أشرف الصباغ

فى خريف عام 1835، بدأ الكاتب الروسى نيقولاى جوجول العمل على رواية "الأرواح الميتة"، تلك الرواية التى حولته إلى كاتب مشهور عالميًا.

 

"الأرواح الميتة"، التى يقال إن شاعر روسيا الأعظم ألكسندر بوشكين هو الذى اقترح فكرتها، هى ملحمة جوجول التى تدور حول التاجر "النصَّاب" بافل تشيتشيكوف، والتى أصبحت موضوعًا شعريًا حيويًا عندما بدأت روسيا البناء الرأسمالى، فقد قام النصاب بشراء أسماء موتى من ملاك الأراضى بهدف جمع ثروة طائلة ببيع أسماء "هذه الأرواح الميتة" كما لو كانوا أحياء.

عمومًا، فرجال الأعمال الذين ظهروا فى ما بعد فى روسيا السوفيتية، وروسيا الحالية ما بعد السوفيتية، كان ولا يزال لديهم موهبة تشبه موهبة تشيتشيكوف لجنى المال من لا شىء، من خلال بيع شقق غير موجودة أو أسهم فى مشاريع خيالية.

ولعل أعظم وأخلد ما فى هذه المعزوفة التراجيدية المرعبة، هو أن جوجول استطاع باستثنائية إبداعية متفردة تجسيد روح التاجر الروسى ليس فقط فى زمنه، وإنما فى مراحل كثيرة من تاريخ روسيا، سواء كانت قيصرية أو سوفيتية أو ما بعد سوفيية.. بل والأكثر إثارة للدهشة هو أن نماذج شخصيات "الأرواح الميتة" يمكن أن يلتقيها أى إنسان عابر فى شوارع موسكو وسانت بطرسبورج والعديد من أقاليم روسيا.

لم يتعلق الناس بالملحمة لعرضها الهجائى فحسب، فـ"الأرواح الميتة" تتضمن العديد من الملاحظات الحادة حول العقلية الروسية، وطريقة التفكير، واللغة المنطقية، والروح المنفلتة، والمواهب المبدعة. وبفضل القدرة الإبداعية الفذة لجوجول، اكتسبت رحلات تشيتشيكوف أهمية عظيمة حيث ظهرت كسلسلة ليس فقط من خلال صور شخصيات مضحكة، بل وإظهار حالات يومية وأوصاف رائعة عن الطبيعة الروسية وثرائها الاسثنائى، كل هذه الصور تشابكت فى سياق انفعالات فلسفية حول روسيا، والروح الروسية والمزاج الروسى.

وحتى الآن لا يعرف أحد ماذا كان جوجول يقصد بـ"الأرواح الميتة": الأرواح التى كان يشتريها تشيتشيكوف فعلاً، أم أرواح الأحياء سواء أبطال الرواية بمن فيهم تشيتشيكوف أو العديد من أولئك الذين يتحركون بيننا ونتعامل معهم يوميا؟

فى عام 1836، سافر الكاتب إلى الخارج للعلاج وللتركيز كليًا على عمله الجديد، فى تلك اللحظات تركزت أفكاره الأولية على رسم صورة ساخرة "أحادية الجانب" لروسيا توسعت فيما بعد إلى خطة لخلق كتاب كبير فى ثلاثة مجلدات، وبقى جوجول 10 سنوات خارج روسيا، راح يتجول خلالها فى فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ويواصل عمله على المجلد الثانى من "الأرواح الميتة".

وفى عام 1845 يصاب جوجول بنوبة جديدة من مرضه الغامض، ويخفق الأطباء فى تشخيصه حيث نسبوا الأعراض إلى اضطراب عقلى، وفى أحد الأيام وفى فورة غضب مزق مخطوطة المجلد الثانى، وبدأ الكتابة من جديد.

فى أبريل عام 1848، وبعد رحلة إلى فلسطين لرؤية الضريح المقدس، عاد جوجول أخيرًا إلى موسكو واستعد لكتابة المجلد الثانى من جديد، وفى أواخر يناير عام 1852 أصيب جوجول بنوبة أخرى اقتربت به بشكل كبير من هاجس الموت الوشيك، وفى ليلة 12 فبراير ألقى بمخطوطة المجلد الثانى فى النار.

أما نصه الدرامى "المفتش العام" فلم يفقد حيويته إلى يومنا هذا. فطوال القرن التاسع عشر، والعشرين، تعرض مسؤولون سوفيت وروس لنفس الظروف كأسلافهم فى العصور القيصرية، ونالوا ما يستحقون بداية من تراكيب جوجول التى دخلت إلى صلب الميثولوجيا الشعبية الروسية، وانتهاء بما تتكشف عنه قرائح الناس الذين تربوا على هذا التراكيب.

ولن نجد مسرحًا، ليس فقط فى الجمهوريات السوفيتية الـ 15 السابقة، وإنما أيضًا فى العالم كله، لم يتناول "المفتش العام" فى معالجات درامية مختلفة.. ناهيك عن تناولها كمسلسلات تلفزيونية أيضًا، لدرجة أن الصحافة كانت على الدوام، ولا تزال تقارن الموظفين المقرفين والمرتشين والبيروقراطيين بنصابى جوجول.

من الطريف هنا أن نتذكر ملاحظة القيصر الروسى نيقولاى الأول عندما شاهد عرض افتتاح مسرحية "المفتش العام" عام 1836، حيث قال: "حصل كل شخص على ما يستحق، وأنا أكثر من غيرى".

لم يخف الوجهاء أيضًا عدم رضاهم عن هذا العرض البمسرحى، بينما كان الجمهور منتشيًا للغاية، فهذه الكوميديا التراجيدية جدًا، والتى بنيت على خداع الذات، تتعرض لمجموعة من المسؤولين الإقليميين غير المبدئيين، أو بالأحرى الأفاقين، الذين ينتظرون برعب وصول المفتش العام الذى من المفترض أنه سيكشف العديد من الألاعيب والمخالفات التى يمارسونها، ولكنهم يخطئون الاعتقاد عندما يستقبلون زائرًا عاديًا متصورين أنه المفتش العام. وتستمر المفارقات الخطيرة إلى أن يصل المفتش العام الحقيقى فى اللحظة غير المناسبة، وإذا كانت لحظة "المفتش العام" غير المناسبة صنعت مفارقة كوميدية، فاللحظات غير المناسبة تاريخيا تصنع من مصائر الشعوب مآسى وتراجيديات، وهذا بالذات ما يجعل "المفتش العام" عملاً خالدا بكل المعايير.