مريم عيد

على الرغم من أن ترامب فى بداية عهده قد أثار سخط الجماهير بتصريحاته ضد المهاجرين والتى بدت تصريحات غير مسئولة، فترامب قد يجانبه الصواب فى بعض تعليقاته فهو لا يجيد العزف المنفرد أحياناً لكنه يجيد الحوار بروح الفريق، ففى مناظرته الأولى مع بايدن أجاد ضبط النفس إلى أقصى درجة ممكنة مع ميله إلى النقد اللاذع بطبيعته.

فعلى الرغم من أنه قد يبدو عدائياً أحياناً فى بعض ما يدلى به من تصريحات، إلا أنك تشعر بأنه يحمل قدراً من حسن النوايا تجاه المنطقة العربية ففى مناظراته لفترته الرئاسية الأولى كان يهاجم سياسات هيلارى وأوباما التى أدت إلى تدمير المنطقة وفوضى الشرق الأوسط، وسيكون ذلك دافعاً لك بالتأكيد إذا كنت تحمل الجنسية الأمريكية إلى إعادة انتخابه مرة أخرى فبالفعل شهدت المنطقة العربية خلال عهده استقراراً نسبياً، علاوة على أنه مؤيد كبير للسياسة المصرية الحالية.

لكن المأخذ الخطير هو قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الذى هاجمه الإتحاد الأوروبى والكثير من دول العالم، لكننا لا ينبغى أن ننسى أن هذا المنحى معروف عن السياسة الأمريكية منذ زمن لكافة المرشحين، ولا يمكن أن نتوقع بالطبع تغييراً مفاجئاً يرضينا أبداً وبوضعنا الحالى فى سياسة أمريكية خارجية ذات قيم وجذور أنجلو سكسونية تهتم أولاً بصالح شعوبها، لكن علينا أن نتعامل بمبدأ النقاط الرابحة ولا نخسر ما هو فى صالحنا بالفعل، ومن ناحية أخرى نسعى أن نصنع حراكاً ولو مختلَف عليه لحل الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية، لكن دونما تنازلات عن الحق الفلسطينى الأكيد.

تمتد شعبية المناظرات الرئاسية الأمريكية منذ أول مناظرة متلفزة عام ١٩٦٠بين كينيدى ونيكسون والتى كان من اللافت للنظر وقتها أنها أتت لصالح كينيدى لكل من شاهدها من خلال التليفزيون، بينما كانت لصالح نيكسون لكل من سمعها عبر الأثير.. تقرر عقد المناظرات بين المرشحين لإنتخابات الرئاسة الأمريكية والتى ستجرى يوم ٣ نوفمبر٢٠٢٠ فى أيام ٢٩ سبتمبر و ١٥ أكتوبر و ٢٢ أكتوبر، مع إحتمالية إلغاء المناظرة الرئاسية الثانية، بالإضافة إلى مناظرة بين النائبين كمالا هاريس و مايك بنس فى ٧ أكتوبر ،وقد بدت أكثر إعتدالاً من المناظرة الرئاسية الأولى بين ترامب وبايدن والتى أضاعت هيبة ووقار الرئاسة الأمريكية.

بدت المناظرة الأولى بين الرئيسين فى أجواء هجومية وبدلاً من أن يأخذنا كل رئيس إلى دهاليز السياسة الأمريكية وصناعة القرار لمستقبل بلاده تحولت المناظرة بقيادة الصحفى الأمريكى كريس والاس إلى مصارعة أمريكية رئاسية.. تطرقت المناظرة إلى موضوعات تعيين القاضية إيمى باريت بالمحكمة العليا خلفاً للقاضية روز بادر جونسبرج، وأزمة تفشى وباء كورونا، والأوضاع والخطط الاقتصادية، والأزمات العرقية، واستخدام العنف، واستخدام التصويت عبر البريد، ومدى إمكانية تزوير الانتخابات.

على الرغم من الإجراءات الاحترازية وإلغاء مصافحة المرشحين لبعضهما وعدد الحضور القليل والحرص على التباعد بينهم إلا أن الحوار كان منفلتاً، فلأول مرة فى التاريخ نسمع رئيس دولة عظمى يقال له: "اسكت" على الهواء.. ترامب كان "يحاور" بايدن لكن بايدن كان "يلغى" ترامب وسيلاحظ المشاهد والمستمع كثرة استخدام بايدن لصيغة النفى فى العبارات الكثيرة والمتنوعة السلبية التى وصف بها ترامب والتى تكاد ترقى إلى حد الإهانة ولكنها لم تكن إهانة متبادلة فلم يوجه له ترامب إهانات مباشرة مضادة على كلماته القاسية : "ليس لديه خطة"، "لم يكن مسئولاً"، "لايعرف عن ماذا يتكلم"، "كلهم لايصدقونه"، "لايفى بكلمته".

وهناك أيضاً بعض الملحوظات :
- بينما يرى بايدن التوسع فى برنامج "أوباما كير" للرعاية الصحية يرى ترامب الذى ألغاه عدم الحاجة إليه نظراً لتخفيض سعر الأدوية وقد يصل هذا التخفيض إلى ٨٠٪، كما أن برنامج أوباما كير مُكلف ولا يغطى الجميع، ولكنك حتى لو اتفقت مع برنامج أوباما كير، ستجد أن طريقة دفاع بايدن عنه خاطئة فقد عاد لاستخدام العبارات المهينة: "كل ما يقوله أكاذيب"، "الشخص الخطأ فى المكان الخطأ".

- حينما تطرق النقاش إلى سوء إدارة أزمة انتشار كوفيد ١٩، ذكره ترامب بكثرة المصابين خلال فترة انتشار H1N1 أثناء رئاسة أوباما لأمريكا على الرغم من أن نطاق انتشاره لم يكن ممتداً مثل كوفيد ١٩ كان دفاع بايدن بأن عدد الضحايا كان ٤٠ ألفاً فقط مقابل ٢٠٠ ألف الآن، وكأنه يضع الموتى الأمريكيين فى كفتى الميزان ليرى أين ستميل الكفة! وهى مقارنة غير لائقة وغير إنسانية وتستهين بالأرواح، كما أن بايدن تسائل عن لماذا لم يسأل ترامب رئيس الصين عما فعله لمواجهة كورونا، وفى هذا إهانة للرئاسة الأمريكية التى يمثلها هو أيضا كأحد المرشحين، فالجميع يعرفون ماذا فعلت الصين ولا يحتاج رئيس دولة أن يوصى بسؤالها فى وقت مناظرة، وقد كانت مصر من أولى الدول التى قدمت المساعدة للصين وقت اشتداد الأزمة.

- تعليق آخر بطريقة مهينة: "كل ما يقوله لكم بشأن كوفيد أكاذيب"، وأيضاً: "علينا أن نثق بالعلم" وكأن ترامب يمثل "الجهل"، أو كأن بايدن يتحدث نيابة عن العلم الذى لم يتوصل إلى الآن إلى علاجاً ناجعاً للفيروس، كما أن هؤلاء العلماء الذين يتحدث عنهم بايدن يرفعون تقاريرهم أولاً بأول إلى ترامب.

- بايدن غير موضوعى فى اتهاماته لترامب إزاء أزمة كورونا وكأنه يجعل من ترامب السبب المباشر لها، فى حين أنها أزمة واجهت العالم بأسره ووقفت البشرية خلالها عاجزة أمام هذا القاتل الفتاك لاتملك حلاً ناجزاً ودواءاً شافياً سوى "مناعة القطيع" مهما أنكرت ذلك وتفاءلت بفاعلية العلاجات الموعودة، كما أن بايدن غير موضوعى أيضاً فى تحميل ترامب تداعيات أزمة كورونا وبأنه "جلب الركود" فى حين أن الأزمة أثرت على اقتصاد كل دول العالم وكان عليه أن يكون شريكه الوطنى فى نفس القارب فى بحر تلك المحنة الهوجاء، كما أعطى بايدن إحصائية عن كورونا فى سياق الحديث عن العرق وبعد أن كان قد انتهى الحديث عن أزمة كورونا مفادها أن واحد من بين كل ألف إفريقى قد قتل بسبب فيروس كورونا، وهو بذلك يستحق تعليق ترامب بأنه "يحاول تسييس أزمة كورونا" وهو قول صحيح إلى حد كبير فالإحصائية التى أوردها سياسية أكثر منها طبية.

- كان بايدن يصب الزيت على النار، وحتى أقواله الإيجابية كانت كما نقول بالعربية "كلمة حق يراد بها باطل" أقوال ربما تبدو صحيحة ولكنها لا تنطبق على الموقف، فقد تكلم عن أهمية "الوعى بمشاعر الآخرين"، وذكر أن ترامب قد وصف السود بالمختلسين الجدد وأنه استخدم العنف لإنهاء مظاهرات سلمية، فكان تعليق ترامب بأن المظاهرات كيف كانت سلمية فى حين أنها دمرت المدينة! وفى معرض حديث بايدن عن الاقتصاد، وذكر ترامب لإلتزامه بدفع ضرائب ملايين الدولارات أطلق بايدن أحد عباراته المهينة : "أنت أسوأ رئيس فى تاريخ الولايات المتحدة" وهذا غير صحيح لغوياً وبلاغياً، مقابل أن ذكره ترامب فقط :"لماذا لم تقم بذلك وأنت نائب؟"، وعقب النقاش حول الاقتصاد قلت حدة بايدن قليلاً فلربما أدرك مدى عنفه الذى يكاد أن يكون "تنمراً لفظياً" وحاول أن يسلك سلوكاً مشابهاً لترامب.

- أما من جهة لغة الجسد فقد كان ترامب ينظر إلى بايدن عندما يوجه له الكلام، أو يطلب منه أن ينتظر قليلاً، أما بايدن فكان يتجنب النظر إلى ترامب إذا وجه تعليقاً له وهذا ينم عن تجاهل وأيضاً عن ضعف مواجهة على الرغم من ثباته الظاهري. فبايدن لم يقدم لنا صورة جديدة لبرنامجه الإنتخابى وكأنه قد جاء المناظرة ليهاجم ترامب وينكر الحاضر "لا يملك سلطة"، والمستقبل "لن يبقى فى السلطة" مع احتفاظ بايدن بابتسامته الساخرة بدون داعٍ.

لقد قدم بايدن بالفعل صورة سيئة إستعراضية للديمقراطية الأمريكية بل وللساسة الديمقراطيين العظماء على مدار التاريخ الأمريكى مثل روزفلت و كينيدى و جيمى كارتر وبيل كلينتون، فالميول الإستعراضية ليست عيباً إذا كانت فى موضعها، ريجان الديمقراطى الوقور والذى ربما يملك قدراً كبيراً من الميول الاستعراضية والمسرحية بحكم عمله السابق كممثل استطاع أن يحول أحد التعليقات اللاذعة فى المناظرة الرئاسية إلى كوميديا مشتركه تجمعه بنظيره دونما إساءة لأحد بل أثارت ضحكات الجميع حتى منافسه.

بعيداً عن المناظرة يبقى التحديان الحقيقيان أمام ترامب هما الاختيار بين تقدم أمريكا الصناعى وصداقة البيئة فيما يخص استخدام الوقود الأحفورى وملوثات البيئة وفى رأيى الشخصى أن يختار بديلاً ثالثاً وهو عمل موازنة بينهما لتكون أمريكا أكثر إنتاجاً وأقل تلوثاً، والتحدى الآخر هو أنه فى ظل مستوى الدخل المرتفع للمواطن الأمريكى تظل مضاعفة زيادة الأرباح لصالح عدد أقل من الأمريكيين.