هل ينقلب «خلوصى» فى دولة «العك» التركى !
لا يوجد أبلغ من العامية المصرية لوصف طبيعة عمل النظام السياسى التركى، هذا بعد أن عجزت مصطلحات العلوم السياسية عن توصيف الحالة التركية التى تتسم "بالعك" السياسى الذى أسس له أردوغان، وتمثلت أحدث سماته فى أن ترى وزير الدفاع التركى خلوصى آكار، يقوم بدور وزير الخارجية، بعد أن ضعف تأثير مولود جاويش، فأصبحنا نرى خلوصى يقوم بمهام دبلوماسية، وأيضًا يدلى بتصريحات من المفترض أن تخرج من وزارة الخارجية، بل تأخذه الشجاعة ويشطح بخياله ليقوم بتهديد دول عربية بشكل فج وغير مقبول يعبر عن حماقة نظامه ورئيسه.
ربما بات هذا طبيعيًا فى دولة حكم الفرد، فلا مكان لدولة المؤسسات، ومن ثم تجد خلوصى آكار وزير الدفاع التركى، يطمع فى المزيد من الصلاحيات، وتفُتح شاهيته السياسية ليشكل خطرًا على أردوغان نفسه، فهل ينقلب عليه طمعاً فى السلطة؟!
تاريخ الدولة العثمانية الدموى مليئ بتلك القصص التى سطرت بأحرف الخيانة والندالة والتى ينقلب فيها رجال القصر على بعضهم بعضًا طمعًا فى السلطة، ومن ثم وارد أن يطمع خلوصى فى الحكم بعد أن منحه أردوغان المزيد من الصلاحيات الدخيلة على منصب وزير الدفاع، وهذا بالطبع لمكافأته على خدماته التى مكنته من السيطرة على الحكم، بعد أن أخرج آكار حينما كان رئيسًا للأركان مسرحية الانقلاب الفاشل، بما يخدع الداخل التركى، وينال بعدها أولى النفحات الأردوغانية ليصبح وزيرًا للدفاع، ليقوم على الفور بالتخلص من كافة الصفوف القديمة بالجيش التركى، وخاصة التى تنتمي للفكر الأتاتوركى، ليفتح أبواب الجيش أمام أعضاء حزب الحرية والعدالة وأعوانهم.
خلوصى حصل أيضًا على مميزات إضافية نتيجة المزيد من الخدمات التى يقدمها لأردوغان عقب التعديلات الدستورية الأخيرة، ليبدو وكأنه يتقاسم السلطة معه، بعد أن جعلته تلك التعديلات يحكم قبضته الكاملة على كافة مفاصل الجيش، فهو من يضع الميزانية، ويعقد صفقات التسليح منفردا وغيرها من الأمور التى جعلت منه جيش خلوصى الخاص، بل ومكنته أيضاً من إنشاء ميليشيات إرهابية تنفذ أطماع تركيا الخارجية ليصبح وزيرًا للمرتزقة والجماعات الإرهابية والتى تعمل لصالح خدمة المشروع الأردوغانى.
بالطبع أردوغان لم يترك شريكه فى الحكم دون مقصلة تستخدم عند الحاجة، بل جعل قرار تعينه أو إقالته بيده، بعد أن تحولت الدولة من النظام البرلمانى إلى الرئاسى المشوه، يرسخ لحكم الديكتاتور ليؤسس نظام "العك" السياسى، والذى يتخطى الأنظمة السياسية المتعارف عليها، بعد أن جعل أردوغان من الدستور التركى ـ عقب تعديلهـ عقدًا عرفيًا تزوجت به أحلامه العثمانية مع مساعى الشيطان فى خراب الأرض، لينجبوا شياطين على شاكلة خلوصى آكار، ومولود جاويش، أو إبراهيم كالين، وغيرهم من أبناء هذا النظام غير الشرعى الذى يخلف فسادًا وخرابًا فى الأرض، ليبقى السؤال من منهم سيتخلص من الثانى أولًا؟.. هل ينقلب خلوصى على أردوغان ويحصل على الحكم.. أم يقيل أردوغان خلوصى الذى أصبح نفوذه يشكل خطرًا على مستقبله وأفراد عائلته التى تطمع هى الأخرى فى السلطة.. وهل يدخل وزير الداخلية التركى سليمان صوليو حلقة الصراع بعد أن اشتد الخلاف بينه وبين صهر أردوغان بيرات البيرق، الذى يتولى وزارة الخزانة، وهو ما جعل أردوغان يرفض استقالة وزير داخليته خشية أن يخرج عن طوعه ويفشى أسرار القصر، فمن ينقلب على من أولًا؟
ربما هذا لن يحدث اليوم أو غدًا ولكنه سيحدث يومًا ما، فلن يترك خلوصى آكار الحكم يذهب لأحد غيره، فأطماعه فى السلطة أصبحت واضحة عبر تصريحاته السياسية التى من المفترض ألا تخرج من رجل عسكرى، فهو بات يتحدث عن الأطماع التوسعية فى العلن، ويحلم بدولة الخلافة على الملأ، بل يشن معارك سياسية بتصريحات ضد الدول التى تشكل عقبة أمام طموحاته الأمبريالية.
نحن بصدد ميلاد شيطان جديد فى تركيا، بات نموه يكتمل ويسعى ليكون نموذاجًا لقادة الجيش العثمانى الذين أرقوا الدماء، وسعوا فى الأرض فسادًا، هؤلاء القادة الذين سيطروا على قصر الباب العالى، وشنقوا على أعتابه الرقاب طمعًا فى المال والسلطة، ليحصد أردوغان نتاج إحيائه للإرث العثمانى العفن الذى تفوح منه رائحة الدماء.