كورونا فى بريطانيا

انتشرت عدوى فيروس كورونا فى القارة العجوز أوروبا أكثر من غيرها، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية. التفسيرات الطبيعية والعلمية أغرقت نشرات الأخبار والبرامج الفضائية فى العالم كله، إلا أن تفسيرات ميتافيزيقية بدأت فى الظهور.

ربما يكون أولها فى الظهور هو أن ما يحدث من انتشار الفيروس ليس إلا انتقام من الطبيعة والكائنات الحية الأخرى من الإنسان الذى طغى فى التعامل معها، فأفسد الأخضر، وقتل الكائنات فى البحار والمحيطات، حتى الهواء لم يسلم منه.

هذا التفسير يغذيه كون تلك الفيروسات قد انتقلت للإنسان عبر الوسيط الحيوانى، فكورونا انتقل عبر الخفافيش، ومن قبله الطيور التى انتقلت عبر الدواجن، والخنازير التى انتقلت عبرها، وقديمًا الطاعون الذى كان ينتقل عبر الفئران، وأن انتشار هذه الفيروسات بين بنى البشر لم يعد كونه إلا جهل من الإنسان بطبيعة تركيبتها الجينية، لأنها فى الأساس فيروسات حيوانية لم تكن تصيب فى السابق، الإنسان.

أما ثانى التفسيرات فهى الخاصة بالانتقام العلوى من المناطق التى ضربها الفيروس بلا هوادة، ومن بينها أمريكا وأوروبا، ويغذى هذا التفسير ما فعله الإنسان الأبيض فى سكان أمريكا اللاتينية وإفريقيا فى السابق.كورونا فى بلجيكا

وعلى الرغم من بُعد هذا التفسير عن العلم، إلا أن كتاب المؤرخ الأورجوايانى الراحل إدواردو جاليانو "الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية" يعرض كيف كان الرجل الأوروبى قاسيًا على سكان أمريكا اللاتينية من الهنود الحمر، حيث نصب لهم المشانق، وقتلهم بلا رحمة، مستخدماً حد السيف أحياناً، وقنابل المدافع أحياناً أخرى.

المدهش أن جاليانو يؤكد أن الطبيعة البكر لأمريكا اللاتينية جعلتهم فى مأمن عن الفيروسات والبكتيريا التى جلبها لهم الرجل الأبيض، فمن لم يمت بالرصاص والسيف والمشنقة، مات بكائنات مجهرية حملها الرجل الأبيض إليهم.. يقول جاليانو" مما جلبه الأوروبيون معهم كانت الأوبئة، الجدرى والتيتانوس، وعدة أمراض رئوية ومعوية وتناسلية، وجذام، وحمى صفراء وتسوس الأسنان".

ويقدر الأنثروبولجى البرازيلى دارسى ريبيرو أن أكثر من نصف السكان الأصليين لأمريكا اللاتينية وجزر المحيط ماتوا نتيجة العدوى بعد الاتصال الأول بالرجل الأبيض.. الغريب أن من كان ينجو من الهنود، من القتل أو من الأوبئة، كان يُحضر إلى أوروبا ويباع فى أسواق الرقيق.

لم يكن الرجل الأوروبى قاسياً على السكان فقط، بل كان قاسيًا على الطبيعة أيضًا، جرف الأرض الزراعية وقطع الأشجار وباعها فى السوق الأوروبى، نهب كل ثروات الأرض من الذهب والفضة والبن، يقول جاليانو: لقد أبيد الهنود تماماً فى مصافى الذهب، من التعب الفظيع فى تقليب الرمال المحتوية على الذهب بينما أجسادهم مغمورة فى الماء حتى خصرهم، أو يحرثون الحقول وقد تجاوزهم الإجهاد، وظهورهم محنية على أدوات الفلاحة الثقيلة التى أخضرها الغزاة من إسبانيا".متوفى بفيروس كورونا

فى القرون الـ14 والـ15 تحول مصدر الثروة الطبيعية من القارة المكتشفة حديثًا - وقتها - إلى بلاد العالم القديم، وتحديدًا أوروبا، ومن بعدها أمريكا.. يقول جاليانو: بين عامى 1503 و1660 وصل إلى ميناء أشبيلية 185 ألف كيلوجرام من الذهب، و16 مليون كيلوجرام من الفضة.. إن الفضة التى نقلت إلى أسبانيا فيما لا يتجاوز قرن ونصف القرن تجاوزت ثلاث مرات إجمالى الاحتياطات الأوروبية، وإن هذه الأرقام المذكورة لم تكن تتضمن ما تم تهريبه بصورة سرية".

إيطاليا والتى تدخل من بين أكثر البلاد تضررًا بكورونا حاليًا كانت هى بلد كريستوفر كولومبوس، الذى كانت رحلاته بداية لاكتشاف العالم الجديد، والغريب، كما يذكر جاليانو، أن كولومبوس مات وكان يعتقد أن البلاد التى اكتشفها ما هى إلا آسيا من بوابتها الخلفية.

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا

أما إسبانيا، فكانت للظرف الجغرافى هى الأقرب لدول أمريكا اللاتينية، وكانت الأكثر زيارة للبلاد المكتشفة، بل كانت الضيف الثقيل على سكان المنطقة. والغريب أن الإسبان الذين شعروا بأن الدنيا قد دانت إليهم بعد سقوط حضارة الأندلس، واكتشاف هذا العالم الغنى، دخلوا فى أزمات تلو الأزمات. المدهش أن الإسبان كانوا يملكون مصادر الفضة فى أمريكا اللاتينية، لكنها بعد سنوات صارت مثل الفم الذى يتلقى الغذاء، فيلوكه، ويطحنه، ويرسله إلى الأجهزة الأخرى، ولا يحتفظ منه لنفسه سوى بطعم عابر أو بفتات صغيرة تعلق بالصدفة بأسنانه.

كان لدى الإسبان البقرة، لكن الآخرين هم من كانوا يشربون من لبنها، وفى القرن الـ19 كان الأمريكيين يسابقون الزمن لنهب ما تبقى من ثروات.. كانوا يسابقون الزمن للوصول قبل غيرهم لمنابع الثروة الحديثة، وذلك مثل سباق شركاتهم المحمومة للوصول إلى دواء لـ"كورونا" التى أصابت منهم مئات الألوف.الوقاية من كورونا

جاليانو فى كتابه التأريخى يجنح لتفسيرات ميتافيزيقة كالتى يطرحها البعض الآن، تجده أحيانا يتساءل عن "الحظ" فى التاريخ، فيؤكد أن هناك بلاد خُلقت ومحكوم عليها بالذل والفقر، فيسأل نفسه: هل هى رغبة الخالق أم ذنب الطبيعة؟ هل هو المناخ أم الأجناس الوضيعة؟.

الغلاف الخلفى للكتاب يحمل طرفة دالة، فجاليانو قد كتبه فى العام 1970، وحتى سنة 2009 لم يكن من ضمن الأكثر مبيعًا، ولم يكن له حتى الرواج اللائق، وكان يحتل فى موقع "أمازون" للكتب الترتيب 60280.

لكن، وأثناء زيارة الرئيس الفنزويلى هوجو شافيز، لأمريكا، تحدث عن الكتاب، بل وألتقطت عدسات المصورين، غلافه، فى صورة تجمع شافيز وأوباما الرئيس الأمريكى السابق، ليقفز الكتاب وقتها إلى الرقم 2 فى قائمة الأعلى مبيعًا فى أمريكا، والرقم 11 فى أوروبا.. أليست هذه صدفة سعيدة للرجل؟

على أى حال، التفسيرات الميتافيزيقية لن تفيد هذه الأيام، فالعلم لابد هو من يتحدث، ولكن التاريخ وشرايينه لابد أن يدرسا جيداً، حتى فى هذا الظرف.