سحب أمريكية «مقلقة» تسيطر على أجواء «ميونخ للأمن»
سيطرت "الأجواء الأمريكية" على فاعليات اليوم الأول لمؤتمر ميونخ للأمن، والذى انطلق بالعاصمة الألمانية، أمس الجمعة، ويستمر حتى غدًا الأحد.
- واشنطن تنفخ فى «الملف الإيرانى» بحثًا عن حشد عالمى لضرب نظام الملالى
- رعب أوروبى من الانسحاب الأمريكى من أفغانستان وكلمة السر «طالبان»
- انتفاضة أوروبية ضد مساعى ترامب لحماية تل أبيب على حساب «الحلفاء»
يشارك فى المؤتمر هذا العام 30 رئيس دولة وحكومة و90 وزيراً، يتقدمهم الرئيس عبد الفتاح السيسى.
ووفق الملف التعريفى الرسمى لمؤتمر ميونخ للأمن، فإنه يعقد سنوياً "لبحث القضايا العالمية المختلفة فى المجالات الأمنية والسياسية والعسكرية، إلى جانب الأزمات والصراعات فى شتى أنحاء العالم".
وتبدو الدورة الخامسة والخمسين للمؤتمر هذا العام قلقة على نحو لافت، إذ تسيطر على أجوائه مخاوف كبيرة بسبب سياسات الولايات المتحدة فى ملفى إيران وأفغانستان.

وكانت واشنطن أعلنت على لسان مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكى، فى ختام مؤتمر الأمن والسلام فى الشرق الأوسط بالعاصمة البولندية وارسو، عشية انطلاق مؤتمر ميونخ للأمن، أن إيران تمثل "أكبر تهديد" فى الشرق الأوسط، متهمًا القيادة فى طهران بإعداد "محرقة جديدة" فى المنطقة.
وفى السياق ذاته، أعلن وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو، أن بلاده ستعمل خلال الأسابيع المقبلة على تطوير خطة بالتعاون مع العديد من الدول الحليفة، لوضع تصور حول كيفية وقف تمدد نفوذ طهران بالشرق الأوسط.
وتتهم الولايات المتحدة إيران بإهدار الاتفاقية النووى الموقع بينها وبين الغرب ما دفع واشنطن إلى الانسحاب منه وفرض عقوبات على نظام الملالى وعلى كل من يتعاون معه ولو كان من الحلفاء الأوربيين، مستندة فى ذلك إلى أن طهران لا تزال تعمل على تطوير أسلحة تهدد أمن إسرائيل.
وترى صحيفة "بيلد" الألمانية، واسعة الانتشار، أن "التسخين" الأمريكى الكبير ضد طهران أثارت ضجة ممزوجة بالقلق فى أوروبا، قبل أن تصبح موضوعًا ساخنًا فى مؤتمر ميونيخ الأمنى.
وقد عبرت شخصيات سياسية ألمانية وأوروبية لـ"بيلد" عن انتقاداتها محاولات الولايات المتحدة تحويل المؤتمر إلى ساحة لتصفية الحسابات الخاصة، وقال ديفيد مكليستر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية فى البرلمان الأوروبى، إن التهديدات الإيرانية ضد إسرائيل غير مقبولة تمامًا، لكن يجب النظر إلى هذه القضايا بشكل مستقل عن الاتفاقية النووية.

فيما أشار الخبير فى الشؤون الخارجية بالاتحاد المسيحى الديمقراطى الألمانى إلى أن "مثل هذه المقارنة ممنوعة".
غير أن "بيلد" نقلت عن الأمين العام لحلف الناتو ينس ستوبتنبيرج، رأيًا أقل حدة فى هذا الشأن، حيث قال "إن جميع الشركاء قلقون بشأن سلوك إيران فى مختلف المجالات. نحن قلقون بشأن برنامج الصواريخ الخاص بها. وقلقون بشأن دعمهم لأنشطة زعزعة الاستقرار فى المنطقة، ودعمهم لمجموعات مسلحة مختلفة. إننا نتفق على أنه يجب على إيران عدم تطوير أسلحة نووية. وهذه هى رسالة الناتو".
فى المقابل اكتفى وزير الخارجية الأمريكى السابق، جون كيرى، والذى يعد "الأب الروحى" للاتفاق النووى مع إيران، بالإشارة إلى أنه لم يتابع تصريحات المسؤولين الأمريكيين على نحو جيد لانشغاله بالسفر من واشنطن إلى ميونخ، وعلق باقتضاب قائلًا: "الاتفاقية النووية قضية معقدة للغاية وينبغى مناقشتها وفق ذلك المنظور".
وألغى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، العام الماضى، اتفاقية 2015 للحد من قدرة إيران النووية. وعلى النقيض من ذلك، يدعم الاتحاد الأوروبى الاتفاق ويسعى إلى خلق طرق للحفاظ على العلاقات التجارية مع طهران على الرغم من العقوبات الأمريكية.
وبالتوازى مع ذلك، هيمنت المخاوف الأوروبية، وخصوصًا الألمانية، من الانسحاب الأمريكى المرتقب من أفغانستان، على أجواء اليوم الأول لمؤتمر ميونخ للأمن.

ورغم أن وزير الدفاع الأمريكى الجديد، باتريك شاناهان، أعلن التزامًا واضحًا لا ريب فيه يدعم تمسك الولايات المتحدة بحلف الناتو، مثنيًا على جهود الحلفاء فى زيادة الإنفاق العسكرى، إلا أنه أكد مضى بلاده قدمًا فى الانسحاب التام من أفغانستان.
وتخشى الدول الحليفة صاحبة المهام العسكرية فى أفغانستان من فراغ أمنى مفاجئ فى بلد القاعدة وطالبان ومؤخرًا الدواعش.
وتعمل قوة ألمانية عسكرية فى أفغانستان منذ سنوات، وكانت ظهيرًا لوجيستيًا ومعلوماتيًا للقوات الأمريكية هناك، ومن ثم ستفقد تلك القوات الحماية المطلوبة فى حال مغادرة واشنطن بينما لا يزال البلد الأسيوى غارقًا فى فوضى أمنية وسياسية عارمة.
ووقعت واشنطن مؤخرًا بالعاصمة القطرية الدوحة اتفاقًا سياسيًا وأمنيًا مع حركة طالبان لإنهاء 17 عامًا من الحرب فى أفغانستان، تنص مسودته على "انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان فى غضون 18 شهرًا"، مع وضع ضمانات بعدم استخدام تنظيمى القاعدة والدولة الإسلامية للبلاد كقاعدة للإرهاب.
وبدورها، أكدت طالبان أنها ستنجز قريبًا جدولًا زمنيًا لوقف إطلاق النار فى أفغانستان، وكشفت كذلك طلب واشنطن أن تجلس الحركة مع الحكومة الأفغانية لأجل الترتيب للتفاهم حول السلطة وشؤون الحكم فيما بينهما.
غير أن دوائر سياسية وعسكرية غربية تعتبر الاتفاق بمثابة "سلام مر"، وأقرب إلى أن يكون استسلامًا من جانب إدارة الرئيس ترامب.. وتتعاظم مخاوف مستشارين وجنرالات أمريكيين وأوروبيين من انسحاب واشنطن على هذا النحو، فى ظل التشكك الكبير فى قدرة طالبان على منع انطلاق عمليات إرهابية من داخل الأراضى الأفغانية.

وحذر خبراء من أن الانسحاب الفورى للقوات الأمريكية قد يؤدى إلى التجهيز لاعتداءات ضد الولايات المتحدة فى أقل من عامين. كما أن الجماعات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة والفرع المحلى لما يسمى "الدولة الإسلامية/ داعش" يمكن أن تصبح أقوى. لذلك يدعم خبراء عسكريون أمريكيون فكرة بقاء وحدة من وحدات مكافحة الإرهاب على الأقل فى البلاد.
وبموجب الصفقة الجديدة، لن تصبح حركة طالبان وعلى الأرجح محظورة دولياً بعد الآن.
ومن شأن الاتفاق مع طالبان، وكما يريد الأمريكيون، أن تقل مطالبة أعضائها بالسلطة مع ميل إلى التعايش مع الحكومة الحالية فى كابول.
غير أن مراقبين يشككون فى واقعية الفرضية السابقة، فصحيح أن إدارة دونالد ترامب تقول إن بعض أفراد طالبان أصبحوا أكثر اعتدالا وتحملوا عزف الموسيقى وبعض التعليم للفتيات، لكن العديد من جماعات طالبان انضمت إلى "الدولة الإسلامية" فى السنوات الأخيرة.
ومن المرجح أيضًا أن تؤدى زيادة قوة طالبان إلى انهيار تدريجى للحكومة، كما أن الانسحاب الأمريكى سيترك وراءه فراغًا فى السلطة تحتاجه قوى إقليمية مثل إيران وباكستان وروسيا. سيكافحون جميعًا لتحقيق توازنات جديدة، وتجنيد أذرع وميليشيات وأمراء حرب "ماليين" لصالحهم، وقبل هذا وذاك دعم مجموعات مختلفة من طالبان، الأمر الذى سيهدد باندلاع حرب جديدة، ومن ثم حركة نزوح جديدة (لاجئين) يمكن أن تصل بسرعة إلى أوروبا.
وبدت تكلفة الحرب باهظة وبشدة فى أفغانستان، حيث استغرقت أكثر من 6000 يوم، وشارك فيها ما يقرب من 50 دولة، وفى المقابل سقط أكثر من 150 ألف قتيل، إضافة إلى 2500 آخرين من جانب قوات التحالف المناهض لطالبان، فى حين تكبدت الولايات المتحدة تكلفة مادية وصلت إلى 975 مليار دولار فى 17 عامًا.
وفى هذا السياق، قال مسؤول عسكرى ألمانى لـ"بيلد"، إن الانسحاب الأمريكى من أفغانستان لا بد أن يكون متبوعًا بمغادرة ألمانية فورية من هناك.
وتابع: "لكن ما زال هناك أمل فى أن يدرك ترامب أنك بحاجة إلى نفس طويل فى أفغانستان.. 17 عاما من النضال يمكن أن تذهب سدى إذا انتهت المهمة الآن، وحتى لو كان هناك اتفاق سلام مع طالبان"، حسب رأيه.
وكان فلفجانج ايشينجر، رئيس مؤتمر ميونخ للأمن، قد دعا الجميع فى كلمته الافتتاحية بالمؤتمر إلى الإنصات إلى صوت العقل لتوفير الإرادة السياسية اللازمة لحل وتسوية النزاعات سواء فى أوروبا أو خارجها.
كما حذر من سباق التسلح وتزايد الجريمة المنظمة، مشددًا على أن الحل لتلك المعظلة يكمن فى "التعاون المشترك"، لافتًا إلى أن المؤتمر سيبحث مستقبل ودور أوروبا التى يتعين عليها القيام به لدرء المخاطر والتأثير فى التطورات العالمية.