الزيادة السكانية
ورغم أن البعض يصور الزيادة السكانية بأنها قوة بشرية يجب أن تستغلها الدولة، إلا أن الواقع الذى نعيشه يؤكد أنها ليست كذلك، فهى عبارة عن قوى مستهلكة ومعطلة للتنمية، بل إنها تستنزف موارد الدولة، وتلتهم مكاسب التنمية.

كما لمشكلة الزيادة السكانية تأثير كبير على المواطن، وعدم شعوره بثمار التنمية والإنجازات، التى تتم على أرض الواقع، بالإضافة إلى تسببها فى تدنى الخصائص السكانية مثل الفقر والتسرب من التعليم والبطالة.
وليست الزيادة السكانية فى حد ذاتها مشكلة إذا كان هناك نمو اقتصادى يواكبها، إلى جانب نظام تعليمى وسوق عمل تستوعب الكفاءات الشابة وتدفع بالاقتصاد إلى مزيد من النمو، إذ تفيد مراكز الأبحاث بأن النمو الاقتصادى ينبغى أن يكون ثلاثة أضعاف معدل النمو السكانى كى يكون قادرا على خلق الوظائف اللازمة للجيل الجديد، وهو مالا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، فى ظل الزيادة السكانية الرهيبة التى تتجاوز مليونى نسمة سنويا فى مصر، بل حتى الاقتصادات الأكثر تقدما فى العالم لا يمكنها استيعاب هذا الكم من المواليد سنويا.

ويشير مفهوم المشكلة السكانية إلى اختلال التوازن بين عدد السكان من ناحية، وحجم الموارد الطبيعية والرأسمالية والمعرفة الفنية من ناحية أخرى، فالسكان كما يُنظر إليهم كقوة إنتاجية ووسيلة لاستغلال الموارد، كذلك هم أيضاً قوة استهلاكية تُمثل ضغطاً على الموارد المتاحة، ومن ثَمَّ يؤدى عدم التوازن بين السكان وحجم الموارد إلى وجود ما يعرف بـ "مشكلة الزيادة السكانية".
وبالتالى أصبحت الزيادة السكانية هى مجرد عبء وقوة معطلة تؤثر بالسلب على الدولة والمشروعات القومية، وتساهم فى زيادة نسبة البطالة، وتتسبب فى حدوث نسب قصور عالية فى أمور كثيرة مترتبة على الزيادة السكانية ومنها التعليم والصحة.
ولا تكمن مشكلة مصر مع النمو السكانى فى افتراسه لثمار النمو فحسب، بل أيضا فى تسببه بتقليص مساحة الأراضى الزراعية ومصادر المياه المحدودة، حيث تقع هذه الأراضى التى تشكل فقط 5% من مساحة البلاد على طرفى نهر النيل الذى يشكل مصدر المياه شبه الوحيد.
وأظهرت خبرات السنوات الـ50 الماضية أنه كلما زاد عدد السكان يتم التوسع العمرانى العشوائى، على حساب ما تبقى من الأراضى الزراعية، التى كانت حتى ستينات القرن الماضى، تنتج ما يزيد على حاجة المصريين من القمح والأرز.
أما اليوم فقد أضحت البلاد من أكثر بلدان العالم المستوردة للحبوب، كما تراجعت حصة الفرد من المياه إلى أكثر من 50% خلال الـ50 سنة الماضية، ومع استمرار المواطنين فى تجاهل تعليمات الدولة بضبط عملية إنجاب الأطفال، من الواضح أنها ستتراجع أكثر فأكثر.
ويعود السبب الرئيسى فى ذلك إلى أن المواليد الجدد يلتهمون هذه الثمار التى يذهب ريعها إلى توفير الأدوية والأغذية والخدمات، بدلا من استثمارها فى قطاعات تولد الإنتاج والثروة اللازمة، لتحديث نظم التعليم وإنشاء فصول تعليمية جديدة، وتطوير البحث العلمى والبنية التحتية، وبناء المستشفيات وتوفير الخدمات.
وتضاعف عدد سكان مصر ثلاثة أضعاف منذ عام 1960، وبلغ عدد النمو السنوى ذروته فى عام 1987 بنحو 2.8%، ووصل معدل الإنجاب 5.3 طفل لكل سيدة.

ومنذ نحو أسبوع، أعلن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وصول عدد سكان مصر لـ100 مليون الأولى فى عدد سكان مصر بالداخل، كما بلغ متوسط الزيادة السكانية اليومية "الفرق بين المواليد والوفيات" خلال عام 2019 نحو 4 آلاف و813 نسمة، أى 201 فرد كل ساعة، أى 3.3 فرد كل دقيقة، وبالتالى فإن الوقت المستغرق لزيادة فرد هو 17.9 ثانية وبمعدل زيادة طبيعية 1.78%.
وفتحت هذه الأرقام الباب نحو القضية التى تعمل مصر على حلها منذ عدة عقود، ووضعت أهدافا واضحة ضمن الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية، وهى وصول سكان مصر عام 2020 إلى 94 مليون نسمة، غير أن الرقم فى الثالث من أكتوبر الماضى بلغ 101 مليون نسمة بزيادة 7 ملايين عما كان مخططا له.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى، قد تحدث منذ أيام على هامش افتتاح عدد من المشروعات الصحية، عن الزيادة السكانية فى بلاده، مناشدا المصريين الاكتفاء بإنجاب طفلين فقط.
وقال الرئيس: "موضوع النمو السكانى موضوع مهم جدا، ومن فضلكم ساعدونا فيه، ونفهمه كويس أوى، وأهلنا فى الريف والحضر، وأهلنا فى كل مكان، صدقنى أكثر من طفلين مشكلة كبيرة جدا".
وأضاف الرئيس موجها حديثه للمصريين: "هو أنتم فى 2011 عملتوا ثورة، وخرجتوا علشان تحسنوا من أحوالكم، كان المفروض إن الناس تعرف إن الأحوال مبتتحسنش، إلا إذا كان معدل نمو السكان يتناسب مع قدراتنا، لو أحنا 100 مليون نسمة النهاردة، أنا بقولكم الرقم المناسب تريليون دولار يعنى 16 تريليون بالجنيه المصرى، ده الرقم اللى يتناسب مع عدد سكاننا، ولو الرقم مش موجود يبقى لازم تعرفوا إن هذا الوضع هيؤثر على كل القطاعات بشكل سلبى ولن تجدوا ما تتمنوه".

وكان الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، قد صرح فى وقت سابق، بأنه لا مانع شرعا من تنظيم النسل أيًا كان السبب، سواء لحاجة أو لأمر ضرورى أو تحسينى، فهذا السبب لا يمنع ولا يتعارض أبدا مع قضاء الله وقدره، وأكد أن الرزق مكفول لكل إنسان، ولكن على الإنسان أن يسعى فى تحصيل هذا الرزق.
كما أكدت دار الإفتاء المصرية، عبر موقعها الرسمى، أن الشريعة الإسلامية لم تمنع تنظيم النسل باستخدام الوسائل اللازمة، إذا لم يقدر الأب على توفير الحياة الكريمة لهم.
وشددت الدار على أنه لا يوجد نص شرعى صحيح يمنع من ذلك، فعن جابر بن عبدالله قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن ينزل.. وقليل طيب فيه غناء، خير من كثير ضعيف لا يغنى".