الصراع فى إثيوبيا .. جذور معقدة ومستقبل شائك
ماذا يحدث فى إثيوبيا؟ الأنباء دائماً ما تشير إلى الصدام العسكرى بين القوات النظامية للجيش الإثيوبى الموالية لرئيس الوزراء آبى أحمد، وبين مسلحين فى إقليم تيجراى الشمالى، ولكن جذور هذا الصراع تبدو دائماً فى خلفية الأحداث، رغم أهميتها الشديدة.
ولفهم ما يجرى على الساحة الإثيوبية بدقة، لابد من معرفة جذور الصراع.
أورومو "أبى أحمد".. والتيجراى
المسألة الإثيوبية الحالية سياسية عرقية دينية، إذ تتكون إثيوبيا من تسعة أقاليم عرقية ذات حكم ذاتى، تختلف فيما بينها من حيث اللغة (يُقال إن فى هذا البلد نحو 100 لغة)، هذه العرقيات هى "الأورومو، والأمهرة، والتيجراى، والقومية الصومالية، وجوراغ، وولياتا، وعفار، وهادييا، وجامو".
ويعنينا فى هذا الأمر عرقى الأورومو والتيجراى، فالعرق الأول يشكل أغلبية سكان إثيوبيا "35% تقريباً بـ35 مليون نسمة"، ويتركز فى وسط إثيوبيا، وهم يتحدثون اللغة الأورومية، ويعمل أغلبهم بالزراعة والرعى، وينتمى إليها رئيس الوزراء الحالى آبى أحمد، الذى جاء بعد احتجاجات كبيرة من الأوروميين ضد حكومة هايلى مريام ديسالين "المنتمى لعرق آخر وهو وليتا".

هذه الاحتجاجات التى اندلعت فى 2015 كان سببها إرث قديم من شكاوى الأوروميين من تهميش الحكومات المتتابعة، وما زاد الطين بلة أزمة تملك الأراضى، حيث حاولت الحكومة نزع ملكيات بعض الأراضى من أصحابها، ولكن الاحتجاجات كانت مثل كرة النار التى تدحرجت فشملت الكثير من المطالب، وتحديداً مطالب سياسية وإنسانية واجتماعية وديمقراطية.
أما التيجراى فهم ثالث الأعراق من حيث العدد ويشكلون نحو 6.1% من سكان إثيوبيا، ويأتون بعد الأمهرة (27% من عدد السكان)، وكانت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى هى أقوى أطراف الائتلاف الحاكم فى إثيوبيا لسنوات عديدة، بل كانت مهيمنة تقريباً على مقاليد السياسة الوطنية بالبلاد لما يقرب من ثلاثة عقود وتحديداً منذ عام 1991، منذ تولى ميليس زيناوى السلطة، حيث استحوذت على المناصب الحكومية والعسكرية المهمة، وحتى اندلاع الاحتجاجات، لكن رئيس الحكومة الفيدرالية آبى أحمد، كبح نفوذها بعد توليه السلطة عام 2018.

آبى أحمد لم يكتف بهذا التحجيم، بل حل الائتلاف الحاكم، الذى كان يتألف من عدة أحزاب إقليمية عرقية، وأعلن دمج الأحزاب فى حزب واحد أطلق عليه اسم "حزب الرخاء"، وهو الحزب الذى رفضت جبهة تحرير تيجراى الانضمام له، كما أقال قادة الجيش المنتمين للتيجراى وكذلك أصحاب الوظائف الكبرى وغيرهم.
الأزمة الحقيقية أن جبهة تحرير تيجراى كانت تدعو دائماً إلى انفصال الإقليم وعاصمته "مكلى"، وكانت قد تحالفت مع "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا"، ما يعنى أن التيجريين لا يصارعون حاليا قوات الحكومة الأثيوبية فقط، بل أيضاً الحكومة الأريترية، وسط أنباء عن اقتحام جيش أريتريا لحدود الإقليم للبحث عن الإريتريين الفارين من الحرب فى السابق.
هناك أيضاً سبب مهم فى هذا الصراع وهو الطابع الدينى، حيث أن التيجراى يدينون بالمسيحية، بينما يدين أغلبية الأورومو بالإسلام، وهى أزمة كبيرة كانت قد نشأت قديماً، ولازالت آثارها بكل تأكيد موجودة على الساحة.
مستقبل الصراع
الوضع الحالى قد ينبئ بمزيد من الأزمات والصراعات، رغم تشابكها وتعقيدها الكبير، ورغم كذلك سيطرة آبى أحمد على مجمل الأوضاع فى إثيوبيا، إذ يحتمى بأكثرية عددية، وكذلك بولاء كبير من قادة الجيش الجدد، إضافة إلى وضعه العام كشخص حاصل على نوبل للسلام، ولديه "مصداقية نوعية" كما يقول الغرب "باستثناء إدارة ترامب".

الأنباء تشير إلى انتهاء عمليات الجيش الحكومى، لكن إخضاع نحو 6 ملايين نسمة، وحزب قوى ذى باع طويل فى المشهد السياسى الإثيوبى أمر ليس باليسير مطلقاً، إذ من المتوقع أن تستمر الأزمة لا سيما إذا تدخلت أطراف أخرى من البلاد المجاورة، أو المؤسسات الأممية، ما قد يقوى الطرفين معاً، نظراً للمصالح المشتركة، وقد أعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء وجود نحو 100 ألف إريترى لاجئ فى الأقليم، تستهدفهم إريتريا وإثيوبيا على السواء.
الصراع قد يطول، والشاهد على النزاعات المسلحة فى إفريقيا قديمها وحديثها، يتأكد من أن هذه النزاعات لا تنتهى بين يوم وليلة، أو بين عملية عسكرية وأخرى، خصوصاً وأن دبرصيون جبرميكائيل، زعيم التيجراى، تعهد بمواصلة القتل حتى استقلال الإقليم، إلا أن آبى أحمد يقول إنه بسط نفوذه على عاصمة الإقليم تماماً وإن الشرطة تبحث عن قادة الجبهة لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة.