فلسفة التلصص
لست هنا بمعرض تفسير كلمة "التلصص" فى القواميس والمعاجم.. فالكلمة بكل حروفها لا تعنى شيئًا، بل وكثيرًا ما تثير ابتسامات ذكية على أفواه المتلصصين والمتلصصات، وكأنها لا تخصهم أو أنها وسام على صدورهم، وتصل هذه الابتسامات إلى ذروتها عندما يشعر المتلصص والمتلصصة بأنهما تلصصا بجدية و"بضمير حى".
التلصص يحدث أحيانًا تحت زعم الود "الزائد" أو "العشم" أو "الصحوبية والصداقة" رغم أن الموضوع قيد "التلصص" لا يهم المتلصص من بعيد أو قريب، ولا يؤثر إطلاقًا فى حياته أو عليها.. لكن "المتلصص" على استعداد لتبديد نصف وقته وإهدار جهده وطاقته لجمع معلومات بعيدة تماما عن "الشعارات" التى يرفعها من قبيل مواجهة الظلم والاستبداد والفساد، ودعم الناس الغلابة.
المدهش أن هذا "المتلصص" لا يدخر جهدا فى التحليل والتمحيص، ومن ثم يكون مضطرا "بفهلوة" منقطعة النظير لسد الثغرات وإكمال المشهد لإشباع ذاتيته المتمحورة حول عبقريته الفذة فى تتبع تفاصيل حياة الآخرين التى لا تهمه أصلا فى أى شيء، والعبقرية هنا مرتبطة بالبنية الذهنية للمتلصص وبطموحاته التى لم تتحقق إما فى القيادة أو فى الزعامة أو حتى فى الفراش.
ولكى لا نكون قساة بحق "المتلصصين" ذكورا وإناثا، فلن نسميهم مثلاً "متطفلين".. المسألة ببساطة، وكما ذكرنا أعلاه، تدخل فى باب "العشم" و"حق الصداقة". لن نسمى ذلك "وصاية"، لأن "المتلصص" لا يعى إطلاقًا تداعيات "الوصاية" وليس جديرا بها أساسا. وقد يكون الأمر، فى بعض الأحيان، من منطلق الوصاية والغشومية معًا، باعتباره "الأخ الأكبر" أو المفكر الكبير، أو هو الذى ساهم فى الزمن الماضى بجهوده فى تقدم المجتمع وتحرير العقول.
قد يرى "المتلصص" أن ما يقوم به جزء من متابعة الوضع العام على الرغم من أن أخبار الزواج والطلاق والخلافات الأسرية لشخص آخر لا تهمه إطلاقا. وقد يرى البعض أن هذا مجرد نميمة أو لغط أو تغطية على أمور خاصة فى حياة "المتلصص" الشخصية التى يرى نفس "المتلصص" أن هناك متلصصين آخرين يتابعونها. أى أنها دائرة التلصص الجهنمية والمدهشة فى آن معا.
مهما أطلقنا من تسميات، لابد من الاعتراف بأن "التلصص" سلوك "رائع" بكل المعايير، خصوصًا أن المتلصص لا يكف عن النواح والبكاء على الحليب المسكوب، وطرح مشاكل الفساد فى فنزويلا والمكسيك، والظلم والاستبداد فى بلاده، والفقر والجهل فى أدغال إفريقيا. ومع ذلك لا يقصر هذا "المتلصص" فى إنفاق الوقت والجهد والطاقة فى تتبع أدق تفاصيل حياة الآخرين.. متى سافر هذا الشخص أو ذاك، وإلى أين توجه، ومع من جلس، وماذا أكل أو شرب، وماذا كان يقصد بالضبط من هذه الجملة، وكيف مال نحو أحد الجالسين وهمس له بكلمة، ولماذا نهض إلى دورة المياه بالذات فى هذه اللحظة أو تلك.
لا شك أن أخبار الزواج والطلاق تشكل الورقة الرابحة فى "التلصص" ولدى "المتلصصين". ولكن الصحف الصفراء، ووسائل التواصل الاجتماعى، والفضائيات التليدة، أفسدت على البعض هوايته المرضية. ومع ذلك، لا مانع من رش بعض الملح والتوابل واختراع قصص وهمية وربطها باستنتاجات قديمة وجديدة وهمية أيضًا لصياغة رواية تحيى الموتى وتوقظ أهل الكهف من سباتهم. وكما جرت العادة يبدأ المتلصص بإبداء الدهشة لحالة طلاق ما أو زواج ما. ثم يتبعها بالغضب لأنه لم يعرف منذ البداية بحق "العشم" و"الصداقة" من أجل المساهمة (القيام بدور تاريخى) "لإنجاح!" الزواج، أو "للدعم!" فى حالة الطلاق.
قد يُصَابُ البعض بالقرف أو الغثيان من "التلصص" و"المتلصصين". ولكن إذ أمعنا التفكير قليلا، وإذا تبقى لدينا قدر من القدرة على الاندهاش، سنندهش فعلاً.. فالأمر لا يعدو كونه مجرد تجاوز حالة من الإحباط أو الفشل أو ملئ الفراغ، أو الثلاثة معا.
إن خبراء التلصص، الذين تدور حياتهم وتعمل منظومتهم الذهنية طوال الوقت فى اتجاه جمع تفاصيل حياة الآخرين، لا يكلون ولا يملون أيضًا من النواح على أحوال البلاد والعباد، وانتقاد الظلم والفساد. ويحاولون البرهنة بكل الطرق الممكنة على أنهم نقاد ومعارضون بدرجة "خبير" أيضًا. ولكن كيف يمكن أن يلتقى هذا مع ذاك، وكيف يجتمع "التلصص" مع "التأمل والنقد"؟ لا يستطيع أمثالنا الإجابة على مثل هذين السؤالين التافهين، لأن عقلية المتلصص تعمل بطريقة أخرى تماما، وبمنهجية الكائن غير المتحقق.
ولكى لا نبخس "المتلصصين" حقهم، فالعملية، عملية التلصص نفسها كميكانيزم، تتطلب جهدا ووقتا وثقافة من نوع خاص. بينما عديمو الموهبة والخيال لا يصلون إلا إلى حد "النميمة" فقط. "المتلصص المهنى الأريب" يبذل مجهودا فى جمع وتربيط المعلومات ثم يستعرضها بما يؤكد له موهبته ونجاحه، وانتصاره الشخصى والسياسى والأيديولوجى (أو بما يحقق له الحظوة فى حالات معينة تضر الآخرين فى حياتهم ومستقبلهم). قد يكون وراء هذا بعض الفشل أو الإحباط، أو الحقد والحسد أو عدم التحقق. ولكن المؤكد أن الضعف والعجز يشكلان الأرضية الأساسية للتلصص، ليصل المتلصص والملصصة بعد ذلك إلى أحط درجات العدمية، واللامبالاة وليصبح كل منهما قنبلة شديدة الانفجار.