محمود رضا

فى مارس الماضى، أتم محمود رضا عامه الـ90، وصباح اليوم، رحل عن دنيانا، تاركًا زمنًا كبيرًا من الفن العظيم، رحل محمود رضا وترك وراءه إرثًا كبيرًا من الجمال والنبوغ والابتكار، ترك أجيالاً تتحدث عن لوحات ورقصات شعبية مصنوعة برقى وتهذيب، لتمثل نموذجًا حقيقيًا لرسالة الفن السامية.

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا

محمود رضا، هو صاحب فكرة إنشاء فرقة رضا، هو وشقيقه الأكبر "على" الذى تزوج من راقصة الفرقة الرئيسية فريدة فهمى، ووالدها الدكتور حسن فهمى، الأستاذ المرموق فى كلية الهندسة بجامعة القاهرة.محمود رضا

ولد محمود رضا، فى حى السيدة زينب، مفتونًا بالحارة الشعبية وبالجمال الشعبى، فى صباه كان مولعًا برقصات أخيه "على" المودرن فى الصالونات، وكذلك كان شغوفًا بالأفلام الاستعراضية الأمريكية، وخصوصًا أعمال فريد إستر وجين كيلى، ليبدأ مشروعه الفنى فى الأربعينيات فى الشوارع، ويحكى أنه بعد انتهائه من مشاهدة الفيلم فى السينما لأكثر من مرة، كان يذهب إلى شارع هادئ ليقوم بالرقص فيه وحيدًا، ليؤدى نفس حركات نجومه فى الفيلم.

ذهب محمود رضا، ليمارس الجمباز، حتى يكون جسده أكثر ليونة، واشترك فى الفريق المصرى بدورة الألعاب الأولمبية فى هلسنكى سنة 1952، وذهب أيضًا ليتعلم الباليه الكلاسيكى، وكان حريصًا للغاية على حضور عروض فرق الرقص العالمية مثل "البولشوى" و"موسييف" الروسيتين، عند عرضهما فى القاهرة.

محمود رضا

فى سنة 1954 التحق بفريق أرجنتينى للرقص يسمى "آلاريا"، لأنهم كانوا فى حاجة إلى راقص بعد عرض لهم فى القاهرة، وبالفعل التحق بهم رضا، وسافر معهم فى جولاتهم الأوروبية، ليستمر معهم لمدة شهور، بعدها سأل نفسه، أين الرقص الشعبى المصرى من كل ما تعلمه.

شغف بالرقص المودرن، ثم جمباز، وباليه كلاسيكى، ورقص أوروبى، كل هذا لم يغيب عن عقله حبه لهذا الشعب ولفنه الراسخ منذ ملايين السنين.

الحكاية بدأت من نادى هليوليدو، فكون محمود رضا فرقة من 5 فتيات و5 شبان، وفجأة شاهده الأديب الراحل الكبير يحيى حقى، ليوقع معه عقد بطولة أوبريت "يا ليل يا عين" مع المخرج زكى طليمات، وأمام نجمة نجوم الاستعراض وقتها، نعيمة عاكف.محمود رضا

نجح الأوبريت فى لفت الأنظار إلى رضا، فعرض على وزارة الإرشاد القومى فى سنة 1957 فكرة أن تكون فرقته مدعومة من الوزارة، لتكون فرقة قومية تابعة للدولة، إلا أن البيروقراطية منعت حلمه، لكنه أصر عليه، فكون فرقته خارج رحم الحكومة، وبدعم من والد فريدة فهمى، الدكتور حسن فهمى.

فى 6 أغسطس 1959 كانت بداية الفرقة، وكان العرض الأول لها على مسرح الأزبكية، وبالفعل تحقق لمحمود ولفرقته ما أرادوا، فى أن يكونوا جماهيرية كبيرة خلال عروضهم، لتكبر الفرقة شيئًا فشيئًا، وتصبح فرقة رضا للفنون الشعبية إحدى مدارس الفن الجميلة فى مصر.

استمر تألق فرقة رضا، وضمت عددًا لا بأس به من الأسماء الذين صاروا نجومًا فيما بعد، ومنهم على سبيل المثال الممثل أسامة عباس، وفى فترات متأخرة كانت مشيرة إسماعيل وعايدة رياض وهناء الشوربجى أهم أبطالها، إلا أن فريدة فهمى، كانت البطلة التاريخية للفرقة.محمود رضا

ظل محمود على حاله يرقص، بل أضاف إلى نفسه مهن أخرى كتمثيل وكتابة أفلام سينمائية ناجحة للغاية مثل "حرامى الورقة"، و"إجازة نصف السنة"، و"غرام فى الكرنك"، وظل على رضا الشقيق الأكبر يقدم محاولاته المهمة فى تصميم الرقصات والإخراج، والرقص أيضًا، لكنه لم يكن بعبقرية الراحل محمود رضا.

كان الرئيس جمال عبدالناصر، يحب فرقة رضا بشكل كبير، بل اعتمدها فى كل حفلات المناسبات الوطنية والاجتماعية، كما أنه كان يفتخر بها دومًا فى زيارات ساسة الدول الكبرى، وكان يفتخر بأن مصر لديها فرقة شعبية ذائعة الصيت عالميًا اسمها فرقة رضا.محمود رضا

 

الضربة الكبرى لفرقة رضا، كانت بوفاة الموسيقار على إسماعيل "بيتهوفن مصر"، ومؤلف موسيقى كل رقصات الفرقة، حدث ذلك فى سنة 1974، وقاومت الفرقة كل رياح التغيير التى هبت على المجتمع والفن المصرى فى نهاية السبعينيات، لكنها لم تستطع الصمود أمام ضربات القدر وضربات موجهة من البعض، لتعتزل فريدة فهمى الرقص، ويموت على رضا فى التسعينات، لتنتظر الفرقة الأهم فى مصر كلمة النهاية برحيل محمود رضا اليوم، أما فريدة فهمى، فندعو الله أن يطيل لنا فى عمرها.