ياسر برهامى

"يسروا ولا تعسروا.. بشروا ولا تنفروا.. الأصل فى الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بتحريمها".. أمور كثيرة رغب الإسلام بها وحث عليها رسولنا الكريم لمن يقدمون على إفتاء الناس.

وقد نهى رسولنا الكريم عن التضييق والمشقة حيث قال لمعاذ بن جبل وقد أطال فى صلاته: "أفتان أنت يا معاذ؟"، وحذر من الإفتاء بغير علم حيث قال:" أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار"، إلى غير ذلك من الأمور التى وضعت ضابطا للعمل فى هذا المجال.

وارتبطت الفتوى فى صدر الإسلام بالقضاء وكان القضاة هم مصدرها كونها جواباً عما يصعب فهمه من المسائل الشرعية أو القانونية، والمفتى هو من يتصدى للفتوى بين الناس ويتم تعيينه من قبل الدولة ليجيب عن تلك المسائل الشرعية ، أو القانونية.

وتضمنت الفتوى وقتئذ وجهين، إما الفتوى بالقول وهو المشهور منها، والفتوى بالفعل وذلك من خلال الإشارة وخلاف ذلك من الأفعال التى يقوم عليها المفتى ليتبعه عليها الناس، ومع مرور الوقت باتت الفتوى واحدة من القضايا المعقدة خصوصاً فى ظل وجود رغبة من قبل بعض المتعاملين مع العلوم الإسلامية أن يتصدروا المشهد، مع أنهم ليسوا دارسين ويكتفون بالسماع والتلقى عن بعض الشيوخ والعلماء دون البحث عن تحصيل علمى يمكنهم من العمل بقاعدة "لكل مقامٍ مقال".

وما بين تجارة وتكسب، وبين تشدد وتطرف، وتصدر الجهلاء، وغياب لرموز الوسطية عن الساحات، فتح المجال للعديد من الفتاوى والآراء الشاذة خلال العصور الحالية كانت فى مقدمتها فتوى السلفية الباحثة عن تحريم للمناسبات الوطنية وتحية الأعلام وتهنئة غير المسلم فى عيده، والحديث عن إرضاع الكبير، ومعاشرة الوداع، وتحريم الوقوف للعلم وتهنئة المسيحيين.

وبالرغم من اتجاه الأزهر الشريف بالتنسيق مع وزارة الأوقاف ودار الإفتاء لوضع قائمة بالمتعاملين إعلامياً مع الفتوى إلا أن بعض التيارات الإسلامية لجأت للسوشيال ميديا لنشر فتاويها الشاذة، الأمر الذى جعل الجميع ينتظر خروج مشروع قانون تنظيم الفتوى العامة من البرلمان إلى النور ليكون رادعاً لكل من يتصدر للفتوى بأى وسيلة كانت.

مبتدا.. يرصد أبرز القضايا المجتمعية التى كشفت اتجاه السلفية للتحريم والغلو والتشدد فى الآراء والفتاوى، وذلك بالمقارنة بينها وبين فتاوى الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية.

الغناء والتمثيل

قال ياسر برهامى نائب الدعوة السلفية إن مسألة المعازف والأغانى كما يشاهده الناس ليست من الخلاف السائغ؛ فإن الله -سبحانه- ذم من اختلف بعد مجىء البينات فقال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)، فالخلاف السائغ هو ما لا يصادم نصاً من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلى، وأما ما صادم نصًّا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلى؛ فهو خلاف غير سائغ، وغير معتبر، ولذا لا يعتد به.

وتابع مسألة المعازف "الموسيقى" وإن كان فيها خلاف -قال بالجواز ابن حزم الظاهري، وسبقه بعض علماء أهل المدينة- إلا أنه خلاف ضعيف جدًّا؛ لقول النبى -صلى الله عليه وسلم-: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ"، لافتا إلى أن الأغانى المعاصرة عامتها تتضمن غناء من نساء بالغات متبرجات، غالبا يخضعن بالقول، مع كلمات الحب والهيام، ووصف المحاسن، إضافة إلى ما يوجد فيما يعرف بالفيديو كليب ونحوها، والحفلات من حركات لا يقول عاقل فضلا عن عالم بجوازها أو بوجود خلاف فيها.

وحول مشاهدة الأفلام، فأشار إلى أن الغضاضة كل الغضاضة فى مشاهدة النساء المتبرجات اللاتى لا يخلو فيلم ولا مسلسل منهن، وكذا فى سماع الموسيقى المصاحبة كما سبق بيان حكمها، إضافة إلى أن موضوعات الأفلام إنما تدور حول الجنس والجريمة، وتمجيد الصراع حول المال والسلطة، مع أن أصل مسألة التمثيل فيها خلاف بين أهل العلم المعاصِرين "لو خلت مِن كل ما ذكرنا"، وكيف تخلو مِن كل ذلك؟!

وشدد: ومِن أهل العلم من يراها كذبًا محرمًا خصوصا إذا كانت مؤلفات وروايات غير حقيقية سواء كانت تاريخية أو واقعية، ومنهم من يقول: إنها من باب ضرب المثال، وأنا أرى فى هذه الجزئية الاقتصار على الأفلام ذات القصص التاريخى أو الواقعى الاجتماعى ليكون على سبيل الحكاية النافعة، ولا أعلم فيلمًا واحدًا خلا من المحرمات واُلتزم فيه ما ذكرنا من الحقيقة عدا ما ذكروا عن بعض نسخ فيلم "عمر المختار".

فى حين تذهب دار الافتاء إلى القول بأنه يجوز شرعًا الاستماع إلى الموسيقى بسائر أشكالها بشرط ألا يقارنها ما هو محرمٌ شرعًا كشرب الخمر أو الغناء الماجن، وبشرط ألَّا تكون مما يحرك الغرائز المحرمة ويبعث على الفسوق، وقد ورد فى جوازها بهذه الشروط جملة من الآثار والروايات فى كتب السنَّة ونُقُول الأئمة، حتى إن بعض الأئمة أفرد التصنيف بجوازها، وعلى ذلك يدل ظاهر النصوص القرآنية، كنحو قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، وقوله تعالى فى الآية التى بعدها: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّى الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْى بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ .

إرضاع الكبير

جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت: يا رسول الله! والله! إنى لا أرى فى وجه أبى حذيفة من دخول سالم قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرضعيه" فقالت: إنه ذو لحية . فقال "أرضعيه يذهب ما فى وجه أبى حذيفة"، حديث حمله البعض من الدعوة السلفية للحديث عن إرضاع المرأة العاملة زملاءها فى العمل لمنع الخلوة الشرعية بينهما، بل أوجبها البعض على زوجات رجال الأعمال، لدفع الحرج عنها فيمن تعاملهم.

ليؤكد الدكتور محمد رأفت عثمان عضو هيئة كبار العلماء الراحل، أن حجة من يقول برضاع الكبير ضعيفة جداً، مؤكداً أنها رخصة أجازها رسول الله لزوجة أبى حذيفة، أما زوجات رسول الله رفضن مبدأ إرضاع الكبير، لافتاً إلى أن القضية بها اتجاهان هو اتجاه السيدة عائشة رضى الله عنها وفهمها لما حدث فى قصة سالم مع أم حذيفة، واتجاه بقية زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كون هذا خصوصية ورخصة لا تتعدى غير زوجة أبى حذيفة، وعندما نخير بين رأيين فى هذا الوضع فنختار ما كان عليه سائر زوجات رسول الله.

تحية العلم

يجدد أبناء الدعوة السلفية حديثهم عن العلم وحرمة تحيته مع بداية العام الدراسى، حيث خرج الداعية السلفى سامح عبد الحميد، قائلاً: إن تحية العلم حرام، ولا يجوز للمسلم القيام إعظاماً لأى علم وطنى أو سلام وطنى بل هو من البدع المنكرة التى لم تكن فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فى عهد خلفائه الراشدين رضى الله عنهم، لافتاً إلى أنها منافية لكمال التوحيد الواجب، وإخلاص التعظيم لله وحده، وذريعة إلى الشرك، ومشابهة للكفار وتقليدهم فى عاداتهم القبيحة ومجاراة لهم فى غلوهم فى رؤسائهم ومراسيمهم.

ليكون رد مجمع البحوث الإسلامية، أن تحية العلم أمر حياتى وهو حلال شرعًا، فضلاً عن أنها تعبير عن الانتماء للوطن الذى نعيش فيه لذلك نلجأ لهذه الرمزية من أجل أن نعبر عن ولائنا لبلادنا.

تهنئة المسيحيين بعيدهم

يذهب السلفيون فى كل مناسبة إلى تحريم التهنئة بين المسلمين والمسيحيين بأعيادهم، مؤكدين أن الأمر من المحرمات المنهى عنها، بل إنهم يخرجونهم من دائرة أهل الكتاب جملة وتفصيلاً، فيذهبون مذهب ابن العثيمين القائل: "تهنئة الكفار بعيد الكريسماس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق"، كما نقلوا عن ابن القيم قول فى كتابه "أحكام أهل الذمة": "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنئ بهذا العيد ونحوه، فَهَذَا إِنْ سَلِمَ قَائِلُهُ مِنَ الكُفْرِ فَهُوَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ. وَهُوَ بِمَنْـزِلَةِ أَنْ تُهَنِّئَهُ بِسُجُودِهِ لِلصَلِيبِ، بل ذلك أعظم إثماً عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع فى ذلك، ولا يدرى قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية، أو بدعة، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه".

"لايك فيسبوك" الحرام

ليس عجيباً أن تبحث الدعوة السلفية عن تحريم لما هو منتشر فى الفضاء الإلكترونى الذى يتعامل معه مليارات البشر وهو من وجهة نظرهم مفسدة وضياع للوقت، ليخرج نائب رئيس الدعوة السلفية الدكتور ياسر برهامى بفتوى مفادها أن الإعجاب فى فيس بوك مرض خطير ومفسدة للقلب، داعياً أن يكون الحديث فى الفيسبوك لما ينتفع به الناس فقط.

ليكون إجابة دار الافتاء بأنها معاملة مستحدثة عن طريق الإعلان والترويج للصفحة ليصل الإعلان لعددٍ معين من المستخدمين الحقيقيين، هو أمر جائز شرعاً، وإذا كان ذلك يتم بشكل وهمى لا يعبر عن مستخدمين حقيقيين فهو حرام شرعاً.

بول الطفلة النجس

ومن أغرب الفتاوى ما يصدره البعض فى التفرقة بين بول الطفل والطفلة من السلفيين، حيث يذهبون بالقول إلى أن "بول الطفل الذكر طاهر ولا يؤدى للنجاسة بينما بول الطفلة البنت نجس يجب غسله".

من جهته، أكد الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، أن هذه التفرقة ليست محل إجماع، وأن جمهور الفقهاء إن لم يكن عامتهم يرى نجاسة بول الطفل والطفلة على السواء، وأن التفرقة خاصة بكيفية التطهر، ومن قال منهم بهذه التفرقة فقد علل الأمر برفع الحرج والمشقة.

وتابع، إن المذهب المالكى والحنفى لا يرى فرقًا بين بول الصبى والصبية سواء فى فترة الرضاع أو بعد الفطام، فكل منهما نجس ويجب منه الغسل، وكذلك قال الإمام أبو حنيفة: إن بول الصبى والصبية كبول الرجل.