أحمد محمود

قرأت خبرا على موقع هيئة الإذاعة البريطانية عن قيامها "بطرد" المذيع ومقدم البرامج دانى بيكر، بعد أن نشر "نكتة" على موقع "تويتر" وصفتها البى بى سى بأنها "غبية ساذجة" عن المولود الملكى البريطانى الجديد الذى رزق به دوق ساسيكس الأمير هارى وزوجته النجمة الأمريكية ميجان ماركل.

وكانت التغريدة، التى انتشرت فى وسائل التواصل الاجتماعى، والتى أزيلت لاحقا، قد أظهرت صورة لزوجين يُمسك أحدهما بالآخر مع "قرد" مرتديا ملابس، وقد كُتب تحت الصورة عبارة "الطفل الملكى يغادر المستشفى".

وقد صرح المذيع بيكر عقب تعرضه لانتقادات لاذعة فى وسائل التواصل الاجتماعى، واتهامه بالتهكم من أصول دوقة ساسيكس قائلًا: "آسف لأن الصورة الساخرة التى نشرتها للطفل الوليد قد أثارت غضب بعضهم، ولم يخطر ببالى أن تلك الصورة ستسبب كل هذا الغضب، لأن مخى ليس مريضا"، وأضاف "ولحظة أن أشار لى بعضهم بمضامينها، حذفتها وهذا ما حدث".

والحقيقة أن المسألة تحتاج للتوقف والتأمل فى الطريقة التى يتعامل بها الإعلام بشكل عام، والإعلام الغربى بشكل خاص مع الأفراد المختلفين  سياسيا أو مذهبيا أوعرقيا معهم، ونظرتهم لبعض شعوب العالم الأخرى أحيانا، وكيف أنه رغم أن دوقة ساسيكس مواطنة أمريكية فى الأصل، إلا أن أصلها العرقى الذى ترجع جذوره لقارة إفريقيا السوداء، لم يشفع لها لدى بيكر "الإنجليزى" الأبيض، الذى لم ير عيبا فى تشبيه مولودها بالقرد، بل وافترض فى نفسه حسن النية، بما أن عقله ليس مريضا ليفكر مثل هذا التفكير المريض، وهو أمر يطرح تساؤلات عن مدى استمرار أو انتهاء نظرات العنصرية لدى المواطن الغربى حتى يومنا هذا، بل وإدراكه لذلك.

يطرح هذا الأمر تساؤلات أخرى حول ماذا لو كان هذا المولود لأشخاص عاديين؟ فهل كانت هيئة الإذاعة البريطانية لتقوم بنفس رد الفعل؟، وهل يمكن اعتبار سخرية شخص من آخر، أو أن يصفه بوصف قد يعتبر من أوصاف الإساءة أمرا يتعلق بحرية التعبير؟ وهل غابت المعايير الأخلاقية داخل وسائل الإعلام الغربية؟ تلك التى تنشر يوميا أخبار عن تجاوزات الإعلام فى الشرق الأوسط؟ بل وتتهم الكثير من دول الشرق بالسماح باستخدام عبارات أو تعليقات أو إيماءات مسيئة، سواء للعرق أو الدين أو حتى الأفكار؟ وماذا كان رد فعل المواطن الأوروبى العادى؟ إذ يبدو أنه لم تكن هناك ردود أفعال قوية خارج بريطانيا.

أعتقد أن العالم قد أصبح يرزح الآن تحت موجة واسعة من العنصرية وخطاب الكراهية، وهى موجة تتجاوز حتى معايير الدين، فعلى الرغم من أن مواقع الإنترنت تمتلئ بكتابات وتحليلات عن الإسلاموفوبيا وانتشارها فى معظم دول الغرب، لكن هذه الواقعة تشير إلى أن الأمر يتخطى ذلك بكثير، فالضحية  المُساء إليها هنا ليست مسلمة ولا هو طفل عادى، إذ أنه المولود الملكى البريطانى الجديد أرتشى هاريسون ماونت باتن وندسور، حفيد الملكة إليزابيث الثانية المسيحية، حاكمة الامبراطورية البريطانية الاستعمارية الكبرى التى لا تغيب عنها الشمس، وأمه هى ميجان ماركل وهى نجمة أمريكية عالمية مسيحية أيضًا تحولت من المذهب البروتستانتى إلى الكاثوليكية.

هذه الحادثة تظهر أيضا بوضوح رسوخ الأفكار العنصرية لدى قطاع كبير من الغربيين ومن المثقفين، فصاحب الواقعة ليس مجرد شخص سطحى جاهل، متأثر بخطابات عنصرية ركيكة عن خطر المهاجرين على الغرب، لكنه مذيع ومعد برامج عتيد ولامع، يعرف تماما ما يمكن أن يقال، وما لا يجب أن يقال، وهو ما يدفع لضرورة بحث تفشى خطاب الكراهية فى الإعلام، فى الغرب والشرق على حد سواء وقبل فوات الأوان.