دراسات المستقبل ... لا تزال مهملة
شغل الماضى بأحداثه، والحاضر بتحولاته وتقلباته اهتمامات الباحثين والمتخصصين من الدول العربية، شرحا وتحليلا وتفسيرا، فى حين لم يحظ المستقبل بتحدياته ورهاناته على الاهتمام ذاته، وذلك على العكس فى دول العالم المتقدم أو التى تسير فى طريق التقدم، إذ شغلت دراسات المستقبل مساحة كبيرة من الاهتمام، فتحررت الكتب وامتلأت الدوريات الأكاديمية بالدراسات المستقبلية فى كافة المجالات.
إذ دائما ما نقرأ عناوين لكتابات من قبيل "ماذا بعد؟ .. ما الذى يمكن للعلم أن يخبرنا بشأن مستقبلنا المدهش؟! .. والذى حرره بروفيسور الفيزياء النظرية العراقى جيم الخليلى، حيث ضم الكتاب مساهمات متميزة لعلماء ومهندسين وخبراء طرحوا رؤاهم العالمية كل فى حقل معارفه المتخصص.
كذلك كتاب البروفسور مارتن ريس والذى نشره أواخر عام 2018 بعنوان "عن المستقبل: آفاق ممكنة للإنسانية"، حيث يقدّمُ الكتاب بعضاً من الآمال، والمخاوف، والتخمينات بشأن ما ستواجهه الإنسانية فى العقود القادمة.
مناسبة هذا الكلام هو ما تواجهه الانسانية جمعاء اليوم من تهديدات عديدة سياسية وأمنية وبيئية وصحية، وأن هذه التهديدات التى تصبح تحديات لا يمكن التعامل معها أو الحد من تأثيراتها إلا بتوافر شرطين أساسيين: الأول، التضامن العالمى، ويعنى أنه نظرا لعالمية التحدى الذى يوجده التهديد المستجد على غرار فيروس كورونا ومن قبله تحدى الإرهاب الذى ضرب جميع دول العالم، فإنه لا يمكن لأية دولة منفردة أن تواجهه بل تتطلب مواجهته تكاتف دولى وتعاضد إنسانى.
أما الشرط الثانى، فيتعلق بالبحث عن الآليات الأنجح فى التعامل مع التحديات التى تفرزها التهديدات العالمية، وفى سبيل الوصول إلى هذه الآليات تحتاج الإنسانية إلى مزيد من الاهتمام بالمستقبل ودراساته حتى تتمكن إما من مواجهتها أو الحد من تأثيراتها.
وفى هذا الخصوص تبرز أهمية مراكز البحوث والدراسات التى تولى اهتماما كبيرا بالمستقبل وتحدياته، صحيح أن الانشغال بالماضى وفهم أحداثه وقراءة الحاضر وتفهم مشكلاته شرطان أساسيان للتعامل مع المستقبل وقراءة رهاناته، إلا أنه من الصحيح كذلك أن القراءة غير الواعية للماضى وكذلك للحاضر ستؤدى حتما إلى كوارث فى المستقبل، وهو ما يستوجب أن تكون هذه القراءات على أسس علمية ووفقا للمنهجية المنضبطة التى تضع المعلومات فى نصابها والبيانات فى قوالبها الناظمة، حتى تتمكن الدولة من تجاوز صعوبات الحاضر وتحديات المستقبل.
نهاية القول إنه بدون دراسة واعية للمستقبل وقراءة لمساراته لا يمكن لأية دولة أن تتمكن من عبور صعوباته أو التعامل مع تحدياته، ولعل الأزمة البيئية والصحية الراهنة مثال واضح على ما ارتكبته الإنسانية بحق دراسات المستقبل التى لم تحظ باهتمام إلا من عدد محدود من الدول بما جعل تحذيراتها لا تلق أذانا صاغية ليقع العالم بأسره فى مواجهة فيروس شرس قاتل ولكنه لا يُرى بالعين، ولكن تهديداته مستمرة وتمدداته دائمة إلا أن مواجهته لا تزال تراوح مكانها، بما يجعل المستقبل مفتوح على كل الرهانات الممكنة.