مشروع بشاير الخير 3
يشهد ملف تطوير المناطق العشوائية في مصر تحولًا جذريًا خلال السنوات الأخيرة، باعتباره أحد أهم محاور التنمية الحضرية والاجتماعية التي تبنتها الدولة ضمن رؤية مصر 2030.
ويأتي هذا التحول في سياق إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والمدينة، من خلال توفير سكن آمن ولائق وتحسين جودة الحياة في المناطق الأكثر احتياجًا.
وانتقلت الدولة من مرحلة التعامل مع العشوائيات كأزمة ممتدة إلى مرحلة التخطيط الشامل والتدخلات الكبرى التي تستهدف إعادة بناء العمران المصري على أسس حديثة ومستدامة.
وتعكس الأرقام والبيانات الرسمية الواردة خلال الفترة من 2014 وحتى 2026 حجم الجهد المبذول في هذا الملف، سواء من حيث حجم الاستثمارات أو عدد الوحدات السكنية أو نسب التحسن في المؤشرات الاجتماعية.
كما تكشف هذه البيانات عن تطور واضح في فلسفة الدولة من الإزالة أو المعالجة الجزئية إلى التنمية المتكاملة للمناطق غير الآمنة وغير المخططة، بما يضمن دمجها داخل النسيج الحضري بشكل آمن ومنظم.

ويستعرض «مبتدا» في التقرير التالي، جهود الدولة في القضاء على العشوائيات وتوفير سكن كريم يليق بالمصريين في إطار التحول إلى الجمهورية الجديدة.
جهود الحكومة على مدار الزمن في التعامل مع الملف.. طفرة غير مسبوقة منذ 2014
تُظهر القراءة الزمنية لسياسات الدولة في ملف العشوائيات أن البداية المنظمة كانت منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن التحول الحقيقي بدأ بعد عام 2014.
ففي الفترة من 1993 إلى 2008 تم تنفيذ برامج محدودة لتطوير بعض المناطق، مع إنشاء صندوق تطوير العشوائيات بعد حادث الدويقة عام 2008، وهو ما مثّل نقطة تحول مؤسسية مهمة.
وحتى عام 2014 كانت المناطق غير الآمنة تُقدر بنحو 351 منطقة على مساحة تقارب 4.5 آلاف فدان.
ومع انطلاق مرحلة ما بعد 2014، شهد الملف طفرة غير مسبوقة، حيث تم تخصيص نحو 67.8 مليار جنيه لتطوير 342 منطقة غير آمنة، إلى جانب 318 مليار جنيه لتطوير 60 منطقة غير مخططة.
كما تم تنفيذ ما يقرب من 236.8 ألف وحدة سكنية، مع استمرار العمل على 9.3 آلاف وحدة أخرى، وهو ما يعكس انتقال الدولة إلى مرحلة التنفيذ واسع النطاق.
152 ألف فدان مناطق غير مخططة.. حجم المشكلة العمرانية قبل التطوير
تشير البيانات إلى أن حجم العشوائيات في مصر قبل موجة التطوير الكبرى كان واسعًا للغاية، إذ بلغت مساحة المناطق غير المخططة نحو 152 ألف فدان، تمثل ما يقرب من 37.5 في المئة من الكتلة العمرانية.
كما بلغ عدد الأسواق العشوائية نحو 1105 أسواق تضم أكثر من 306 آلاف وحدة تقديرية، ما يعكس اتساع الاقتصاد غير الرسمي داخل المدن.
وتُعد محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية الأكثر تأثرًا، حيث سجلت أعلى نسب من المناطق غير المخططة، وهو ما يعكس ارتباط الظاهرة بالمراكز الحضرية الكبرى ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
بشاير الخير والمحروسة وأهالينا أبرزها.. مشروعات إعادة التوطين وبناء المجتمعات الجديدة
اعتمدت الدولة خلال السنوات الأخيرة على إنشاء مجتمعات سكنية متكاملة لنقل سكان المناطق غير الآمنة، ومن أبرز هذه المشروعات الأسمرات وبشاير الخير والمحروسة ومعًا وأهالينا.

وقد وفرت هذه المشروعات عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، واستفاد منها مئات الآلاف من المواطنين، مع توفير خدمات تعليمية وصحية وترفيهية داخل المجتمعات الجديدة.
ويُعد مشروع الأسمرات نموذجًا بارزًا في هذا السياق، حيث وفر أكثر من 18 ألف وحدة سكنية، بينما قدم مشروع بشاير الخير أكثر من 15 ألف وحدة، بما يعكس توجه الدولة نحو بناء بديل حضري متكامل بدلًا من المناطق العشوائية.
انخفاض نسبة سكان المناطق غير الرسمية.. التحسن في المؤشرات الاجتماعية
على مستوى النتائج، تشير البيانات إلى انخفاض نسبة السكان القاطنين في المناطق غير الرسمية من 37 في المئة عام 2017 إلى 35 في المئة عام 2022، وهو انخفاض محدود لكنه يعكس بداية اتجاه تنازلي في حجم الظاهرة.
كما تشير التقديرات إلى استهداف خفض هذه النسبة إلى نحو 21 في المئة بحلول عام 2030، ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة.

وتؤكد المؤشرات الدولية أيضًا تحسن أداء مصر في هذا الملف، حيث أشار تقرير الأمم المتحدة إلى تقدم واضح في تقليص نسبة سكان العشوائيات، مع ارتفاع مؤشر الأداء المرتبط بتحسين جودة الحياة الحضرية.
الرؤية المستقبلية لاستدامة التطوير
تعتمد الدولة في المرحلة المقبلة على استكمال التحول نحو مدن ذكية ومستدامة، من خلال تعزيز الحوكمة الحضرية، وتوسيع التمويل المشترك مع القطاع الخاص، وزيادة مشاركة المجتمع المحلي، إلى جانب التوسع في التحول الرقمي واستخدام نظم المعلومات الجغرافية في إدارة العمران.
كما يتزايد التركيز على البعد البيئي من خلال زيادة المساحات الخضراء وتطبيق معايير البناء المستدام.
وفي الختام، يمكن القول إن ملف تطوير العشوائيات في مصر لم يعد مجرد مشروع إسكان، بل أصبح مشروعًا لإعادة بناء المدن المصرية على أسس حضرية حديثة.
ورغم التقدم الكبير المحقق خلال السنوات الأخيرة، فإن استدامة هذا الإنجاز ستظل مرتبطة بقدرة الدولة على دمج السكان اجتماعيًا واقتصاديًا داخل المجتمعات الجديدة، وتحقيق التوازن بين النمو العمراني وجودة الحياة.