ترامب وبوتين

انتهت أول قمة رسمية بين الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين، والأمريكى دونالد ترامب، فى العاصمة الفنلندية هلسينكى، من دون أى اختراقات ملموسة فى الملفات العالقة بين البلدين.

دارات المباحثات فى مجملها خلف الأبواب المغلقة، سواء فى صيغة منفردة بين الرئيسين، أو فى صيغة عامة بحضور أعضاء الوفدين الروسى والأمريكى.

خيبة أمل

لم يلب المؤتمر الصحفى الختامى طموحات وسائل الإعلام التى كانت قد رفعت سقف التوقعات، وفرضت على أجندة اللقاء ملفات كثيرة، على رأسها رفع العقوبات عن روسيا وترميم العلاقات الدبلوماسية، ولكن ذلك لم يحدث، ولم يتم الإعلان عنه، لا فى المؤتمر الصحفى، ولا حتى فى تصريحات الرئيسين لوسائل الإعلام بعد انتهاء المؤتمر الختامى.

الرئيس الروسى فلاديمير بوتين قال إن "الحرب الباردة قد انتهت منذ فترة طويلة، وأصبح عهد المواجهة الإيديولوجية الحادة بين البلدين فى خبر كان، والوضع فى العالم تغير جذريًا.. فاليوم تواجه روسيا وأمريكا تحديات أخرى، منها الإخلال بتوازن آليات الأمن والاستقرار الدولى، والأزمات الإقليمية، وانتشار مخاطر الإرهاب، والجريمة الدولية، وتنامى المشاكل فى الاقتصاد العالمى".

ووصف ترامب اللقاء الذى جمعه ببوتين بأنه يشكل نقطة انعطاف فى العلاقات بين البلدين، مؤكدًا أن "التقارب الأمريكى مع روسيا سينتهى بعلاقة ثنائية غير عادية، لقد حان الوقت لنبحث القضايا الدولية والحساسة بشكل شامل".

هذه التصريحات "المهمة" تسمح بالاعتقاد بأن الرئيسين وجدا لغة مشتركة، حتى وإن لم يحرزا أى تقدم ملموس فى الملفات المطروحة.

إغلاق الملفات الخطيرة

من الحقائق المهمة التى خرجت بها القمة، إغلاق ملفين خطيرين على الأقل على مستوى الرئيسين، حيث أغلق الرئيس بوتين الطريق أمام أى مناقشات حول تبعية شبه جزيرة القرم، التى تمثل خلافًا قويًا بين روسيا والغرب، وكانت سببًا فى حصار روسيا وفرض العقوبات عليها، وقال إن "موقف الرئيس ترامب بشأن القرم معروف، وهو يتمسك به، ويتحدث عن عدم شرعية انضمام القرم إلى الاتحاد الروسى، ولدينا رأى مختلف، وهذه المسألة مغلقة بالنسبة لنا".

كذلك أغلق ملف الانتخابات الأمريكية، إذ حدث توافق وتناغم مثيرين بين الرئيسين حول قضية تورط روسيا بالتدخل فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتوصَّل بوتين وترامب إلى أنه لم يكن هناك أى تآمر.

قضايا مشتركة

الرئيس ترامب قال "لقد ناقشنا أمورًا عدة، من بينها انتشار السلاح النووى فى العالم وقضايا الحرب والسلام، بالإضافة إلى الموضوعين السورى والأوكرانى اللذين أخذا جزءً كبيرًا من وقت اللقاء. كما تحدَّثنا عن الحوار الفلسطينى – الإسرائيلى، وكيفية العمل لحل الأزمة بشكل سلمى وعادل لكل الأطراف".

وذهب ترامب إلى أن "الرئيس الروسى عرض، خلال المحادثات، المساعدة فى حل المشكلة النووية فى كوريا الشمالية"، ولكن يبدو أن بوتين وجد "حائط صد" فى هذا الملف، إذ قال ترامب "إن روسيا والولايات المتحدة تمثلان 90% من الأسلحة النووية فى العالم".

بوتين قال أيضًا إنه يريد أن يكون مفيدًا فى الملف الكورى الشمالى، وعلق: "نحن نعمل فى كوريا الشمالية بشكل جيد جدًا، ولدينا الوقت وليس هناك أى اندفاع"، هذا يعنى ببساطة أن واشنطن ليست بحاجة إلى موسكو فى هذا الملف، وفى حال احتاجت إليها، فهناك وسائل وأدوات أخرى لاجتذابها. المهم هنا، أن لا تفرض موسكو نفسها على الولايات المتحدة فى أى من الملفات المهمة.

أمريكا بحاجة إلى روسيا

من الواضح أن الولايات المتحدة بحاجة إلى روسيا فى ملفات أخرى، مثل إيران، والمنافسة مع الصين، والأزمة الفلسطينية، وكذلك تركيع أوروبا جزئيًا، لكى يكف الاتحاد الأوروبى عن التصرف بمفرده فى ملفات وقضايا مهمة بمعزل عن الولايات المتحدة، وربما أراد ترامب أن يؤكد للأوروبيين بأنه قادر على اجتذاب روسيا فى أى وقت، وجعلها تقف إلى جانبه لا إلى جانب الأوروبيين.

وبالتالى، فلا داعى لأن تعقد الدول الأوروبية اتفاقيات مع روسيا من دون التنسيق مع الولايات المتحدة، وهو ما قاله أيضًا فى قمة حلف شمال الأطلسى "ناتو" فى بروكسل قبل قمة هلسينكى بيومين، حين أنَّبَ الألمان، فى رسالة إلى الجميع، بأنهم يضخون فى الاقتصاد الروسى مليارات الدولارات، ويطلبون من الولايات المتحدة حمايتهم.

وبخصوص الأزمة الأوكرانية فقد أُغلقَت على مستوى الرئيسين بخلاف حاد، ولكن الوقوف عند الخلاف لا يكفى الأوروبيين. إنهم يريدون تأديب روسيا، بينما ترامب يلهث خلف مصالح كبرى تؤكد ريادة الولايات المتحدة للعالم، بما فى ذلك روسيا وأوروبا والصين، ولكن مغامراته فى هذا الملف قد تُحْدِث شرخًا عميقًا بينه وبين الأوروبيين، وهو ما تعول عليه روسيا وتبذل جهودًا جبارة لإحداث هذا الشرخ وتعميقه، وفى نهاية المطاف، فمن المستحيل أن تسير واشنطن بعيدًا عن بروكسل فى الملف الأوكرانى، لأن ذلك يعنى تهديدًا غير مسبوق لحلف "ناتو" الذى يجمع بين الاثنين، ويهدد منظومة المصالح الأمريكية – الأوروبية المشتركة.

الملف السورى

الموضوع السورى، لا يهُم إدارة ترامب "الجمهورية" كثيرًا، إلا من زاوية المصالح، بعيدًا عن رحيل الأسد أو الحريات وحقوق الإنسان، تلك الأمور التى لا تعنى أى شيء فى قاموس الجمهوريين، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تنوى مغادرة سوريا، بالضبط مثل روسيا، إلا أن الطرفين فى الوقت الراهن قد يجدا نقاط تقاطع وخطوط تماس، تمكنهما من العمل معا لاقتسام الكعكة السورية دون احتكاكات ومواجهات أو مغامرات بينهما.

لقد أكد بوتين أن روسيا مهتمة بضمان السلام فى هضبة الجولان، وتعتبر أنه من الضرورى تطبيق اتفاق فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، وأنه من الضرورى أيضا بعد دحر الإرهابيين جنوب غرب سوريا، تكييف الوضع فى مرتفعات الجولان بالتوافق التام مع الاتفاق المؤرخ عام 1974 حول فصل القوات الإسرائيلية والسورية، وأن هذا سيتيح إعادة الهدوء إلى هذه المنطقة وإحياء نظام وقف إطلاق النار بين القوات السورية والإسرائيلية، وضمان أمن إسرائيل بشكل وثيق، وقد أولى الرئيس ترامب اهتمامًا خاصًا بهذا الموضوع، فيما أكد الرئيس الروسى أن موسكو مهتمة بهذا التطور للأحداث، وستلتزم بهذا الموقف بالضبط.

تصريحات بوتين بشأن سوريا فى غاية الأهمية والخطورة، فقد ألقى الرئيس الروسى بالكرة فى ملعب ترامب، ما يعنى أنه بشكل أو آخر قدم اقتراحات إلى ترامب وينتظر الرد عليها، وربما حاول أن يقول إن روسيا قامت من جانبها بخطوات كثيرة، وأن الكرة ليست فى الملعب الروسى وإنما فى الملعب الأمريكى، وأن بلاده ليست مطالبة الآن بالمزيد من الخطوات، بل على الجانب الأمريكى أن يبادر بخطوات ينتظرها نظيره الروسى.

أما ترامب، فقد أكد أنه أولى مع نظيره الروسى وقتًا كثيرًا لبحث القضية المعقدة التى تمثلها الأزمة فى سوريا، وأن "التعاون بين بلدينا قد ينقذ حياة مئات آلاف الأشخاص. لو نستطيع فعل شيء من أجل مساعدة الشعب السورى، وتقديم مساعدات إنسانية له، فأعتقد أننا سنكون مهتمين جدًا بذلك. سنقوم بهذا بالتأكيد". وأفاد بأنه اتفق مع بوتين على ضرورة ضمان أمن إسرائيل فى ظل التطورات الجارية فى سوريا.

سوريا وفلسطين.. ملفات متشابكة

فى الواقع، لا ينفصل هنا الملف السورى عن الملف الفلسطينى، ومن الواضح أن هناك تنسيقًا وثيقًا بين روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل فى الملفين. يبدو أن روسيا حاولت إقناع الطرفين الأمريكى والإسرائيلى بإمكانياتها ليس فقط على مستوى تهدئة الأمور فى سوريا بما يضمن مصالح الجميع، بل وإيجاد مكان للأسد، بعد تطويعه تمامًا وإبعاد الإيرانيين عنه، فى أى مشروعات مستقبلية تتعلق بتسوية القضية الفلسطينية.

الأمر هنا متشابك بعض الشيء، فروسيا من جهة تصنع أمرًا واقعًا يقضى بإضعاف إيران نسبيًا، وتقليص مساحة نفوذها إلى حد ما فى سوريا، ومن جهة أخرى، لا تسعى إلى إنهاء هذا النفوذ كليًا، لكى لا تفقد حليفًا مهمًا لها فى المنطقة، خاصة وأنها لم تحصل على أى ضمانات من الولايات المتحدة.

وبالتالى، فالورقة الإيرانية لا تزال مهمة وفعالة فى يد موسكو، ولكن الأخيرة فى الوقت نفسه تجهز هذه الورقة لتحولات وتغيرات كثيرة، فى حال سارت الأمور على ما يرام مع واشنطن، وهذا يعنى ببساطة أن موسكو تلوِّح لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل بهذه الورقة المهمة، وليس من المستبعد أن تستجيب واشنطن، وتعمل على إقناع حلفائها بمدى أهمية دور روسيا فى الملفات السورية – الإيرانية – الفلسطينية، ما يعنى أن موسكو باتت مفيدة للغاية لواشنطن، وربما يكون ذلك أحد أهم الدوافع التى أسست للقاء القمة بين بوتين وترامب.

فى حقيقة الأمر، روسيا لديها أيضًا طموحات أكبر من ذلك، ما يعنى أن ترويض إيران والأسد ليس بالضبط من أجل مصالح مع الولايات المتحدة فقط، بل من أجل الضغط على دول الخليج وشمال إفريقيا لإيجاد موضع قدم ثابت، ومصالح متنوعة ومستدامة فى المنطقة.

ويسود اعتقاد بأن وجود الإدارة الجمهورية الحالية بقيادة ترامب تشكل الفرصة الذهبية لروسيا من أجل تحقيق هذا الهدف، ويبدو أن إدارة ترامب لا تجد أى مانع فى ذلك، طالما تتحقق المصالح الأمريكية وأمن إسرائيل.

وفى الحقيقة، روسيا لا تمانع، بل وتجد لنفسها مصلحة فى هذا السيناريو الذى يقتضى منافسة بين موسكو وبكين من جهة أخرى، وسيقذف أيضًا بإيران إلى رياح التغيير، سواء الداخلى، أو تغيير سياساتها الخارجية بعد تقليم أظافرها.

عتاب بوتين لترامب

أما عتاب بوتين لترامب بسبب انسحابه من الاتفاق النووى، فهو مجرد تبرئة للنفس مما سيحدث فى المستقبل لإيران التى ربطت نفسها عضويًا بتحركات روسيا، ولا يمكن تجاهل أن موسكو الرسمية أعلنت عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووى بأنها لن تخسر أى شيء سواء بقى الاتفاق النووى الإيرانى أو انهار، ولكن ترامب رد على عتاب بوتين بقوله: "أريد أن أشدد على أهمية ممارسة الضغط على إيران لجعلها توقف حملة عنفها وطموحاتها النووية فى الشرق الأوسط، وأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالاستفادة من الحملة العسكرية الناجحة ضد تنظيم داعش" وبالتالى، هناك خطوات مطلوبة من روسيا إزاء إيران من جهة، وإزاء تجهيز بشار الأسد الجديد من جهة أخرى.

فى هذه الحالة ستظهر التحولات الجديدة فى المنطقة بهدوء ومن دون مواجهات بين موسكو وواشنطن. فربما ترى روسيا أن وجود إدارة ترامب يمثِّل فرصة نادرة لتحقيق العديد من المصالح التى لا يمكن أن تتحقق فى ظل أى إدارة أخرى.

فى نهاية المطاف، لم تحدث أى اختراقات، أو استحداث صيغ واضحة لمجمل الملفات العالقة، إلا أن النتيجة الأهم على الإطلاق لهذه القمة هى وقف تدهور العلاقات بين القوتين النوويتين الأكبر فى العالم، والحفاظ عليها ولو حتى فى شكلها الحالى، تفاديًا لمواجهات غير محمودة العواقب.

أما الوعود والمغازلات والمقترحات والمبادرات التى أُطلقت، فمن الممكن ببساطة التراجع عنها أو تعديلها، خاصة وأن روسيا لم تحصل على أى شيء ملموس، ولا على ضمانات محددة، وهى تدرك جيدًا أن الولايات المتحدة بحاجة ماسة إليها فى ملفات بعينها، ولكن حتى هذا لن يكون بدون مقابل، حتى وإن كانت هذه الملفات ليست تلك التى تحتاجها موسكو، مثل رفع العقوبات وتوسع الناتو شرقًا، على سبيل المثال.