الدكتور محمد فياض

ارتبط المنتج الفقهى فى الإسلام بشكل أساسى بحركة التاريخ وظروفه، فكانت العديد من المدونات الفقهية انعكاسًا مباشرًا للظرف التاريخى التى أُنتجت فيه هذه الطروحات التى كانت بنت عصرها، بعضها استطاع تجاوز الظرف التاريخى وبعضها كان عبئا على الواقع المعاصر.

وينطبق هذا الحديث على المنتج الفقهى المعاصر للغزو الصليبى والمغولى، وفى الحقيقة فإن الوقوف على المناخ السياسى والفكرى الذى عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية، هو أمر بالغ الأهمية فى تفكيك العديد من الأفكار والطروحات التى أنتجها ابن تيمية، إننا لو نظرنا إلى طفولة ابن تيمية لوجدناها مسؤولة لدرجة كبيرة عما آلت إليه كتاباته، فالطفل الذى كان يبلغ من العمر سبع سنوات قد استفاق ذات صباح على المغول وهم يغيرون على "حران" مما حدا بأسرته أن تفر من حران الى دمشق ليلا بنسائهم وعيالهم تاركين ورائهم أطلالا من الاستقرار والوطن والذكريات.

لقد كان ابن تيمية منخرطا فى ظروف عصره وكانت كتاباته منغمسة فى مأساته، هذه المأساة التى كانت بمثابة المحبرة التى غرس فيها قلمه ليخط فتاويه المتشددة بل والقاتلة فى كثير من الأحيان، ثم زادت مآسى الرجل حيث سُجن سبع مرات وخرجت الكثير من مؤلفاته من بين جدران محبسه، وخرج الرجل من محبسه على قبره.

ولكن مهلًا لندع ما يثار عن ابن تيمية الآن ونحاول البحث فى صورة ابن تيمية فى عيون معاصريه دون أى تدخل منا فى تأويل هذه النصوص، نقرأ كيف كتب معاصريه عن طباعه الشخصية وأفكاره فعلى سبيل المثال يقول ابن حجر الهيتمى: "واياك أن تصغى إلى ما فى كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك، بل هم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأبلغ المقت والخسران وأزهى الكذب والبهتان، فخذل الله متبعهم وطهر الأرض من أمثالهم"، حتى أنه فى موضع آخر يتحدث عن بعض آراء ابن تيمية قائلًا: "تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع القبيح والكفر البراح الصريح".

أما الحافظ ابن حجر العسقلانى فيقول بشأن ابن تيمية إن علماء السنة والجماعة بقيادة العلامة تقى الدين السبكى الشافعى والعلامة الزهراوى المالكى إلى جانب شيخ الحنفية والحنابلة عند محاكمة ابن تيمية حيث حكموا جميعا بكفره وإلحاده وحرموا الانتساب لهذا المذهب.

كما قال الحافظ تقى الدين السبكى عن ابن تيمية وهو كان مكثرًا من الحفظ ولم يتهذب بشيخ ولم يرتض فى العلوم بل يأخذها بذهنه مع جسارته واتساع خيال وشغب كثير، ثم بلغنى من حاله ما يقتضى الإعراض عن النظر فى كلامه جملة، وكان الناس فى حياته ابتلوا بالكلام معه للرد عليه، كما قال أيضا أما بعد، فإنه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث فى أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة، مظهرا أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنة، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع، وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وينتهى إلى قوله: "وكل ذلك وإن كان كفرا شنيعا مما تقل جملته بالنسبة لما أحدث فى الفروع".

وفى ذات السياق، تحدث صلاح الدين الصفدى رغم كونه أحد تلامذته قائلا: "انفرد ابن تيمية بمسائل غريبة، ورجح فيها أقوالا ضعيفة، عند الجمهور معيبة كاد منها يقع فى هوة، ويسلم منها لما عنده من النية المرجرجة، والله يعلم قصده وما يترجح من الأدلة عنده"، كما أن الحافظ الذهبى قد وجه حديثه لابن تيمية قائلًا: "يا خيبة من اتبعك فإنه مُعَرَّضٌ للزندقة والانحلال، ولا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطوليًّا شهوانيًّا لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه وفى الباطن عدو لك بحاله وقلبه".

أما الشيخ صفىّ الدين الهِندى الأرموى وهو متكلّم أشعرى كان قد ناظر ابن تيمية، و لمّا و وَجَدَه يخرج من شىء إلى شىء قال له: "ما أراك يا ابن تيميّة إلاّ كالعُصفور حيث أردتُ أن أقبضه من مكان فَرّ إلى مكان آخر، ويبدو أن آراء ابن تيمية قد وصلت لدرجة لا يمكن تقبلها مما دعا السلطان المملوكى محمد بن قلاوون أن يصدر منشور منشورًا ليقرأ على المنابر فى مصر وفى الشام للتحذير منه ومن أتباعه، وقد نودى بدمشق: "من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله".

هكذا كانت صورة ابن تيمية فى عيون التراث وبذلك فإن ابن تيمية لم يكن فى زمنه ولا فيما أعقبه من أزمان مقدسا ولا معصوما، ومات ابن تيمية عام 728هـ/ 1328م ولكنه لازال يحكم ملايين العقول من قبره، تغاضت هذه العقول عما قيل من ظروف تاريخية أنتجت هذه الآراء المشوهة فكان ولا يزال مرجعية قاتلة بامتياز حتى أن أحد أكثر الكتابات تطرفاً وهو كتاب "الجهاد الفريضة الغائبة "لمحمد عبد السلام فرج يعتمد فيه اعتمادا كليا على كتابات وفتاوى ابن تيمية، وغيره من الإطروحات والأفكار المتطرفة التى تجد فى استحضار روح وفكر ابن تيمية معيناً متجدداً للتطرف والإرهاب.

ومن المثير أن ثمة علاقة عاطفية وفكرية شديدة التقارب بين "الرائد" ابن تيمية المتوفى فى القرن الثامن الهجرى والمجدد فى نسخته المعاصرة "سيد قطب" والذى استلهم بامتياز شخصيته، فهو الذى اعتمد فى كتاباته على آراء ابن تيمية فى الحاكمية والتكفير وجاهلية المجتمع، ودار الحرب ودار السلام، فضلا عن عدائهما لبعض العلوم الاجتماعية مثل الفلسفة، وحياتهم الشخصية فكان كلاهما عازبا عن الزواج، ثم التشابه الشديد فى حياة السجون والموت داخل جدران السجن لابن تيمية وعلى مشنقة الإعدام لسيد قطب، وكما اعتنقت داعش أفكار ابن تيمية ذابت حتى النخاع فى أفكار سيد قطب، وصار عالمنا الإسلامى المعاصر يدفع ثمن أفكار الرائد والمجدد!