مذابح الأرمن
ذلك الموقع جعل أرمينيا على موعد مع الاحتلال التركى في عهد الدولة العثمانية، ومن وراءه مذابح دامية استهدفت سكان أرمينيا وأهلها على يد "المشروع التورانى" الذى أطلقه حزب "الاتحاد والترقى" أو "تركيا الفتاة" لإرتكاب جرائم تطهير عرقى بحق العديد من العرقيات الخاضعة للاحتلال العثمانى آنذاك، سواء الأرمن فى أرمينيا أو الأكراد فى مناطق الأناضول وديار بكر أو العرب فى سوريا ولبنان.
جريمة المشروع التورانى
وفى الوقت الذى ذبح وشنق فيه جمال باشا، 8 آلاف مثقف عربى فى سوريا ولبنان، كان أصدقاؤه من حزب "الاتحاد والترقى"، المعروف باسم "تركيا الفتاة"، يواصلون تفاصيل الجريمة التركية بحق البشرية، فيما عرف تاريخيًا باسم "المشروع التورانى" ومذابح الأرمن!
قام المشروع التورانى على توجه القوميين من العثمانيين الأتراك لتطهير تركيا من غير الأتراك، وشن حملة تطهير عرقى استهدفت 3 عرقيات، وهم العرب والأكراد والأرمن، وهى الإبادة التى حصدت أرواح مليون ونصف المليون من الأرمنيين ممن كانوا تحت مظلة الاحتلال العثمانى.
وكانت الثروات التى يسيطر عليها الأرمن دافعًا كبيرًا ليكون الأتراك شركاء فى الجريمة مع حكومتهم العثمانية آنذاك، اذ استخدمت حكومة الاتحاد والترقى هذه الثروات لإقناع الرافضين لفكرة التخلى عن دولة الخلافة، فى محاولة لاسترضاء هؤلاء بإحلالهم محل الأرمن، يرثون ممتلكاتهم وأراضيهم ويستولون عليها بتسهيل من الحكومة المتطرفة.
وكما يصف الدكتور محمد رفعت الإمام، أستاذ التاريخ الحديث، فإن الشعب الأرمنى هو واحد من أقدم شعوب الأرض، ورغم الشتات الذى تعرض له بسبب ظروف الحرب والإبادة التركية، إلا أنهم استطاعوا الحفاظ على عرقيتهم وتنميتها، لدرجة أنهم أصبحوا ثانى أكبر جالية مؤثرة فى الولايات المتحدة وفرنسا، وهو ما يفسر قرار ماكرون الأخير بالاعتراف بمذابح الأرمن والإبادة التركية، إذ كان أحد وعوده الانتخابية.

شعب مضطهد
كان المسيحيون الأرمن واحدة من الجماعات العرقية المتميزة خلال فترة الإمبراطورية العثمانية، وفى أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، شكَّل بعض الأرمن منظمات سياسية، ساعين إلى مزيد من الحكم الذاتى، ما أثار شكوك الدولة العثمانية حول مدى ولاء الطائفة الأرمينية داخل حدودها.
وعلى الأقل لقى 80 ألف أرمينى حتفهم بين 1894 و1896، فيما تشير المصادر التاريخية المتعددة إلى وقوع مذابح إبادة الأرمن بين عامى 1915 و1922، بوصول حكومة الاتحاد والترقى أو ما سمى بـ"تركيا الفتاة" إلى الحكم.
وقد استخدمت الحكومة التركية عدة ذرائع لتسوقها فى إبادة الأرمن، ومن تلك الادعاءات أن روسيا أثارت الأرمن المقيمين قرب الحدود، فى مسعى لتبرير قتل الآلاف منهم ودفن آخرين أحياء، وتهجير غيرهم قسريًا فى ظروف قاتلة، وتتريك الغلمان لاستخدامهم كخدم فى الحقول، والفتيات الصغار لاستغلالهم جنسيًا، ووفقًا للوثائق التاريخية، فقد بلغ عدد الأرمن المغدور بهم مليون ونصف المليون من ضحايا الإبادة والعنصرية التركية.
نزعة التطرف العثمانى
تطورت أفكار حكومة الاتحاد والترقى بين عامى 1909 و1913 إلى شكل شديد التطرف والعنصرية، وقدموا وقتها مشروعهم التورانى، الذى يهدف إلى تطهير تركيا، بما فيها الأراضى التى احتلوها بمواطنيها، من العرقيات غير التركية، وكان ذلك يعنى تطهير البلاد من ثلاث عرقيات احتلهم العثمانيين وتم طردهم من أراضيهم التى احتلها الأتراك، وهم: "العرب والأكراد والأرمن"، غير أن الأناضول الشرقية، بما تضمه من كثافة سكانية للأرمن أصحاب الأرض، بقيت عائقًا أمام الطموحات العثمانية العنصرية، إلا أن اندلاع الحرب العالمية فى الفترة من 1914 حتى 1918 منحت للأتراك المتطرفين فرصة شيطانية لإبادة الأرمن والخلاص منهم.
وفى سياق وحشية الحرب العالمية الأولى، كان تدمير الأرمن وإبادتهم جريمة متزامنة فى الشرق الأدنى والقوقاز الروسى، وتدرعت الدولة العثمانية فى تنفيذ جريمتها بتحالفاتها مع دول المحور "ألمانيا، والنمسا والمجر"، وهو ما جعل هذه الدول تصمت عن إبادة المسيحيين الأرمن.

زمن الجريمة
وفى 24 أبريل 1915، وفى إطار مخطط بغيض لاستئصال الأرمن، كان القرار الذى تناول النخب السياسية والاقتصادية والفكرية والدينية من الأطباء والمحامين والمدرسين والصحافيين والكتاب والسياسيين الأرمنين وغيرهم، حيث تم إعداد كشوف بأسمائهم وتم القبض على المئات منهم، وقتل بعضهم، وأرسل آخرون إلى المعتقلات قبل قتلهم.
وقتها ألقت تركيا القبض على 600 مفكرًا ومثقفًا أرمينيًا فى القسطنطينية يوم 24 أبريل 1915، ورحلتهم إلى الشرق لتنفذ فيهم الإعدامات الجماعية شنقًا، مستهدفة تجريد الأرمن من رؤوسهم المفكرة حتى يسهل عليها إبادة من بقى منهم دون أدنى مواجهة، ليبقى يوم 24 أبريل هو الذكرى السنوية لهذه الجريمة التركية بحق الإنسانية.
ولتسهيل الإبادة الجماعية كان التخوين الطريق الأسهل، فادعى العثمانيون أن الثوار الأرمن تواصلوا مع العدو، وأنهم على استعداد لتسهيل دخول القوات الفرنسية-البريطانية للبلاد.
وعندما واجهتهم قوى الوفاق ثم الولايات المتحدة الأمريكية المحايدة آنذاك، بررت تركيا عملية الترحيل الجماعية باعتبارها إجراءًا احترازيًا، وهو التهجير القسرى الذى تم فى ظروف غير آدمية، إذ مشى الأرمن أكثر من ألف كيلو مترًا سيرًا على الأقدام فى أجواء شديدة الحرارة فى أشهر مايو ويونيو ويوليو، وتحت قسوة أسواط العسكر العثمانيين.

مؤامرة شعبوية فى خدمة أطماع الدولة
فى تلك الأثناء بدأت الصحافة التركية فى وصف الأرمن بـ«أعداء الداخل»، وبخونة الوطن والمتضامنين مع الحلف الثلاثى (فرنسا- بريطانيا- روسيا). وسُربت إلى الصحافة إيحاءات تتهمهم بالتآمر على أمن الدولة وتعد الجمهور لاستقبال إجراءات جذرية فى حق الجماعة الأرمنية كلها.
وفى مارس 1915 كان قرار اللجنة المركزية الاتحادية باستئصال الأرمن، عبر جماعات من المجرمين قضوا فترات عقوبتهم وتم تشكيل وحدة شبه عسكرية منهم باسم "تشكيلاتى مخصوصة"، وكان الهدف واضح، تصفية الأرمن، أو نفيهم.
وتشير الوثائق التاريخية إلى أنه بداية من مايو 1915، توسعت الحكومة العثمانية فى عمليات التهجير القسرى للأرمن، حيث زحف المدنيون للتخييم فى المناطق الصحراوية فى الجنوب "اليوم: شمال سوريا وشرقها، وشمال المملكة العربية السعودية، والعراق".
ونشأت العديد من تلك القوافل فى 6 أقاليم أرمنية ذات كثافة سكانية موجودة فى شرق الأناضول- طرابزون، وأرضروم، وبتليس، وفان، وديار بكر، ومعمورة العزيز، ومنطقة ماراس- وأخيرًا فى جميع نواحى أرمينية مازالت تركيا تسطو عليها حتى يومنا هذا، وهى الأقاليم التى وطنت عليها الأتراك أنصار فكرة الخلافة حتى تضمن ولائهم لتوجهات التطهير العرقى من المسلمين غير الأتراك.
فى ذلك الوقت لم تكن تركيا تسمح لأى من المراسلين الصحفيين بالدخول إلى أراضيها، كما قطعت خطوط التلغراف حتى تضمن أن تبقى جريمتها طى الكتمان، لذا كان حلفاء تركيا أنفسهم من الألمان أول الشهود على المذابح التى ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن، ووثقوا لها المبشرين الألمان بالصور.
الغريب أن ردود أفعال هؤلاء الشهود تنوعت لدى مشاهدة هذه الجريمة، وذلك جراء الرعب الذى انتابهم والاحتجاجات الرسمية التى أطلقوها، ورغم المكاتبات حول المذابح بين ألمانيا والنمسا وتركيا، إلا أنهم كانوا داعمين لتلك المذابح ومتواطئين معها بالصمت على ممارسات العثمانيين.

مجازر وترحيل وتهجير قسرى
وبسبب ظروف الحرب كان رجال وشباب الأرمن، ما بين 20 إلى 40 عاما، يشاركون فى صفوف الجيش التركى، ما سمح بإخلاء الأرياف الأرمينية من معظم الرجال، ليأتى بعدها قرار وزير الحرب "أنور باشا"، بنزع سلاح المجندين الأرمن من صفوف الجيش ونقلهم إلى أفواج عمل، قبيل قتلهم فى جماعات صغيرة ضمن أماكن نائية، ومن حالفهم الحظ من الأرمن كانوا أسرى لدى الجيش الروسى فى معتقلات سيبيريا.
وبأمر من الحكومة المركزية فى القسطنطينية، بدأ ضباط الإقليم بعمليات إطلاق نار واسعة على الأرمن، وجمع الشباب الأرمن فى سن القتال وأطلق عليهم النار، وقتلوهم بالجملة، إلى جانب الألاف من النساء والأطفال، بينما كان حظ آخرين أن يتم تتريكهم لاستخدامهم كخدم.
الأسوأ من ذلك أن القوافل التى تم تهجيرها قسريًا إلى مناطق الصحراء دون أى شيىء معلوم عن مصيرهم وفى ظروف قاسية، تعرضوا أيضًا إلى هجمات وحشية من ضباط الأقاليم العثمانيين، والعصابات البدوية والإجرامية والأكراد، وتم تجريد الضحايا من ملابسهم للتفتيش الذاتى واغتصاب النساء واختطاف الفتيات والشابات، وتعذيبهن والقتل أو الاستغلال الجنسى، وهى جرائم لا تقل وحشية عن جرائم داعش التى سمعنا بها مؤخرًا.
وبطبيعة ظروف الترحيل والتهجير القاسية، لقى مئات الآلاف من الأرمن حتفهم قبل وصولهم إلى المخيمات، وتم قتل كثير منهم أو اختطافهم، فى حين أقدم آخرون على الانتحار، وقد لقى عدد كبير حتفه بسبب التجويع والجفاف والتعرض للمخاطر أو الأمراض وهم فى طريقهم إلى حلب أو الصحراء غير معلومين الجهة، وتسلى الضباط الأتراك بالتنكيل بهم وتعذيبهم حتى الموت فى الطريق.

إبادة من أجل سرقة الأرض والوطن
ومن أعلى مستويات حكومة الاتحاد والترقى كانت التعليمات يجرى تنفيذها بدقة، وكان أبرز مجرمى الإبادة بحق الأرمن: طلعت باشا (وزير الداخلية)، وإسماعيل أنور باشا (وزير الحرب)، وبهاء الدين صقر (المدير الميدانى للمنظمة الخاصة)، ومحمد ناظم (زعيم التخطيط الديموغرافى).
وواصلت الحكومة التركية جريمة الإبادة بحصار الأرمن داخل أراضيهم، حيث خصصت اللوائح الحكومية للسكان الأرمن ما لا يزيد عن 10% من مساحات معينة (وفى بعض المناطق، لا تزيد المساحة المخصصة لهم عن 2%)، وتقتصر المستوطنات المطلوبة على 50 أسرة وتقع بعيدة عن كل من خط السكة الحديدية ببغداد وعن بعضها بعضًا، ضمانًا لعدم وجود العرق الأرمينى والقضاء عليه.
كما واصل الضباط المحليون ترحيل الأرمن دون ملابس أو طعام أو ماء كافٍ لهم عبر الصحراء تحت أشعة الشمس القاتلة أثناء النهار والبرد القارس ليلاً.
وتعرَّض المرحلون باستمرار إلى هجمات من البدو، وكذلك من حراسهم، ونتيجة لذلك، دمرت القوى البشرية والطبيعية للأرمن المرحَّلين حتى وصلت أعدادهم إلى أقل المستويات السكانية المقررة لهم.
فى ذلك الوقت (1915 ـ 1922) سعى النظام التركى لترسيخ مكانته وتمويل الحرب وتحويل الأناضول الأرمينية إلى مستعمرة تركية تمامًا، وبدأوا بمصادرة أموال الأرمن، ما دفع الأرمن إلى التظاهر والاحتجاج ثم بدأت عمليات الإبادة والتطهير العرقى بكل ما سبق من مراحل.

اعتراف دولى بمذابح الأرمن
وعلى مدار 100 عام كاملة، كانت هناك محاولات للاعتراف رسميا بإبادة الأرمن، إلا أن لعبة المصالح كانت تتدخل دائمًا لتؤجل هذا الحلم، وتؤجل معه إسقاط أقنعة أنقرة، ومحاسبتها على ما جنته بحق البشرية.
وإجمالا استخدمت 30 بلدا فى العالم مصطلح "الإبادة الجماعية" لتوصيف المذبحة التى تعرض لها الأرمن، بينها دول كبرى مثل روسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى منظمات دينية وسياسية مثل الكنيسة الكاثوليكية والبرلمان الأوروبى، إلا أن تلك الدول والهيئات لم تتمكن من قيادة الإجماع الدولى لإدانة المذابح.
ويؤكد المحامى رافائيل ليمكين، وهو صائغ عبارة "الإبادة الجماعية" ومؤيدها لاحقًا فى الأمم المتحدة، أن اختياره لهذه العبارة جاء بسبب ما تابعه عبر صفحات الصحف حول الجرائم العثمانية ضد الأرمن، والتى كانت الدافع وراء توجهه للتفكير بضرورة وجود حماية قانونية للجماعات.
وبالفعل فى عام 1948، كانت جهود ليمكين دافعًا للأمم المتحدة للموافقة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، إلا ان هذه العقوبة لم تطال مرتكبيها على جرمهم حتى اللحظة.