أيتها الجماهير العريضة
كان مشهدًا بديعًا بحق للفنان المبدع عادل إمام فى فيلم مرجان أحمد مرجان، عندما كان يخاطب الجماهير العريضة قائلاً: "إننى أرى جحافل جاءت من أجل مصر" فى سرادق لم يتجاوز الأفراد الحاضرين فيه أصابع اليد الواحدة.
تكرر هذا المشهد ليلة 20 سبتمبر، عندما تحركت جحافل الثائرين فى مختلف ربوع مصر، فى ثورة هزت أرجاء المحروسة قادها المُلهم الكومبارس محمد على، متضامنًا مع الثوار الأحرار "اللى حيكملوا المشوار"، مرتديًا شبشب حمام ذو ماركة عالمية، معتصمًا طيلة اليوم المجيد فى شوارع برشلونة، متلبسًا روح جان جاك روسو، منتظرًا بيان الثوار رقم واحد ليدخل مصر دخول الفاتحين، قائدًا وملهمًا وكومبارسًا عظيمًا.
واحتشدت الهشتاجات، لتعلن الحدث الأضخم، فقد تزلزت أركان "تويتر" بهشتاجات الثوار حتى استطاعوا أن يركبوا التريند، ركبوه ساعات طويلة من ثلاثة أو أربعة سايبرات نت، بلجان إليكترونية صارت مشاريع بديلة عن التكاتك، والسنترالات، وبطاريات الأرانب.
أما عن قادة بلاد الأناضول، فقد ألهموا الثوار من وراء البسفور، معتصمين ببلاد العم رجب طيب أردوغان وشهرته أردو، خليفة المسلمين، ومهديهم المنتظر الذى سيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا وظلمًا، مغنين له نشيد الخلافة الجديد رجب حوش صاحبك عنى.
كان الدكتور حمزة زوبع يحزق حزقات متواصلة بصوته المتأثر بغاز الهليوم، حزقات تنم عن عقيدة وقوة لا تقل تأثيرها عن آلام الطلق، كان المُلهم معتز مطر يصدح فى أرجاء الاستوديو، قائلاً: "الله غالب"، حانقًا على وطن لم يسمح له أن يعبر عن هويته الجنسية بحرية، كان حضرة مولانا الشيخ وجدى غنيم حاضرًا منتظرًا بفارغ الصبر لأن تنتصر الثورة ليعود إلى مصر باحثًا عن أجداده الذين أرشده عنهم العالم داروين، والتهبت عقدة النقص القديمة عند محمد ناصر الذى تمنى أن يعود إلى مصر لينال قرار تثبيت فى أحد قصور الثقافة، وليقول لنا دائمًا: "والنبى أنا مثقف، والنبى أنا عميق، والنبى أنا عبقرى حتى بصوا، حتى شوفوا".
وحتى يثبت التاريخ أنه لا يعيد نفسه كان المشهد المُعبر لجماعة الإخوان رحمها الله، وفشفش ما تحت رأسها من حجر نجس، ظهر إبراهيم منير نائب مرشد الإخوان فى صورة غاية فى البلاغة، صورة تعبر بشكل قاطع على ما وصلت إليه جماعة أبناء الشيطان، فبعد أن كان الكلام بضاعتهم الثمينة صار كبيرهم الآن مسخًا، لا يستطيع أن يصيغ جملة واحدة صحيحة، خنزير متهالك لم يصبح قادرًا مرة أخرى على تناول القمامة، مسخًا صار معبرًا عن مسوخ فى مرحلة زمنية كتبت شهادة وفاتهم، ولم يتبق سوى أذنابهم أعضاء الطابور الخامس فى المدارس والجامعات والوحدات المحلية وغير ذلك، معتصمين بكهف التقية، رافعين شعار المظلومية، منتظرين لحظات الثأر، محرضين، ينشرون السخط والكراهية وروح اليأس.
تعلقت أحلام وآمال هؤلاء الملهمين مبشرين بثورة تزلزل أرجاء الوطن، اشتاقوا لرائحة الخراب والتدمير، اشتاقوا لمشاهد اللجان الشعبية وآثار الحرق والسلب والنهب، تاقت قلوبهم ونفوسهم لمشهد جمعة الغضب، حتى لو كانت يوم حد أو تلات أو حتى خميس، طيب شوية غضب، طيب حتى حبة زمزأة، طيب أى حاجة، ولم يخذل القدر قادة الثورة وملهميها فحضرت كل العناصر من القائد الملهم محمد على ورفاقه من شركة الثوار المحدودة، وديلر المخدرات السابق عبدالله ترتر صاحب أيدولوجيا يالا بينا، حضر الجميع وغاب الشعب.
غاب الشعب الذى عاش هذا اليوم كأعظم مسرحياته الكوميدية وهو يسخر من هذا الهطل السياسى ، وبين هطل ثوار الأناضول وجان جاك روسو أبو شبشب كانت الأفاعى الصفراء تنظر من كهف تقيتها البغيضة، كان أبناء وبنات ونساء الغل الإخوانى يتجهزون بخماراتهم الصفراء والفوشيا تدغدغ مشاعرهم نوستالجيا الخراب، تمنوا أن يعيشوا أيام كوالح بطعم الدم والدمار، حالمين مرة أخرى بالركوب، ولكن يومهم المجيد قد مر دون أن يملأ الثوار الميدان فخلعوا خماراتهم الملونة واكتفوا بقلوبهم السوداء وبأحزانهم التى فاقت أحزان بنات طارق يوم غزوة بدر، خلع محمد على باشا الكومبارس شبشبه، وانتهى زوبع من مخاضه وحزقاته، وتورم وجه محمد ناصر من لطمياته، مودعين يومهم المقدس.
وأخيرًا.. انتهت وقائع ثورة العشر أنفار الحاشدة التى لم يحتشد فيها أحد، ثورة ثائر ما شفش حاجة، وكل ثورة وأنتم طيبين، ومحدش يجيلكوا فى ثورة، وابقى تعالوا، وبلاش تقطعوا الثورات، على أمل فى ثورة جديدة تكون فى الطراوة عشان الثوار مبيبحوش الفرهدة، آملين أن يتحدد موعد قريب مع ثورة جديدة تجعل واقعهم السياسى بيدلدق حنان علهم يجدوا فيها الطبطبة، ليعودوا مرة أخرى إلى قصر الاتحادية كإخوان على مبادئ حسن البنا، متغنين بأنشودتهم الجديدة إخواتى.. إخواتى.. إخواتى.. إخواتى.