محمد بركة فى حواره لمبتدا

فى حديث شيق، حل الكاتب الكبير محمد بركة ضيفا على "مبتدا" ليفتح خزائن أسراره حول روايته «أشباح بروكسل» ومجموعته القصصية «الحزن طفل نائم»، هذا إلى جانب رأيه ونظرته إلى الأدب بشكل عام وأشياء أخرى كثيرة.

ـ "أشباح بروكسل" حققت نجاحا أكثر مما توقعت

ـ فن القصة دخل "غرفة الإنعاش" فى الثقافة العربية .. وأصبح ثقيلا على القارئ

ـ معظم دور النشر تحولت إلى "بقال فاشل" ولا يبذلون جهدا فى التسويق

ـ مصر أكثر الدول العربية إنفاقا على الثقافة .. والبيروقراطية عائق أمام التقدم


وتحدث بركة أيضا عن كواليس رحلته إلى بروكسل، وبداية فكرة الرواية، ومشاكل اللاجئين العرب فى أوربا، كما تحدث عن أقرب القصص إلى قلبه فى مجموعته «الحزن طفل نائم».. وإلى نص الحوار:

فى الرواية الجديدة هناك دمج بين لغة الأدب المقعرة واللغة الصحفية التى تكون سهلة لكثير من الناس .. فهل تعمدت ذلك أم أنه جاء بحكم عملك كصحفى؟

بشكل عام اللغة لا بد أن تكون بسيطة، لأننى أرى الشئ الصعب هو البسيط، والمعقد هو أمر سهل جدا، ولذلك أنا أحب الجملة الجذابة البسيطة، لأن اللغة فى النهاية أداة تواصل مع القارئ، وأنا أريد ألا أقطع خط التواصل بلغة صعبة مفتعلة.

محمد بركة فى حواره لمبتدا


أما مسألة الاستفادة من العمل الصحفى فى اللغة الأدبية، فهى سلاح ذو حدين، فمن الممكن أن تستفيد من لغة الصحافة مثل هيمنجوى عندما كان مراسلا لجريدة فى الحرب العالمية، وهو الأيقونة العظيمة فى تاريخ الأدب الأمريكى خلال القرن العشرين، وكان يغطى المعارك والحروب وكان يكتب برقيات للصحيفة، فاستفاد من كون اللغة الصحفية بسيطة ومباشرة وموجهة فى أقل عدد من الكلمات، واستفاد من ذلك فى القصة القصيرة والرواية، وأصبحت لغته بها سمات "لغة البرقية" من حيث البساطة والوضوح.

بعدها أصبح يتخلص من الحشو الزائد الذى لا يضيف معنى، ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من اللغة الصحفية، والتى أرى أنها قد تكون مضرة بالأدب من ناحية أخرى، لأنه أحيانا تجنح للمبالغة والتهويل من أجل جذب القارئ لها، وهنا يجب أن نعترف أن الأدب يجب أن يكون مشوقا وجذابا لكن ليس بالشكل الذى عليه فى الصحافة.

محمد بركة فى حواره لمبتدا


وفى لغة "أشباح بروكسل" بحثت عن لغة شيقة جذابة، لتحمل بصمتى الخاصة، وقديما قالو الرجل هو الأسلوب، والكاتب هو لغة.

كيف استطعت الدمج فى الرواية بين واقع عشته كصحفى فى بروكسل وبين خيال حلمت بتحقيقه؟

على المستوى الشخصى كنت مراسلا لجريدة الأهرام فى الاتحاد الأوروبى فى الفترة من 2015 إلى 2017، وكنت أمارس عملى الصحفى كمراسل هناك وفى حلف الناتو، وبدأت أخرج عن هذا الإطار، واشتعل الخيال الأدبى بفكرة وجود تنظيمات إرهابية ومتطرفة تتكلم باسم الإسلام وهى موجودة فى أوروبا، ورأيت سلوكيات سلبية للجاليات العربية فى القارة العجوز.

ونحن دائما نتحدث عن الغرب وأنه يضهد العرب والمسلمين وللأسف رأيت العكس، رأيت الغرب يتعرض لبعض الخداع والتلاعب من قبل الجاليات العربية والمسلمة، هناك تلاعب بالقانون وتحايل على السلطات هناك، ومن خلال تجربتى الشخصية رأيت أن الغرب أحيانا يكون مظلوما ويكون ضحية للعرب، وسبب رواج هذا المفهوم خطاب تبناه اليمين الدينى سواء كان معتدلا أو فى الأعم الأغلب تنظيمات متطرفة تصور أننا ضحايا وتظهر فكرة المنقذ والمخلص، والمظلومية عند المتطرفين تضمن لهم جاذبية فى الشارع وانتشار كبير.

محمد بركة فى حواره لمبتدا


أيضا من أسباب رواج فكرة أن الغرب يضهدنا، أنك تعيش هزيمة حضارية، وبالتالى تبحث عن سبب جاهز يعفيك من المسؤولية الشخصية، وهذا لا يمنع أن الاستعمار الحقيقى انتهى لأن هناك من يسعى للاستعمار من خلال تحويل الشرق لسوق استهلاكية، وهذا ليس اضطهادا ولكنه استغلال للضعف واستغلال للتفوق الحضارى بالنسبة لديهم، لكن أنا شخصيا أفضل أن أتعامل مع الآخر بشىء من الندية على أساس المصالح المتبادلة.

هل ترى أنك نجحت فى توضيح الاختلاف بين عواصم العالم التى ذكرتها فى الرواية سواء القاهرة أو روما أو بروكسل؟

حاولت قدر الإمكان التعبير فى الرواية عن إحساسى بـ3 عواصم مختلفة، وانحيازى القوى كان لروما لأن بها الكثير من روح الشرق العربى والروح المصرية كثيرا، ولذلك وصفتها بأنها منزلة بين المنزلتين، فهى تضم مزايا أوروبا الغربية ومتخلصة من عيوبها إلى حد كبير.

محمد بركة فى حواره لمبتدا

وعلى مستوى الطقس، القاهرة أصبحت ضمن الحزام الحرارى، وبروكسل فيها برودة شديدة، أما روما على مستوى الجغرافيا فهى درجة عبقرية، لذلك أحب جدا إيطاليا والشخصية الإيطالية، وسبق ومررت بقصة حب مع إيطالية كما أننى متيم بالروح الإيطالية، وكتبت ذلك فى رواية "الفضيحة الإيطالية" التى صدرت فى 2005.

هل أقررت بعد كتابة الرواية أن التقارب بين الشرق والغرب من حيث العادات والتقاليد مستحيل؟

التقارب ليس مستحيلا، بل أصبح ممكنا وسهلا مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعى، وهناك نوع من الجاذبية بين الطرفين لكن الاندماج أن يصبحوا شيئا واحدا هذا هو المستحيل، والتطرف الإسلامى وصعود فكره وذهنيته جعلت العلاقة مع الغرب فيه صعوبة شديدة وهناك حالة من التوجس والقلق والخوف.

وأوروبا عندها خوف كامن من أنهم سيتحولون على المدى البعيد إلى قارة مسلمة بسبب انفجار "القنبلة الديموغرافية" وتزايد عدد المواليد المسلمين على الأراضى الأوروبية، فبلجيكا مرشحة لأن تكون أول دولة مسلمة فى أوروبا الغربية بعد خمسين عاما، لأن الأوروبيين لا ينجبون الآن، فمثلا ألمانيا هناك تزيد أعداد المواليد الألمان من أصول مسلمة وعربية، ولكن الدولة لا تتكلم فى هذا صراحة بل تناقش ذلك فى الغرف المغلقة، فيما أُعلن ذلك بصراحة فى أوروبا الشرقية، وهناك قيادات سياسية جاهرت بذلك من أجل كسب أصوات الناخبين.

محمد بركة فى حواره لمبتدا


الأمر ذاته رأيناه فى مصر، فهناك بعض الفصائل استخدمت الدين فى الوصول إلى الحكم، وسمعنا شعار "يا نحكمك يا نقتلكم"، وهذه لحظة قاسية مرت بها مصر، ولكن هذا التنظيم لم يجد أرضا خصبة لذلك، لأن المخزون الحضارى للشخصية المصرية تم استدعاؤه، فهناك ما يمكن أن نسميه الاحتياطى الاستراتيجى من المخزون الحضارى لدى المصريين، وهى هوية تكونت على مدار السنين تم استدعائها فى لحظة خطر كبيرة، وهو ما ظهر بوضوح فى 30 يونيو، لأننا كنا على وشك الوصول إلى مرحلة "مصر ستان" على غرار أفغانستان.

وأقول أن المصريين رأوا رعبا وسنوات سيئة فى الفترة من 2011 لـ30 يونيو 2013 يوازى ماحدث أيام هولاكو والتتار والمغول.

تحدثت عن اللاجئين عقب الثورات وما كانوا ينعمون به من مميزات .. هل ترى أن أزمة اللاجئين تحتاج إلى أعمال إضافية من الأدب لإلقاء الضوء عليهم أكثر؟

بالطبع، لأن هناك مفارقات ودراما إنسانية بها تحولات غريبة جدا، مجرد الرحلة التى يمر بها اللاجئ أستغرب لماذا لم تجسد فى فيلم سينمائى؟ ولكنى أعتقد مؤخرا هناك أعمالا اتجهت لذلك، وخاصة من السوريين والعراقيين لأنهم أكثر الناس معاناة من تلك الأزمة.

ويجب أن نقول أنه لا يوجد شخص برئ فى المطلق ولا شيطان فى المطلق، كثير جدا من اللاجئين أناس يريدون تحقيق نقلة كبيرة فى حياتهم، وهناك ناس "ركبت موجة اللجوء" من خلال مجاراة الأزمة الإنسانية التى حدثت فى بعض الدول فاستغلها من أجل الهبوط على كوكب أوروبا، وهذا ما انتبهت له أوروبا مؤخرا من خلال تقنين اللجوء الإنسانى بديلا عن الهجرة الاقتصادية، وهذا هو المسكوت عنه فى أزمة اللاجئين.

فى معظم فصول الرواية نجد الكاتب غارقا فى مسألة المقارنة ين بلده وبروكسل.. هل ترى أن هذا خدم الرواية؟

الإغراق كان مهما لطبيعة التركيبة الدرامية فى العمل، التى تعتمد على راوٍ ذهب مجبرا إلى أوروبا، وهو بطل يعانى نوعا من الاغتراب فى وطنه هذا إلى جانب الاغتراب الذى يشعر به فى أوروبا، وهو ذاهب هناك بما يشبه حالة من أنواع العقاب السياسى له، فهو ليس سعيدا على الإطلاق فعندما يرى شيئا يستدعى نظيره فى بلده الأصلى، وبالتالى المقارنة جاءت بشكل تلقائى على حسب السياق الدرامى.

محمد بركة فى حواره لمبتدا


رغم نهاية الرواية الدرامية بطرد المراسل بعد ازدياد العمليات الإرهابية .. هل ترى أن الرواية حققت ما كنت تصبو إليه؟.. وكيف نتقبل الآخر فكريا وثقافيا؟

الرواية حققت نجاحا أكثر مما كنت أتوقع، وحظيت بكم من الدراسات النقدية غير عادى، وهذا أكثر عمل على الصعيدين الإعلامى والنقدى حقق حضورا وانتشارا على المستوى الشخصى، وليس بالضرورة أن أعتبره  أفضل عمل لى، ولكنى أتحدث بشكل موضوعى.

وهذا العمل أثار اهتمام كثيرين وحقق ردود أفعال كثيرة، وهذا تفسيره من وجهة نظرى أن "تيمة" الشرق والغرب تعتبر جذابة لعدد كبير من القراء، ومن الممكن القول إن أحد الأسباب وراء هذا النجاح الكبير أنى كتبت تجربة حياتية وهذا خلق نوعا من الصدق، وهناك جزء آخر غير مفهوم لدى القارئ، ومن الممكن أيضا أن يكون نشر العمل فى الهيئة العامة للكتاب له دور، حيث أصبح متاحا للجميع بسعر قليل إلى حد كبير مقارنة بدور النشر الخاصة.

كيف جاءت فكرة الرواية .. وما الذى شجعك على كتابتها؟

الرواية عزاء لى عن فترة كئيبة عشتها فى بلجيكا، لأننى كنت أجلس ساعات طويلة جدا فى شقة صغيرة هناك، وخصوصا أنى كنت أقطن فى منطقة غالية لأن بها المؤسسات الأوروبية، وكنت جالسا معظم الوقت وحيدا، فأتت الرواية نوعا من السلوى الإيجابية.

هل ترى أن هناك جلدا للذات العربية قدمته فى روايتك؟

لا على الإطلاق، وهناك فرق بين جلد الذات وبين تسمية الأشياء بمسمياتها ورؤية الأشياء كما هى وليس كما تحب أو تريد، أن أرى أن الشرق فيه نقاط قوة ونقاط ضعف، والغرب جنة أحيانا وفق بعض المعايير وفى نفس الوقت هذه الجنة لا تخلو من أشياء مخزية، وشخصيا عندما ذهبت للغرب لم يكن عندى الانبهار مطلقا، وذلك بسبب سفرياتى إلى أوروبا المتعددة وأصدقائى هناك وأيضا دراستى للأدب الإنجليزى وغير ذلك من الأمور.

هل ترى أن هناك انفراجة فى مسألة الجمود الفكرى بالعالم العربى كما ألمحت فى روايتك؟

أنا متفاءل لعرب الداخل أكثر من عرب الخارج بالنسبة للجمود الفكرى والتشدد، وللأسف معظم العرب عندما يذهبون إلى أوروبا يكونون فى حاجة إلى نوع من التوازن، موجود فى هوية ووسط آخر مختلف تماما عن ثقافته، وقتها يحدث له نوع من الردة والانتكاسة فتتحول إلى تشدد، فمثلا حرصه على الشعائر الدينية أكثر مما كان فى بلده الأصلى، هذا ليس تدينا وإنما نوع من أنواع التشبث بالهوية.

محمد بركة فى حواره لمبتدا


من أجل ذلك تجد التنظيم الدولى للإخوان المسلمين، ينشط وسط الجاليات العربية فى الغرب، لأنه هناك لديك هموم الانتماء وهموم الجماعة التى تحتضنك، لكن ليست هموما مادية ولا اقتصادية، وبالتالى تنشط جماعات متطرفة تمنحك الحلم الزائف والبطولة الزائفة والإحساس الوهمى بالاحتواء الاجتماعى، مستغلة حالة الوفرة المادية التى تعيشها، لذلك هناك سهولة فى نشر الفكر المتطرف.

كيف استطعت أن تقدم مكاوى كنموذج للثقافة العربية المنفتحة على الغرب .. وبين تيار آخر يمثله المتطرفون الذين تحدثت عنهم؟

مكاوى شخصية المغترب المهنى المحبط الذى يؤدى عمله بكفاءة، لكنه فى الحقيقة لا يؤدى عملا فعليا، لأنه مطلوب منه أن يكون واجهة بلا فائدة حقيقية، مع رصد المسكوت عنه فى حياة الجاليات العربية بالغرب مثل تلاعب البعض هناك ببرامج الحماية الاجتماعية وغير ذلك من التحايل على السلطات والقانون.

والأسوأ من ذلك فكرة المتطرفين وهى ظاهرة يجب أن يلاحظها الجميع وهو أن يكون الشخص لا يمت إلى التدين بصلة ويدخل لمدة 3 ساعات على الإنترنت ويخرج بعدها وقد انتمى إلى التنظيم الإرهابى وتشبع بفكر متطرف، ومعظم الأشخاص الذين تم إلقاء القبض عليهم فى أوروبا لهم سوابق قضائية وجنائية فى تجارة الكحوليات والمخدرات والدعارة.

محمد بركة فى حواره لمبتدا

 

بالانتقال إلى الحزن طفل نائم .. ذكرت 78 قصة فى مجموعتك فما أقربها إلى قلبك؟

القصة التى تتحدث عن طارق ووفاته، لأنه أخى فى الحقيقة وتوفاه الله عندما كنت فى الخامسة من العمر وهو فى الثالثة.

هل رأيت حيرة لدى القارئ فى فهم بعض النصوص أم أنك استخدمت أسلوبا بسيطا من وجهة نظرك؟


أعتقد أن البساطة والحميمية والتكثيف الشديد لمست قلوب قراء كثر على حسب ما وصل إلي.


كيف استطعت نسج الحزن فى واقع ملئء بالتناقضات .. ولماذ جعلت للحزن وجوها كثيرة؟

أعتقد أن الحزن والشجن هو العطر الذى يفوح من هذه القصص، فالقصص على عكس الرواية تخلو من الخطة وتخلو من المشروع، إنها لحظات مشحونة بتوتر عاطفى وشجن ليس بالضرورة أن يربطها رابط.


القصة فن الإمتاع.. هل ترى أننا فى الفترة الأخيرة نفتقد لهذا النوع من الأدب؟

فن القصة حاليا دخل "غرفة الإنعاش" فى الثقافة العربية، وهذا ليس بسبب عيب فى النصوص ولكن بسبب انقلاب فى المزاج العام لدى القارئ جعل القصة مثل الأيتام على موائد اللئام، وأصبح ضيفا غريبا وثقيلا على القارئ.

من يكتب القصة القصيرة الآن كالماسك على الجمر، وهناك أسماء تحاول فى هذا الاتجاه مثل الكاتب حسن عبد الموجود وشريف صالح وغيرهم، وهذه نماذج تعاند الزمن والمزاج العام ويقاومون فى مناخ عام يعادى القصة القصيرة.

وفى نظرى ربما تكون القصة القصيرة أكثر عمقا من الرواية التى يمكن أن يكون بها لغو فارغ وحشو واستطراد، وهذا ما يتجه إليه البعض، حيث أصبح العمل يكتسب مصداقيته من ضخامة حجمه وهذا شىء مضحك وهذا نتيجة انقلاب المزاج العام، لذلك أشفق على كٌتاب القصة القصيرة لأنهم أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن يكتب ويصدق الصوت الداخلى لديه ويخلص لكتابة القصة القصيرة، أو ينتقل لكتابة الرواية وسيصبح فى هذه الحالة شيئا مفتعلا.

محمد بركة فى حواره لمبتدا


ولو أجرينا مقارنة بين الشعر والرواية، أعرف أن 90% من شعراء قصيدة النثر يكتبون هراء فارغا ولا علاقة له بالشعر والجميع يخشى أن يقول ذلك، لأنهم سيتهمونه بأنه ضد الحداثة وغير ذلك، وهو أمر لا يحرك روحك ولا يلمس شىء بداخلك، مجرد حشو كلمات، وشخصيا رفضت أن أخضع لابتزاز أنه إذا صرحت بذلك سيقال لى أنت تقف ضد مسيرة التجديد.

وهذا ليس معناه أن العيب ليس فى قصيدة النثر، والتى تبدو فنا سهلا فالكل يخوض فيها بجهل، لكن عندنا نموذج إيمان مرسال فى قصائدها الأولى، حيث كانت تكتب قطعا شجية من القلب، قادرة على تحريك المشاعر، وعندما أرى هجرة الشعراء للرواية لأن قصيدة النثر صعبة جدا والإبداع فيها صعب، أعرف سبب عزوف الناس عن الشعر بسبب ما يكتب.

هل أصبحت دور النشر تبحث عن الترافيك ما أدى إلى اندثار الأدب الجيد؟

معظم دور النشر تحولت إلى "بقال فاشل"، ومعظمهم تحولوا إلى أشخاص يجيدون فن الابتزاز للأشخاص المبتدئين فى دفع أموال بحجة تحمل النفقات، ثم بعد ذلك لا يبذلون جهدا فى التسويق وتحول الموضوع مع رغبة الكثيرين فى ممارسة الكتابة إلى ابتزاز علنى.

لكن فى رأيى لو كان شخصا غير موهوب ويريد أن يصبح كاتبا فهذا شىء إيجابى وفيه رد اعتبار لمهنة الكتابة لأنه يريد أن يلبس رداء الكاتب لمجرد البريستيج وأنا أعتبر ذلك نصرا للكتابة.

محمد بركة فى حواره لمبتدا

وأقول أن هناك طفرة كبيرة فى القراءة بمصر، وطفرة غير عادية رغم كل ما يروج عكس ذلك، وتم الترويج لهذا الانطباع والتسويق له لأهداف مشبوهة، وهذا ما رأيناه فى معرض الكتاب هذا العام من ازدياد فى الأعداد بشكل غير مسبوق، ولكن الناشرين تركوا كل ذلك وتفرغوا للادعاء كذبا بأنه لا يوجد قارئ لكى يشرعنوا رغبتهم فى الابتزاز والسطو.

ومصر تعد من أكثر الدول التى تغدق وتنفق على الثقافة، بل فى بعض الأحيان أكثر من دول فى أوروبا، ولكن الأمر يقابل بالبيروقراطية المميتة من قبل بعض الموظفين، وهذا ما يجعلنا نتساءل لماذا لا تشترك وزارة الثقافة فى جوائز عالمية بأعمال لها، وهذا بوضوح بسبب أن «الموظفين عاوزين يريحوا دماغهم»، لأنه لو اشترك فسيحتاج إلى تشكيل لجان وعمل مستمر وغير ذلك من المجهودات.