العلوم الطبيعية وهندسة العالم
إن العلوم التى ولدت فى القرن الثالث عشر من التجريب الذهنى فى الفرضيات التى تعاملت مع العوالم الأخرى الممكنة، اكتسبت منهجًا بفضل أعمال جاليليو وديكارت ونيوتن.
تلك العلوم اكتشفت طرقًا وأساليب لبناء الموضوعات المثالية وتعلّمت العمل معها، الأمر الهام هو أنها قلبت العلاقة بين العالم وبين التصميمات أو النماذج المدركة، وبفضل ابتكار الهندسة والتجريب "هيوجنز وجاليليو" بدأت العلوم فى تحقيق موضوعاتها المثالية فى النظم التجريبية فى البداية، ثم فى النظم التكنولوجية - الصناعيـة فى الوقت الحاضر.
والآن كان من المفروض أن تتطابق التصميمات أو النماذج اللامُدركة مع العالم فى الوقت الذى بنى فيه هذا العالم طبقا لها، وكانت القوانين التى صاغها العلم صحيحة فعليًا داخل النظم الصناعية التجريبيـة (الأدوات والمواد) فقط، ونظرًا لأن النظم الصناعية التجريبية كلها أخذت تندمج أكثر فأكثر فى منظومة واحدة، فتأكيد صحة القوانين بدأت تتزايد بشكل نموذجى جارف، تلك الصحة تأتى، وبشكل حرفى، من جميع الجهات.. هكذا تمت صياغة العالم العلمى التكنولوجى الذى يقف على أربعة محاور:
أولا: هى ذلك المخطط العالمى الموجود فى النواة، والذى يؤكد وجود الطبيعة الخاضعة لقوانين ثابتة، هذا المُخطط مزود تزويدًا كاملاً بمجموعة كاملة من التصورات المادية "الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية... إلخ"، وبمنظومات متقدمة للتحقيق قادرة فعليًا على التعبير المادى عن أى لوحة للعالم.
ثانيًا: هى تلك الأدوات أو المواد التى أنتجتها التكنولوجيا المعاصرة، الصناعية والزراعية والبيولوجية والتحويلية، حيث تم ترسيخ قوانين عالم العلوم الطبيعية فيها وجعلها مادية.. فى هذا الإطار توجد بعض الطروحات الفوضوية التى لا تأخذ فى اعتبارها هذا الموقف تحديدًا، وضع العلم فى المجتمع المتطور المعاصر الذى يسانده ليس فقط مجموعة الخبراء، وإنما مجمل عالم المواد والأدوات الواقعية التى تتحقق فيها القوانين العلمية.
ثالثًا: هى الهياكل القانونية والتشريعية لدعم عالم العلم: المواد الدراسية فى المدارس والجامعات، بما فيها من طلاب وبرامج دراسية ومختبرات وأقسام ودوريات علمية وعلمية جماهيرية، والمنظومة التمويلية الحكومية والادخارية، والمدارس العلمية الصناعية، والأجيال التى تنشأ وتسير على خطى التقاليد العلمية وتعد من أجلها أماكن تستوعبها كعلماء وخبراء متخصصين، والقرارات العلمية السليمة والمبنية على أسس فى هياكل السلطة.. إلخ.
رابعًا: هى هياكل رد الفعل العكسى المباشر والتلقائى للعلم، الهُوية العلمية: أى اليقين بأن العلم بسعيه إلى الحقيقة، يدرك قوانين الطبيعة الواقعية، إن تلك الصيغة للهُوية تجعل عالم العلم مغلقًا ومكتفيًا بذاته وليس فى حاجة إلى جرس إنذار أو جرس لرد الفعل العكسى، وإذا تفلسف فهو يتفلسف على حساب نفسه. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهذا العالم يتسع بشكل لا نهائى: فكل ما لم يدرك، لم يدرك إلى الآن فقط.
وفى المحصلة، فالعلاقات الفكرية التقليدية لعلوم العصور القديمة والقرون الوسطى فى علاقتها بالواقع قد تم استبدالها فى الوقت الحاضر بالعلاقات التصميمية – الهندسية. وبالفعل بدأت إثباتات صحة تلك العلاقات تنتظم وتأخذ مكانها حيث الواقع يجب أن يتطابق مع القوانين، وليس العكس. بيد أن كل ذلك يتم فهمه من خلال المقولات حول إدراك الكون، وحول قوانين الطبيعة العامة والموضوعية، التى كانوا يقولون عنها فى البداية، القوانين الإلهية.
فى النهاية نجد أننا نملك هيكلا أو مجموعة من النشاطات الفعَّالة جدًا والعدوانية والمدمرة لكل شئ فى واقع الأمر، خصوصًا للأفكار المتعلِّقة بالمجالات الفكرية الأخرى.
وإذا كان من البديهى أن العالم المركزى من وجهة النظر "المنهجية الثقافية" يدرك نفسه "ذاته" عن طريق العالم العام والكلى والكونى، على اعتبار أن قوانين الطبيعة عامة!، بل وإذا وافقنا حتى على أن هذا العالم الكونى مُحتمل أو "ممكن وجوده" وليس موجود أو نشط، فالمزج أو الاقتران المُضاعَف للقوة الواقعية، المشروطة بالقدرة على تحقيق العالم المثالى، والنزعة الموضوعية نحو توسيع نطاق التأثير وعدم الفهم الطفولى الغريب لحقيقة الأفعال الذاتية يُمَثِّل خليطا "كوكتيل" فى غاية الخطورة والانفجار.