سد النهضة
ودائماً ما يقف الشعب العُمانى جنباً إلى جنب مع الشعب المصرى الشقيق فى جميع الأوقات والظروف، وخير مثال على ذلك، مقال صحفى نشرته صحيفة الوطن العُمانية – أول وأقدم صحيفة فى سلطنة عُمان – للكاتب العُمانى خميس بن عبيد القطيطى بعنوان: "مصر تتجلى فى الحواسم التاريخية"، ويُعد المقال مثالاً واضحاً على وقوف المواطنين العُمانيين مع مصر العظيمة والمصريين الأشقاء فى حقوقهم المائية المشروعة.
وقال كاتب المقال، إن مصر تعرضت خلال العقود الماضية لتجارب واختبارات كبرى حققت فيها نجاحات لافتة غيَّرت مجرى الأحداث التى جاءت بعدها، وأهم هذه التجارب كانت حرب أكتوبر 1973 المجيدة، أحداث 2011، وتأتى الثالثة لتماثل فى أهميتها تلك التجارب التاريخية، ونقصد هنا أزمة مياه النيل الراهنة أو قضية سد النهضة الإثيوبى، وعندما نستدعى تلك التجارب التاريخية المختلفة وما تحقق فيها، ونسقطها على أرض الواقع ونضعها فى دائرة التحليل، يتأكد لدينا أن مصر تتجلى فى الحواسم التاريخية الكبرى، فهى مصر التى لا يمكن تجاوز حقوقها ولا يمكن إهانتها، ولا يمكن التحكم بمصيرها وحياة أبنائها.
أضاف المقال العُمانى، أن ما جرى من متغيِّرات فى الشأن المصرى خلال العقود الخمسة الماضية، سواء المتعلقة بطبيعة الأنظمة الحاكمة أو ظروف الحياة العامة أو المتغيِّرات الديموغرافية والسيكولوجية أو الاستنزاف الذى تعرض له الفكر القومى العربى، والاستهداف الخارجى، وغيرها من الإشكالات التى يبرزها النقاد فى الشأن المصرى لم يكن ليغيِّر من متانة موقفها الوطنى فى مثل هذه الحالات التى تتَّحد فيها جميع شرائح الوطن حول قضاياها المصيرية، فتستنهض عنفوانها التاريخى وريادتها الإقليمية وأسرارها المصرية لتحقق معادلة النجاح فى كل زمان.
وتابع: كان وما زال يراد لمصر أن تكون الجائزة الكبرى فى إطار صراع الحضارات ولعبة الأمم، لكنها لم ولن تكون كذلك، لأنها أحد أهم صنَّاع الأحداث فى التاريخ، وهذا التوصيف ليس من قبيل التمجيد، بل هو الواقع الذى أثبتته وقائع التاريخ.
كما تابع المقال: فى عام 1973 كانت ملحمة العبور وكسرت مصر أسطورة الجيش الذى لا يقهر، وفى عام 2011 كانت 25 يناير، وفى كلا الحدثين كانت مصر على الموعد، واليوم تتعرض مصر إلى حدث مشابه من حيث أهميته وتأثيراته وأبعاده الخارجية، وهو قضية مياه النيل أو قضية سد النهضة التى تمثل اختباراً تاريخياً آخر لا يقل خطورة عن سابقيه، بل هو قضية حياة أو موت بالنسبة لمصر.
حيث إن فرض الإرادة والتحكم بمياه النيل وفق الرؤية الإثيوبية حول ملء السَّد وتشغيله تمثل خطراً محدقاً بمصر، وتعصف بالأمن والاستقرار فى القرن الإفريقى عموماً، فالنيل ارتبط بمصر وحقوقها التاريخية، وهناك اتفاقيات دولية سابقة حددت حصص مصر والسودان، ومنحت مصر حق الاعتراض على إقامة أية منشآت على منابع النيل، فكيف يمكن تقليص هذه الحقوق وقد تضاعف حجم الدولة فى مصر؟!
كما قال المقال: يبدو أن إثيوبيا ماضية فى إجراءاتها الأحادية باستهلاك الوقت وتعنت موقفها، رافضة التوصل إلى اتفاق يحدِّد آلية الملء والتشغيل دون مراعاة لخطورة ذلك على دولتى المصب مصر والسودان، حيث ترغب إثيوبيا فى استكمال ملء السَّد حسب رؤيتها بين ثلاث إلى خمس سنوات، وهو ما يمثل خطراً حقيقياً على حياة 150 مليون مواطن فى مصر والسودان، كما أن هناك مخاوف أخرى تتعلق بالجوانب الأمنية (الإنشائية) للسَّد وآلية التشغيل، وأهمية وجود إدارة مشتركة ومراقبين من دول حوض النيل أو مراقبين دوليين، مع الالتزام بعدم إقامة سدود أخرى قد تفاقم من خطورة الموقف مستقبلاً.
وأضاف: الموقف الإثيوبى يتحدث عن ممارسة السيادة، باعتبار المياه عابرة لأراضيه، وأعلنت أديس أبابا أنها لا تنتظر موافقة مصر والسودان فى تنفيذ ملء السَّد، كما أعلنت فى رسالة واضحة أن لها الحرية التامة فى العمل مستقبلاً وفقاً لما يتوافق مع مصالحها دون مراعاة لبقية الشركاء وحقوقهم التاريخية، كما تتحدث إثيوبيا عن حاجتها لتوفير الطاقة الكهربائية وإمداد الملايين من أبناء شعبها بالكهرباء فى استعجال لا نعلم أسبابه بهذا الشكل؟! وبالتالى فلا يستبعد مستقبلا إقامة سدود أخرى تحجز مياه نهر النيل، وتقلص حصص مصر والسودان بشكل أكبر حسب هذه الرؤية؟!
بالمقابل فإن مصر لم تمانع من إقامة هذا السَّد الذى يستوعب 74 مليار متر مكعب، أى ما يعادل حصص مصر والسودان معا خلال عام كامل، وبالتالى فإن ملء السَّد وفقا لرغبة إثيوبيا سيقلص حصص مصر والسودان، ويمكن تعرضهما لمخاطر أكبر خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد، والتأثير بشدة على السَّد العالى بمصر وسدود السودان، مما قد يوقف بعض المحطات فيها عن العمل، بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة بالجوانب الأمنية للسَّد، سواء لأسباب طبيعية تكتونية أو أسباب صناعية إنشائية فى المستقبل المنظور.
وأوضح كاتب المقال، أنه أمام هذه الظروف المتصاعدة على إثيوبيا تقدير تلك المخاوف والمخاطر، وتحكم لغة الحوار والجوار والعلاقات التاريخية والرابطة الإفريقية لإنهاء هذه الأزمة وكبح جماح المتربصين، لأسباب عدة أولها أن إقامة هذا المشروع لا بدَّ له من توافق دولى وعدم الإضرار بحياة الملايين لهم الحق فى هذه المياه أيضاً، كما أن مصر لم تمانع إقامة السَّد وانحصرت مطالبها فى تمديد سنوات الملء بحيث لا تؤثر بشكل حاد على نصيبهما من المياه فى ظل ما يتعرض له النيل من دورة جفاف، وفى ظل اعتماد شعبها المتنامى على هذا المورد المائى الذى يمثل شريان الحياة، فلماذا كل هذا التعنت من قبل إثيوبيا أمام مطالب مصر والسودان؟!!
وقال: ما زلنا نأمل فى قبول إثيوبيا بالحلول السلمية التى تجنِّب القارة الإفريقية والعالم تداعيات أى خيار آخر، والحلول السلمية هنا تتطلب فقط نيات حسنة ورغبة فى طيّ صفحة هذه الأزمة بتمديد فترة الملء إلى سنوات أطول حسب اتفاق تلك الأطراف، وهو خيار تكلفته لا تقارن بتكاليف أى خيار آخر، وعلى المجتمع الدولى أن يضطلع بدوره فى الحفاظ على الأمن والاستقرار العالمى.
وكانت إثيوبيا قد رفضت مقترحا سودانيا يطلب وساطة اللجنة الرباعية الدولية، ما يوحى بإصرار إثيوبى على تنفيذ رؤيتها الأحادية، ولذلك بدأت مصر تحركاتها بتحميل المجتمع الدولى مسؤولياته وتوضيح موقفها للرأى العام الدولى والمؤسسات الدولية، وقام وزير الخارجية المصرى سامح شكرى بتوجيه رسائل ثلاث إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن ورئيس الجمعية العام للأمم المتحدة، شرح كل التطورات المتعلقة بأزمة سد النهضة، فى تأكيد واضح على أن مصر إذا استنفدت خياراتها الدبلوماسية فإن لها الحق بالدفاع عن مصالحها، وقد حدث بالستينيات من القرن الماضى أن استخدمت "إسرائيل" حق الدفاع عن مصالحها عندما قرر العرب تحويل نهر الأردن عن "إسرائيل" فأقدمت على قصف منشآت تحويل نهر الأردن قبل اكتمال تحويله، فى حادثة برَّرتها بحقها فى الدفاع عن نفسها، وفى نفس السياق قد تلجأ مصر إلى هذا الخيار إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق ملزم قبل الملء الثانى.
ولا شك أن الأجهزة فى مصر قد وضعت كل السيناريوهات على الطاولة ودرست كل الظروف والتبعات فيما لو وصلت الأمور إلى هذا الحدِّ، واليوم أصبحت مصر فى حالة اصطفاف جماعى لاستعادة حقوقها المشروعة، وقد بات على الأمم المتحدة أن تتخذ إجراءات عاجلة لإنهاء هذا الملف قبل فوات الأوان.
وأضاف: سد النهضة بدأ العمل به فى عام 2011 واستمرت المفاوضات بشأن سد النهضة لسنوات وتم التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ فى عام 2015 بالخرطوم، وجرت مفاوضات عديدة كادت أن تنتهى باتفاق واشنطن لولا مقاطعة الطرف الإثيوبى مشروع الاتفاق، ووقَّعت مصر بالأحرف الأولى، واحتفلت إثيوبيا فى يوليو 2020 ببدء المرحلة الأخيرة لمشروع السَّد.
وقامت بالملء الأول دون تنسيق مع بقية الأطراف، وحددت موعداً للملء الثانى فى يوليو المقبل مع موسم الأمطار، لذا تراوحت الأزمة على طاولة المباحثات كان آخرها قبل بضعة أيام لم تسفر عن نتائج إيجابية، فأصبحت مصر والسودان أمام موقف خطير دفعت المسئولين فى البلدين إلى الحديث عن خيارات مفتوحة لمعالجة هذه الأزمة، وهنا يمكن للولايات المتحدة أن تضغط بدورها لوضع الاتفاق المبرم فى واشنطن كحل مشترك تم التوصل إليه فى وقت سابق، فلم يعد هناك مجال للتسويف، لذا فقد باتت الخيارات محصورة.
واختتم كاتب المقال بتأكيده أن الأمن المائى فى مصر يُعدُّ أمناً قومياً، ومصر هى قلب العالم العربى تضخ الدماء فى شرايين الجسد العربى، ولا يمكن لهذا الجسد البقاء على قيد الحياة إذا أصيب القلب، لذلك يُعدُّ أمن مصر خطا أحمر لا يمكن المساومة فيه، وقضية سد النهضة تمس الأمن القومى العربى عموماً، لذا فقد أعلن عدد من الدول العربية تضامنها مع مصر فى بيانات صدرت من تلك الدول فى 31 مارس 2021 فقد أعلنت سلطنة عُمان والسعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن تضامنها مع مصر، ولا شك أن العرب جميعاً مع مصر فى كل قضاياها المصيرية، لأنها تمثل العمق العربى وتمثل الأمن القومى العربي، وتُعدُّ زيارة الرئيس التونسى قيس سعيد إلى مصر إشارة بالغة الأهمية عن هذا التضامن العربى.
وختامًا نأمل انتهاء أزمة سد النهضة بالطرق الدبلوماسية حفاظاً على الحقوق التاريخية لمصر والسودان، وحفاظاً للأمن والاستقرار فى العالم.