«الفلاشا» حكوا مأساتهم فى مهرجان كان!
مازالت السينما بالنسبة لى تلعب دور المرجع الرئيسى للدخول إلى دهاليز العديد من خفايا القضايا السياسية المثارة بين الحين والآخر، كان آخرها قضية يهود "الفلاشا" فى إسرائيل.
من الأعمال الفنية التى اقتربت من تكوينهم النفسية والأيدولوجية بصورة غير مباشرة فيلم "إفرام والحمل"، Ephraim und das Lamm.
الفيلم يعد بمثابة أول فيلم إثيوبى عالمى يعرض فى مهرجان كان السينمائى الدولى، ودارت فكرته عن قصة طفل من يهود "الفلاشا" لا يملك سوى حملاً يقرر مصيره قلة المياه، تلك هى الرؤية الظاهرة للفيلم، ولكن باطنه يحمل الكثير.
وربما هذا يوصلك إلى حقيقة معروفة من أن "الفلاشا" فى الكيان الصهيونى لديهم معابد خاصة، ويعملون فقط الأعمال الحقيرة، ويتم توطينهم بالمناطق الحدودية مع العرب كخط دفاع أولى ليكونوا أول من يضحى به فى حالة قيام أى هجوم محتمل حدوثه بين الطرفين.
هذا النهج يبرز فى أن من أبرز صفات "الفلاشا" كيهود هو المحافظة على العزلة عن المجتمع، والسكن فى تجمعات على غرار ما كان اليهود عليه فى بلاد العرب المسلمين وأوروبا، فهم لا يندمجون بالمجتمع.
الطفل إفرام فى الفيلم عمره 9 أعوام، لا يملك سوى حمل، يجرى وراءه ليأكل، بينما الطفل يجتر بين الحين والآخر ذكرى أمه ابنة "الفلاشا" التى رحلت لسبب مجهول، بينما أبيه كاثوليكى يسير بحثًا عن الرزق، وبالطبع الطفل يهودى تبعًا للعقيدة اليهودية التى تجعل الابن ينتمى لديانة الأم.
الغريب أن الفيلم الذى أنتج ضمن مبادرات أفلام يوروماتيك الدولية، طبيعى أن تنتجه إثيوبيا فهى بلد المنشأ ليهود "الفلاشا"، وأن تشارك فى الإنتاج كل من ألمانيا، وفرنسا، والنرويج، لكن السؤال لماذا شاركت فى إنتاجه قطر بنصيب كبير إلى جانب دبلجته إلى العربية، وعرضه بها.
عامة، لا عجب من دور قطر، فالكثيرين يعلمون أن نقل "الفلاشا" إلى فلسطين، تم من خلال عملية "موسى"، وعملية "سبأ"، وعملية "سليمان"، وتلك العمليات كانت بمساعدة بعض الحكام العرب، ومرت فى سماء عربية إسلامية، ليهجروا إلى فلسطين.
أوقع ذلك الصهاينة فى أكثر من مشكلة، أهمها أن الكثيرين من الأثيوبيين قدموا طلبات هجرة وادعوا أنهم يهودًا ليذهبوا إلى إسرائيل لنيل الجائزة المالية التى تعطى لليهودى "العائد إلى أرض الميعاد".
الطريف أن وزير الخارجية الإثيوبى حينذاك قال لرئيس وزراء إسرائيل ساخرًا، ستحصلون على طلب هجرة من ثلاثين مليون هم عدد سكان إثيوبيا فى ذلك الوقت، ومع ذلك فإن المجتمع الصهيونى لم يتقبل إلى اليوم "الفلاشا".
الفيلم يستمر من خلال حكاية تمسك الابن بذكرى أمه اليهودية، والأب الذى يحاول إدخاله فى مسار حياته مع جدته العجوز، وزوجة ابيه وخته المراهقة، والأخرى الصغيرة العاجزة عن الحركة، والتى لا تكبر لشدة جوعها.
يركز الفيلم على محاولة الأب بيع الحمل، ومقاومة إفرام إلى أن يصل إلى راعية أغنام صغيرة مسلمة، اقترب منها إفرام وطلب إليها أن تضم حمله إلى قطيعها، لترعاه، فقبلت ذلك طواعية، ليبدوا الفيلم وكأنه يقول رسالة سلام بين الشعوب فأم إفرام يهودية من "الفلاشا"، وأبوه مسيحى كاثوليكى، والحمل يذهب إلى قطيع الراعية المسلمة الصغيرة فاطمة.
ولكن حلم إفرام بالعودة إلى أرض الميعاد يحين بعد أن جمع القليل من المال يمنحها لسائق الحافلة الذاهبة إلى إسرائيل، فيذهب إلى فاطمة ويطلب أخذ حمله، فتبدى قبولها ويحاول سحب الحمل بالحبل حول عنقه، فيرفض، فتنصحه فاطمة أن يدع الحمل فقد وجد فى قطيع الراعية وطنًا له، ولكن إفرام يبكى لأنه بسبب عودته إلى وطنه سيترك الحمل الذى فداه بكل شيء، ولكنه وجد قطيعًا يضمه، فرحل جاحدًا شفقة وعشق إفرام.
مع ذلك، يفشل إفرام فى الوصول إلى أرض الميعاد، فلم تعد هناك حافلة تذهب إليها وكأنه رسالة ضمنية أن إسرائيل لم تعد أرض الميعاد ليهود "الفلاشا"، وأن عليهم البقاء فى أماكنهم، فالمجتمع الإسرائيلى فى الواقع يرفضهم، وهى الحقيقة التى قالها الفيلم بأسلوب التورية" وفضحتها أحداث الأيام الماضية.