بعد اعتماده رسميا .. سيناريو إدارة المؤسسات الأمريكية فى عهد بايدن
مع وصول الرئيس الأمريكى المنتخب إلى موقعه الجديد سيدا للبيت الأبيض، تبدو إدارة المشهد الأمريكى على أعتاب تغيير جذرى، سواء فى إدارة الملفات الداخلية، أو الخارجية، ولاسيما فى ظل الانتقال من الإدارة الجمهورية ذات التوجهات اليمينية والقومية، إلى إدارة ديمقراطية ذات توجه يسارى.
وإلى جانب التغيرات على مستوى كلى، فهناك حالة من التوتر داخل إدارة الحزب الديمقراطى الذى يخطو للعودة إلى حكم الولايات المتحدة من جديد، فأثارت التقارير الإعلامية مسألة تصدى قادة مجلس النواب الأمريكى من الديمقراطيين لزملائهم، فى محاولة لمنعهم من تولى وظائف فى إدارة جو بايدن.
مخاوف الديمقراطيين فى الكونجرس الأمريكى
وتفسر التقارير محاولات قادة الديمقراطيين بوجود مخاوف من سيطرة الجمهوريين على المقاعد الشاغرة داخل مجلس النوب، بحسب صحيفة "نيويورك بوست" الأمريكية.
ويتهم بعض الديمقراطيين المطَّلعين، رئيسة مجلس النواب نانسى بيلوسى، وزعيم الأغلبية الديمقراطية ستينى هوير، بأنهما يريدان الحفاظ على أغلبيتهم الهشة فى مجلس النواب على حساب إدارة بايدن القادمة.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، يقول أحد مسؤولى الحزب الديمقراطى، إن "نانسى بيلوسى تقول لأعضاء مجلس النواب، الآن ليس بالوقت المناسب للرحيل".
بينما يرى عضو آخر بمجلس النواب، أن زعيم الأغلبية فى مجلس النواب ستينى هوير، يحث ممثلى الكونجرس الديمقراطيين على البقاء فى مواقعهم بالمجلس، كما أنه طالب فريق بايدن بالتخلى عن استمالة أعضائه، بسبب الأغلبية الضئيلة للحزب بعد انتخابات 3 نوفمبر 2020.
سفينة بايدن
وتصف "نيويورك بوست" مسائل حساسة تتعلق بالقفز من سفينة بايدن، وسط خسارة مقاعد مجلس النواب، والتى جرى مناقشتها فى اجتماع غير رسمى للديمقراطيين فى مجلس النواب الأمريكى.
وفى هذا الصدد، قال عضو من القيادة الديمقراطية، إن تخلى أعضاء المجلس عن مقاعدهم ليس من المفيد الآن، وقال آخر، إن ثمة شعور سائد هو : لا تتخذوا قرارات متهورة بشأن الذهاب إلى الإدارة دون التفكير أولاً فى العواقب المترتبة على الحزب".
وأشارت الصحيفة فى تقرير سابق لها، إلى أغلبية ضعيفة لنواب الحزب الديمقراطى داخل مجلس النواب، بينما ينفى مكتب نانسى بيلوسى ذلك تمامًا، حيث قال درو هاميل، المتحدث باسم رئيسة النواب الديقراطية: "هذا خطأ تماما.. رئيسة مجلس النواب تريد المساهمة الكاملة من أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين فى مهمة بايدن-هاريس وفى المستقبل الممثل فى الإدارة".

صراع بين أجنحة الديمقراطى
وكما فتحت الانتخابات الأخيرة للديمقراطيين بابًا إلى البيت الأبيض، فقد فتحت الباب كذلك إلى حرب مفتوحة بين الجناح اليسارى والمعتدل، وجناح المؤسسات فى الحزب.
فعلى سبيل المثال، هناك اتهامات موجهة لرئيسة النواب الديمقراطية نانسى بيلوسى، والنائبة ألكساندريا كورتيز وجناح اليسار الذى يروج لسحب تمويلات الشرطة الأمريكية.
بينما يركز الديمقراطيون المعتدلون عملهم على برامج اجتماعية، واقتصادية لدفع أجيال شابة داخل الحزب وبناء قاعدة تقدمية.
ويقول المعتدلون، إن الشعارات لا تعكس فى الواقع السياسات التى يمررها الديمقراطيون، مثل "أوقفوا تمويل الشرطة".
هل النظام العالمى فى خطر؟
إلى جانب تلك الخلافات بين أجنحة الإدارة الديمقراطية وبعضها البعض، يؤكد البروفسير تونى أريند أن النظام العالمى فى خطر مع قرب تولى الديمقراطيين قيادة البيت الأبيض.
ويرى البروفيسور فى جامعة جورج تاون أن الانتخابات الأمريكية بمثابة مواجهة حاسمة للسياسة الخارجية الأمريكية، قائلاً: "إننا بصدد رؤيتين مختلفتين كلياً بشأن ما يجب أن يكون عليه العالم، وما ينبغى أن تكون عليه القيادة الأمريكية".
ووفقاً للرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، فإن العالم يتمثل فى وطنية "أمريكا أولا"، والتخلى عن الاتفاقات الدولية التى يُعتقد أنها تمنح أمريكا صفقة غير عادلة. هو عالم أحادى، مُربك، قائم على المعاملات التجارية. وهو أيضاً عالم شخصى، غير منتظم، تحدده مشاعره الغريزية وعلاقاته بالقادة، ويحركه ما يراه على موقع تويتر.
أما الرئيس المنتخب جو بايدن، فإنه يرى العالم فى صورة أكثر تقليدية لدور أمريكا، ومصالحها، بما تأصل فى المؤسسات الدولية التى قامت بعد الحرب العالمية الثانية، والعالم فى نظره أيضًا، يقوم على أساس القيم الغربية المشتركة، أى عالم التحالفات العالمية الذى تتزعم فيه أمريكا البلدان فى مواجهة التهديدات العابرة للدول.

الحلفاء وأمريكا .. ماذا يتغير فى ظل إدارة بايدن؟
وفى ظل هذه التحولات، تبرز تغيرات جذرية، سواء فى التعامل مع الحلفاء أو ملفات مثل التغير المناخى وقضايا الشرق الأوسط.
وبينما كان ترامب فى طريقه لحصد مزيد من المكاسب التجارية على حساب العلاقات مع الحلفاء التقليديين لأمريكا، تتجه إدارة بايدن المرتقبة لما تسميه "إصلاح العلاقات المتوترة مع الحلفاء"، وخصوصا الناتو والاتحاد الأوروبى والمنظمات الدولية.
فمن المرتقب فى ظل إدارة بايدن، أن تعود الإدارة الأمريكية إلى منظمة الصحة العالمية، وستسعى لقيادة استجابة عالمية فى مواجهة فيروس كورونا.
بينما ترى دانييل بليتكا، من معهد أمريكان إنتربرايز المحافظ، أن الأمر سيكون تغييرًا شكليًا فقط، ولن يطال المضمون، إذ اعتبرت أن إدارة ترامب حققت الكثير على الساحة الدولية، وتتساءل : "هل فقدنا أصدقاء نذهب معهم إلى الحفلات؟ نعم، لا أحد يريد أن يذهب إلى الحفلات مع دونالد ترامب. لكن هل فقدنا القوة والنفوذ بالمقاييس المهمة على مدى السبعين عاماً الماضية؟ لا".

التغير المناخى أولوية
وإذا كان تغييرًا ما سيطال الجوهر فى سياسات أمريكا، فإنه سيتعلق باتجاه إدارة جو بايدن لمحاربة التغير المناخى الذى سيجعل منه أولوية لإدارته، حتى يُعيد الانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ، والتى كانت واحدة من الاتفاقيات الدولية التى تخلى عنها دونالد ترامب.
ففى الوقت الذى يرى فيه ترامب أن مواجهة الاحتباس الحرارى تهديداً للاقتصاد، وتراجع عن العشرات من أنظمة حماية البيئة وضوابط المناخ، فإن بايدن على النقيض من ذلك، يروِّج لخطة طموحة بقيمة ترليونى دولار لتنفيذ أهداف اتفاقية باريس بخفض الانبعاثات. ويقول إنه سينفذ ذلك من خلال بناء اقتصاد يقوم على الطاقة النظيفة، وستؤدى العملية إلى خلق ملايين الوظائف.
هل تتراجع أمريكا عن تأديب إيران؟!
تخلى إيران عن الالتزام بالاتفاق النووى المبرم عام 2015، جعل إدارة ترامب تضيق الخناق على طهران لدرجة العقوبات الجماعية والفردية وتصفير صادرات النفط، إلا أن بايدن يرى أن سياسة "أقصى ضغط" التى اتبعه خلفه الجمهورى فشلت.
ويؤكد بايدن أن تلك السياسات أدت إلى تصعيد كبير فى التوتر، وأن الحلفاء يرفضونها، وأن إيران صارت الآن أقرب إلى امتلاك سلاح نووى، مقارنة بوقت وصول ترامب إلى البيت الأبيض.
ويقول، إنه سيعاود الانضمام إلى الاتفاق النووى فى حال عادت إيران إلى الالتزام الصارم به، لكنه لن يرفع العقوبات لحين حدوث ذلك. وبعد تغير الموقف الأوروبى نفسه من إيران، بات من المستحيل العودة إلى الوراء فى التوتر السائد بين طهران وواشنطن.

هنا يتفق باديدن وترامب.. إسرائيل والعراق وأفغانستان
هنا اتفق الزعيمان، الجمهورى ترامب والديمقراطى بايدن، فقد رحب جو بايدن بالاتفاق الذى رعاه ترامب بين إسرائيل والإمارات.
ويعد بايدن داعما مخلصا، ومدافعا قديما عن إسرائيل .. فـ كلمة "احتلال" لم ترد فى برنامج السياسة الخارجية للحزب.
وعلى غرار الرئيس ترامب، يرغب بايدن فى إنهاء الحربين طويلتى الأمد فى أفغانستان والعراق، إلا أنه يختلف فى رغبته وحزبه الإبقاء على التواجد العسكرى الأمريكى فى البلدين.