبنى لنفسها فيها إمبراطورية "الهلال الشيعى".
فى الجزء الأول من الدراسة خلصنا إلى أشكال الدعم الإيرانى للجماعات الإرهابية المسلحة فى المنطقة، وكيف وقف نظام الملالى وراء تمويل جماعات إرهابية مثل الجماعة الإسلامية فى مصر واحتفى بعناصرها وأواهم، وكذلك كيف كان لإيران دور بارز فى تمويل جماعات إرهابية مثل داعش فى العراق والشام وطالبان وتنظيم القاعدة فى أفغانستان.
سلسلة من الدعم الإيرانى لجماعات إرهابية لم تنته، فهى تعتبرها سوقًا ممتازًا ودائمًا للسلاح الإيرانى، علاوة على تنفيذ مخططات إيران التى تسعى دائمًا لفرض ما يسمى بالهلال الشيعى فى المنطقة، وإن كانت معظم هذه الجماعات وصلت إلى حالة من الذبول على أرض الواقع أو تطورت إلى أشكال مختلفة، مثل الجماعة الإسلامية فى مصر التى انحصرت إلى زوال وفر معظم عناصرها إلى الخارج وإيران نفسها، أو داعش التى تحولت إلى فلول هاربة فى الجبال والمناطق العراقية.
وكانت للميليشيات الإيرانية دورًا مكملاً لمخططاتها فى المحيط العربى، فمازالت إيران والنظام الملالى يعيشون على وهم الإمبراطورية الفارسية، محاولين التذرع بأحقية وهمية فى استباحة المنطقة العربية وإهدار دماء شعوبها.. كل هذا لأجل تحقيق سرقات اقتصادية وغنائم واستباحة ثروات العرب..!
إرهاب الميليشيا سر بقاء إيران
الميليشيا بحسب التعريفات الدولية واللغوية، هى جيش تشكله عادة قوات غير نظامية من مواطنين، يعملون عادة بأسلوب حرب العصابات، وقد أثبتت التجربة أن طبيعة نشأة الثورة الإسلامية الشيعية فى إيران تؤكد أن عقلية هذا النظام تسيطر عليه عقلية الميليشيا، فهى عقلية تغذيها الإرهاب، وبقاؤها من بقائه، فليست إيران اليوم بدولة مؤسسات، بل دولة ميليشيات طائفية، تتغذى على الإرهاب وترى فى بقائه بقاء لها.
السجل الإرهابى للميليشيات الإيرانية
وليس غريبًا أن يكون لإيران سجلّ حافل من العمليات الإرهابية التى نفذتها ميليشياتها وعملاؤها، فمن بين هذه العمليات..
- اقتحام السفارة الأمريكية عام 1979م فى طهران، واحتجزت الدبلوماسيين الأمريكيين لمدة 444 يوما.
- قامت باقتحام السفارة السعودية فى طهران سنة 1987 م. وقتلوا أحد الدبلوماسيين السعوديين، وتم إصابة القائم بالأعمال والتعدى على أسر وعائلات وأطفال ونساء.
- الاعتداء على السفارة الفرنسية سنة 2010 م.
- الاعتداء على السفارة البريطانية سنة 2011 م، واقتحمتها بذات الأشخاص الذين يتظاهرون كلّ مرة ويقتحمون إحدى السفارات.
- اقتحام السفارة السعودية سنة 2015م، وحاولت اقتحام القنصلية السعودية فى مشهد.
- ضبط ثلاث خلايا تجسس إيرانية فى السعودية، وسبع خلايا فى الكويت، واثنتان فى اليمن، وواحدة فى الإمارات، واثنتان فى البحرين.
- تنفيذ 18 عملية إرهابية فى الكويت، و4 عمليات فى لبنان، و6 عمليات إرهابية فى السعودية، هذا بالإضافة إلى عشرات الصواريخ الحوثية التى تستهدف منشآت عامة ومدنيين فى مدن السعودية.
- محاولة اغتيال دبلوماسيين منهم وزير الخارجية السعودى عندما كان سفيرا للمملكة فى واشنطن، واغتيال السكرتير الأول فى السفارة الكويتية فى الهند سنة 1980 مصطفى المرزوقى، والدبلوماسى الكويتى فى مدريد سنة 1982م.

ترويع الأقليات والانتقام من المعارضة
وبطبيعة المنطلق المذهبى فى العمليات الإرهابية الإيرانية، فقد امتد إرهاب النظام الإيرانى إلى الداخل الإيرانى نفسها، إذ عملت الميليشيات الحكومية على استهداف الأقليات العرقية داخل إيران مثل العرب، والبلوش، والآذريين، هذا بالإضافة إلى عمليات ضد الأقليات الدينية مثل السنة، والصابئة، والبهائيين.
ولم يسلم الشيعة المعارضون للنظام الملالى من التنكيل وإرهاب الميليشيات، فما حدث فى الثورة الخضراء عام 2009 من تصفية للشيعة فى الأحواز أكبر دليل، وكذلك دعم حزب الله اللبنانى للقضاء على حركة أمل الشيعية عام 1985، أو دعم إيران لأرمينيا المسيحية ضد أذربيجان الشيعية.
وكان الطبيعى بعد انتهاج أسلوب الميليشيات فى الداخل أن يستمر نهج النظام الملالى فى تكوين ميليشيات له فى الخارج، كى تكون ذراع النظام ويده الطولى فى تنفيذ أجندته بالمنطقة، ولم تتوانى إيران عن دعمها لتلك الميليشيات الخارجية ماليًا ولوجستيًا وعسكريًا، سعيًا فى السيطرة على المنطقة كلها عبر هذه الميليشيات، ما أثار حالة مريرة من القلق والتوتر داخل الدول التى زرعت فيها إيران ميليشياتها، فقد عملت بأسلوب جديد يعتمد على "تفخيخ العملية السياسية"، كما حدث فى العراق وسوريا واليمن ولبنان.

15 تنظيمًا إيرانيًا
وتشير التقارير المتخصصة إلى أن إيران دعمت فى سوريا وحدها 15 تنظيما طائفيا كان جزء أصيلاً من فتيل الصراع فى البلد العربى المنكوب طيلة السنوات الماضية، وكان من أبرز هذه التنظيمات "حزب الله اللبنانى، والحرس الثورى الإيرانى، وأنصار الله ـ وهى عناصر يمنية حوثية - ولواء أبو الفضل العباس، ولواء ذو الفقار، وكتائب حزب الله العراقى، وكتائب سيد الشهداء، وقوات الشهيد محمد باقر الصدر، وعصائب أهل الحق، وحركة حزب النجباء، وفيلق الوعد الصادق، ولواء أسد الله، وفوج التدخل السريع، وجيش المهدى".

العراق بين أنياب داعش وميليشيات إيران
ولم يختلف الأمر كثيرًا فى العراق، فقد دعم النظام الإيرانى عددًا من التنظيمات الطائفية الإرهابية التى تقوم بعمليات إبادة جماعية وجرائم حرب ممنهجة، وتعمل طوال الوقت على تهجير سكان المناطق من أهل السنة أو الأكراد ليتحولوا إلى نازحين، فقد وقع أهالى العراق فريسة بين أنياب داعش من جهة وميليشيات إيران من جهة أخرى، وكان من التنظيمات والميليشيا التى دعمتها إيران فى العراق: "فيلق بدر، وسرايا السلام، وعصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله العراقى، وسرايا الدفاع الشعبى، ولواء أبى الفضل العباس، والحشد الشعبى".
حزب الله: "نحن إيران فى لبنان"
"نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران فى لبنان، ولبنان فى إيران".. كانت هذا الجواب من السيد إبراهيم الأمين، الناطق باسم حزب الله اللبنانى، دليلاً كافيًا ومؤشرًا واضحًا لمدى العلاقة التى تربط حزب الله بإيران، وهى موالاة لا يخفيها الحزب، وهو على كل حال يبقى أكبر وأقدم وأخطر تنظيم مسلح موال لإيران الخمينى، وهو لا يُخفى هذه الموالاة منذ تأسيسه.
ويكفى أنه جاء فى الإعلان التأسيسى للحزب ـ أو ما يُسمى بالرسالة المفتوحة التى وجهها الحزب إلى المستضعفين فى لبنان والعالم فى 16 فبراير 1985م: "إننا أمة أبناء حزب الله نعتبر أنفسنا جزءًا من أمة الإسلام المركزية فى العالم، نلتزم بأوامر قيادة واحدة، حكيمة عادلة، تتمثل بالولى الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوى الخمينى دام ظله".
إنه وبكل المقاييس حزب إيرانى أو رأس الحربة الإيرانية فى المنطقة، فهو تابع لها فقهيا، واجتهاديا، وسياسيا، واقتصادياً.

2500 قتيلاً و5 آلاف جريح
اللافت فى حزب الله أنه بدأ من أول يوم برفع السلاح وترويع الآمنين، وكان السلاح فى وجه كل مخالفيه، بما فيهم الشيعة أنفسهم، فكانت حربه وقت نشأته مع حركة أمل الشيعية التى تعود نشأتها إلى السيد موسى الصدر، باعتباره محسوب على الشيعة العرب، وكانت حربًا بين الطرفين سنة 1985، واستمرت لأسابيع، إلى أن توسط النظام السورى باتفاقات بين الطرفين، إلا أن الخسائر فى تلك الأسابيع القليلة كانت فادحة وبحق، فقد راح ضحيتها ألفين وخمسمائة قتيل، وسقط أكثر من 5 آلاف جريح، بجانب خسائر اقتصادية فى المنشآت والبنى التحتية للبنان الممزق، وكان الانشقاق النفسى بين أبناء طائفة واحدة هو الصورة الواضحة لتلك الحرب وأثارها على اللبنانيين.

وعلى كل حال استطاع حزب الله – المدعوم إيرانيا- أن يخرج منتصراً فى هذه الحرب ويكسر شوكة حركة أمل العسكرية، ويمدد نفوذه على حساب حركة أمل المدعومة من النظام السورى حينذاك، واستولى على عناصرها.
ولأن الحزب ارتبط منذ نشأته بإيران الخمينى وولاية الفقيه فقد حظى بدعمها، بينما كانت حركة أمل فى نظر الملالى مجرد حركة علمانية متمردة خارجة عن تعاليم "المعصوم" الإمام، إضافة إلى أنها حركة نشأت بأيادى العرب، ممن لهم صلة وثيقة بحوزة النجف، أما حزب الله فمن أول يوم إيرانى النزعة، فارسى النشأة، يدور فى مدار المرشد الأعلى.
وكان الحزب أيضًا أداة إيران لإجراء مساومات مع الغرب فى كثير من الأحيان، فقد كانت ضرباته الدعائية على إسرائيل واختطاف جنود يهزد جزء من مساومات واتفاقات دولية تتمهًا إيران سرًا.

الحوثيون.. من المشروع اليمنى إلى أحضان الملالى
دعمت إيران جماعة عبد الملك الحوثى أو كما أطلقوا على أنفسهم جماعة "أنصار الله"، وبسياسة النفس الطويل، والدعم الدؤوب والتدريب المستمر، إلى احتواء واحتضان الحركة، وتحويلها إلى أداة لينة موالية له تمامًا، وأخرجوها بذلك عن المشروع الوطنى، وبعدما كانت حركة عربية زيدية صارت حركة فارسية اثنا عشرية، تسعى لإنهاك دول الجوار، والتعدى على الأمن القومى الخليجى لصالح المشروع الإيراني.
وكانت جرائم الميليشيات الحوثية أكثر من أن توارى، ووفقًا لـ حيدر مصيلحى، وزير الاستخبارات فى حكومة أحمدى نجاد، فإن الجماعات الشيعية الطائفية مكنت إيران فعليًا من السيطرة على ثلاث عواصم عربية بشكل كبير.

وتجاوز الأمر مجرد السيطرة، فقد اعتبر مستشار الرئيس الإيرانى لشئون الأقليات على يونسى، أن العراق هى "عاصمة الامبراطورية الإيرانية الجديدة". كثرت التصريحات الإيرانية من قادة نظام الملالى، يعتبرون فيها الأراضى العربية جزءًا من إمبراطورتيهم الفارسية الجديدة.
وقال نائب قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى، اللواء إسماعيل قائانى، إن "إيران مستمرة فى فتح بلدان المنطقة، وإننا بدأنا بالسيطرة على أفغانستان والعراق، وسوريا، وفلسطين، ونتقدم اليوم فى بقية بلدان المنطقة بنفوذنا".
وفى الحقيقة لم تكن مثل هذه التصريحات المتلاحقة كم قبيل الصدفة أو زلات لسان، بل كانت تعبر أتمّ التعبير عن السياسة الإيرانية فى المنطقة، ومساعيها للهيمنة، والتوسع، وتعبيرًا عن منهجها السياسى الذى لا يحترم دول الجوار، ولا اعتبارات الأمن القومى للآخر.
ورغم تأجج الأوضاع الاقتصادية داخل إيران، إلا أنها لازالت تواصل السعى وراء تنفيذ مشروعها الإمبريالى عبر تلك الجماعات المتطرفة والميليشيات التى تزرع فتائل الفوضى والخراب فى بلدانهم العربية، فلديها الحوثيين فى اليمن، وحزب الله فى لبنان، والشيعة الموالين فى البحرين، وهكذا.

ثورة الإيرانيين بعد "خراب مالطا"
وخلاصة القول أن النظام الإيرانى يلعب بنار أوشكت أن تحرقه قبل غيره من دول الجوار، فقد أدى دعمه للمليشيات إلى تدمير الاقتصاد الإيرانى، ومنذ مطلع العام الحالى 2018، لا تكاد تهدأ احتجاجات المواطنين بالداخل الإيرانى، حتى تشتعل مرة أخرى، واشتعلت النيران فى بنوك الحرس الثورى الإيرانى وفى المقرات الدينية لولاية الفقيه، ولكنها كما يقول المثل، "ثورة جاءت بعد خراب مالطا".

وتبقى حقائق واضحة، وهى أن النظام الإيرانى هو الوحيد فى العالم الذى يؤسس جيوشًا من الإرهابيين الطائفيين، والمليشيات المسلحة التى ترتكب أفظع الجرائم باسم المذهب، بحثًا عن مصالح سيطرة وانتفاع بثروانت البلدان، وظنًا بأن تلك الجرائم تقربهم إلى المعصوم ويُمهدون لظهوره
إنها ـ وكما أسلفنا ـ سياسة الأرض المحروقة، التى لم يعد لها مستقبل فى القرن الحادى والعشرين.

وقد بات واضحًا أن استمرار هذا التوجه الإيرانى وديمومته أقرب إلى المستحيل، فقد ظهرت عوامل الضعف والهشاشة الداخلية التى تأكل فى جسده، إلى جانب الصراع بين الطبقة الحاكمة، وبين رجال الحرس الثورى، وعدم وجود مؤسسية مستقرة يُلجأُ إليها عند النزاع، علاوة على نفور الإيرانيون العاديون أنفسهم من بلدهم.