البث المباشر الراديو 9090
الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى
قال الفقيه المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى، نائب رئيس مجلس الدولة، أثناء المناقشة العلنية لرسالة الدكتوراه المقدمة من الباحث أحمد محمد البوشى، رئيس النيابة العامة بالخانكة بالقليوبية، التى اُجريت بكلية الحقوق جامعة الزقازيق إن القاضى الإدارى يلعب دورا جوهريا فى حماية امتيازات الجهات الإدارية فى إنهاء العقد الإدارى بإرادتها المنفردة دون خطأ من المتعاقد معها.

وأوضح أن ذلك يكون وفقا لنظرية ابتدعها القاضى الإدارى وهى نظرية تغير حاجات المرافق، وبغير أن يحتج عليها بقاعدة الحق المكتسب أو بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين لأن طبيعة العقود الإدارية وأهدافها يحكمها مبدأ حسن سير المرافق العامة وهى تفترض دائما تغير ظروف وملابسات العقد وطرق تنفيذه تبعا لمقتضيات حسن سير المرفق العام وانتظامه.

وأضاف أن الإدارة حينما تستعمل سلطتها فى إنهاء العقد إنما تستعمل حقاً وسلطة لا تستمدها من نصوص العقد بل من النظام العام لسير المرفق العام والذى يحكم حسن سيرها وانتظامها فى أداء خدماتها، فللإدارة دائما هذه السلطة إذا قدرت أن ظروفا استجدت تستدعى هذا الإنهاء، وإذا كان العقد غير ذى فائدة للمرفق العام أو أضحى لا يحقق المصلحة العامة المقصودة فى ضوء تغير ظروف الحال عنها وقت التعاقد وليس للطرف الآخر سوى حق التعويض إن توافرت شروط استحقاقه.

الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى



وتابع خفاجى أن القاضى الإدارى ابتدع نظرية جديدة فى سلطة الإدارة فى إنهاء العقد الإدارى دون خطأ من المتعاقد معها تتماشى مع الفكر الاستراتيجى للدولة المتمثل فى نظرية جديدة هى نظرية "السياسات التنموية المتغيرة التى تنتهجها الدولة"، وأن النهوض بالثروة الزراعية والثروة الحيوانية وتوفير خدماتها والارتقاء بمستواها بات يمثل ركناً أساسياً من اهتمامات الدولة ومحوراً جوهرياً لها، خصوصا فى مجال الأراضى الصحراوية خارج نطاق مرامى الوادى، أى أن للقاضى الإدارى دور عظيم بشأن تمتع الإدارة بامتيازات السلطة العامة فى مجال الأراضى الصحراوية للوصول بالأراضى العجفاء وأجوائها الرمضاء إلى مروج خضراء وحقول غلباء تسعف رمقها فتتبدل أحوال الخارطة الزراعية للبلاد فتزخرف أراضيها بمساحات خضراء تطغى على سائر ربوعها فتستحيل ناضرة كمنهل لا ينضب.

وأشار الدكتور خفاجى إلى أن القاضى الإدارى سطر فى أحكامه تطورا نشد فيه أهمية استغلال الأراضى الصحراوية واستصلاحها فى الزراعة أو الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها من قبل الأفراد والجهات الخاصة كوسيلة يُتطلع إليها للوصول بالتنمية الزراعية واستثماراتها وما قد يرتبط بها من تنمية للثروة الحيوانية والداجنة إلى آفاق النماء والحداثة، لذلك أصبحت إدارة هذه الأراضى فى قبضة الدولة تهيمن على التصرف فيها واستغلالها وإدارتها وأمسى التصرف فى الأراضى الصحراوية للأفراد والجهات الخاصة أو تأجيرها وفقا لذلك يمثل أحد أدوات الدولة فى التنمية الزراعية والاستصلاح فقاطرة التنمية الزراعية فى هذا الصنف من الأراضى تسير من خلال جهود القطاع الخاص الذى بات يشكل أحد وسائل الدولة فى هذا المجال، وللدولة استصدار القرارات اللازمة لتحقيق موجبات استغلالها أو بيعها من خلال السير على درب من الإجراءات والضوابط التى نص عليها المشرع، وذلك بغية تحقيق هدف وحيد وهو استصلاح تلك الأراضى واستزراعها ومن ثم تحقيق أهداف الدولة التى تصبو إليها لتحويل الأراضى الجدباء إلى ربوع خضراء ومن ثم السمو بالتنمية الزراعية وتحقيق مراد الدولة منها.

الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى

وأوضح خفاجى خلال مناقشة رسالة دكتوراه رئيس النيابة أنه إذا كانت مآرب الأفراد نحو تملك أراضى الدولة لا تتغير بتغير الزمان والمكان وتدور حول بواعث شخصية فإن قبول الدولة للتعاقد قد يتغير وتتبدل أحواله بتبدل أحوال وظروف مناحى التيارات الاقتصادية والتنموية التى تهب على البلاد، إذ قد يصدر قبول لطائفة من الأفراد بتملكهم مساحات من أراضى الدولة فى ظل سياسات وموجبات تبرره، ثم ينقلب الأمر على خلاف ذلك لطائفة أخرى فى حقبة زمنية مختلفة ويصير أمر التملك متعارضاً مع سياسات تنموية مستحدثة حلت محل سابقتها، ومن ثم توصد الدولة هذا الباب، لذا فقد حمى القاضى الإدارى امتيازات الإدارة فى هذا الشأن بحريتها فى تحديد الوقت الذى تراه للتعاقد أو رفض التعاقد بلا غضاضة فى ذلك بحسبان أن اعتبارات المصلحة العامة لصيقة بمسألة تنفيذ سياسات الدولة الاقتصادية والتنموية وهذه السياسات بطبيعتها خاضعة لمنطق التغيير الدائم الذى لطالما لا يثبت على حال لكونه يوائم احتياجات الدولة ومتطلباتها التى هى أيضاً بطبيعتها متغيرة، لذا كان القاضى الإدارى حصيفا فى أنه لا يلقى اللائمة على الدولة فى هذا المسلك دون تثريب إن هى لم تقبل "إيجاب" صادر من صاحب الشأن بموجب طلب مقدم منه لكونها عدلت مسار سياساتها فى تملك الأراضى التى فى جعبتها كانعكاس لتغير سياسة الدولة فى هذا المضمار، فلا يتحدى فى هذا الشأن بسابقة موافقتها لطائفة من الأفراد بالتملك فى ذات النطاق الجغرافى المرفوض لطائفة أخرى لكون هذا الأمر يجد مردوده فى تغير سياسات الدولة التنموية.

الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى



واختتم الدكتور محمد خفاجى هذه النقطة قائلا: "إن قرارات الدولة كيان لا ينفرط عنها، فإن هى رفض الطلب المقدم من أصحاب الشأن على هذا الوجه لا يستنبط منه بالضرورة إنه إسقاط منها للمشروعية ولا يفسر على إنه ضرب من ضروب التعسف فى استعمال السلطة أو صورة من صور الانحراف بها ولا يعنى البتة إنه تحدى منها لقاعدة المساواة فى الحقوق بين الأفراد المنتفعين من خدماتها إنما يجد مدلوله فى إن الموجبات التنموية المحركة لقراراتها قد أصابها التغير ونال منها التبديل وكانت على نحو لا تجد معه الدولة ملاذاً سوى الانصياع إليها وتعقب مواطنها ومن ثم فللجهة الإدارية المختصة الحرية فى رفض طلب التملك، مادامت قد التزمت جادة الصواب فى رفضها الطلب المقدم إليها لتملك الأرض وسارت على الدرب القويم المقرر لها فاعتصمت بسياسات الدولة ومن منهجها اختارته طريقاً ومن موجباتها التنموية اتخذتها سبيلاً، وكان باعثها فى ذلك الأخذ بأسباب المحافظة على دعائم المصلحة العامة وتعزيز أركانها فلا غبار على تصرفها برفض الطلب المقدم إليها فى هذا الخصوص ويكون موقفها صائباً لا جناح عليها فيه. والقول بخلاف ذلك يفتح الباب على مصرعيه للعبث بأراضى الدولة فيعرضها لأهواء تجافى الغايات المرصودة لها تذكيها مآرب غير سوية تاباها المصلحة العامة.

وكانت لجنة الحكم والمناقشة برئاسة الدكتور عبد الرؤوف هاشم، أستاذ القانون العام، ومستشار رئيس الجامعة، والدكتور حمدى عمر، عميد كلية الحقوق الأسبق وعضو لجنة الخبراء العشرة لوضع الدستور عام 2014، والدكتور محمد خفاجى قد انتهت إلى منح الباحث درجة الدكتوراه بتقدير جيد جدا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً