البث المباشر الراديو 9090
البابا تواضروس الثانى
ألقى البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كلمة بمناسبة الاحتفال بعيد القيامة، وجه فيها التهنئة لجميع المسيحيين، والشكر للرئيس عبد الفتاح السيسى، وكل أبناء الشعب المصرى.

وجاء فى نص الكلمة: أهنئكم أيها الأحباء جميعا بعيد القيامة المجيد حسب التقويم الشرقى، أهنئ جميع الكنائس القبطية داخل مصر وخارج مصر فى بلاد المهجر، أهنئ جميع الآباء المطارنة والأساقفة، والآباء الكهنة القمامصة والقسوس، وكل الأراخنة والشباب والأطفال، فى كنائسنا وإيبارشياتنا فى مصر وفى بلاد المهجر.

وتابع: أرسل التهنئة القلبية باسم المجمع المقدس وكل الهيئات الكنسية إلى كل الآباء المطارنة والأساففة والإيبارشيات فى خارج مصر، فى الكرسى الأورشليمى فى القدس وفى إفريقيا وفى أوروبا وفى آسيا وفى أستراليا وأمريكا وكندا وأمريكا الجنوبية، نرسل التهنئة لكل أبنائنا الأحباء فى كل هذه الكنائس، كما نهنئ أيضًا كل الكنائس الشرقية التى تحتفل بعيد القيامة فى هذا التوقيت، بالإصالة عن نفسى وباسم المجمع المقدس وهيئة الأوقاف القبطية والمجلس الملى العام والمجالس الملية الفرعية وكافة الهيئات القبطية والإكليروس وكل الشعب أهنئكم بهذا العيد المجيد.

واستطرد: أود أن أشكر الرئيس عبد الفتاح السيسى، رئيس الجمهورية الذى هنأنا، كعادته دائمًا، بالعيد وأرسل لنا برقية تهنئة رقيقة، كما أرسل بكل مشاعره الطيبة برقيات تهنئة لكل الأقباط المصريين الموجودين فى الخارج.

وأكمل: نرفع قلوبنا وأيدينا إلى الله - تبارك اسمه - ونصلى من أجل بلادنا وكل العالم، أود أن أقدم الشكر والتقدير لكل من أرسل لنا برقيات التهنئة واتصل تليفونيًّا أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، نشكر المستشار حنفى جبالى، رئيس مجلس النواب، والمستشار عبد الوهاب عبد الرازق، رئيس مجلس الشيوخ، والدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، نشكر أيضًا فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر الذى هنأنا تليفونيًّا فى مكالمة طيبة بالأمس، كما اتصل بنا أيضًا الفريق أول صدقى صبحى، مساعد رئيس الجمهورية لشؤون الدفاع، كما هنأنا الفريق أول محمد أحمد زكى، وزير الدفاع والإنتاج الحربى والقائد العام للقوات المسلحة، وأيضًا الوزير عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، وأيضًا وزارة الداخلية وعلى رأسها اللواء محمود توفيق وزير الداخلية، الذى هنأنا من خلال برقية رقيقة.

نشكركم جميعًا أيها الأحباء ونشكر حضوركم، وإن كانت هذه الجائحة قد عطلت الكثيرين، ونحن احترامًا لكل الإجراءات الاحترازية تقبلنا التهانى من جميع أحبائنا من المسؤولين فى كل قطاعات الدولة المصرية نشكرهم على محبتهم وتهنئتهم، ونظرًا للسعة المحدودة اكتفينا بعدد تقريبًا 10٪ من سعة هذه الكنيسة (الكاتدرائية)، آخر مرة صلينا هنا كان فى أبريل 2019.

وقال: نشكر الله أنه أعطانا هذه النعمة أن نحتفل بعيد القيامة فى هذه الكاتدرائية المباركة، نحن نحتفل بعيد القيامة الذى هو عيد الأعياد وفرح الأفراح، وهو أساس إيماننا وأساس حياتنا وبدون القيامة لم توجد الكنيسة المسيحية ولم توجد المسيحية أصلًا، والقيامة ليست عملًا أو حدثًا ماضيًا أو تاريخًا، لكنها حالة مستمرة وتاريخًا حاضرًا على الدوام، وهذا الحضور لعيد القيامة هو الذى يعطى لحياتنا المسيحية ولكنيستنا ولكل العالم المسيحى طعم الإيمان المسيحى والحياة المسيحية، واختلاف مواعيد عيد القيامة بين الشرق والغرب يرجع إلى اختلاف التقويم المستخدم ودائمًا يوجد فرق يتراوح من أسبوع إلى أربعة أسابيع كما هو الحال هذا العام، وسيتوافق ميعادا العيد شرقًا وغربًا العام القادم، فالاختلاف في التقويم وليس في العقيدة، واحتفالنا بعيد القيامة المجيد يستمر لمدة 50 يومًا نسميها "الخمسين المقدسة"، وهى بمثابة يوم أحد طويل يمتد لسبعة أسابيع، أى 49 يومًا واليوم رقم 50 هو عيد العنصرة، ففترة الخمسين هى الفترة الوحيدة فى السنة التى نبدأها بعيد وننهيها بعيد، نبدأها بعيد القيامة وننهيها بعيد العنصرة (حلول الروح القدس)، ولكننا أيضًا نحتفل بعيد القيامة فى كل صباح فنحن حسب ترتيب كنيستنا نصلى فى القطعة الثانية لصلاة باكر كل يوم بهذه الكلمات: "عندما دخل إلينا وقت الصباح أيها المسيح إلهنا النور الحقيقى فلتشرق فينا الحواس المضيئة والأفكار النورانية ولا تغطينا ظلمة الآلام"، و"وقت الصباح" هو وقت القيامة لأن القيامة كانت فجرًا، و"النور الحقيقى" هو المسيح الذى قام فى الفجر مثل نور الشمس الذى يشرق فى وقت الصباح، وأريد أن أقف وأتأمل معكم فى تعبير "الحواس المضيئة"، فالله عندما خلق الإنسان زوده بالحواس الخمس المعروفة، وهى وسائل الإنسان للمعرفة والفهم والإدراك والاكتشاف والتعلم والتعليم والنشأة وبقية نواحى المعرفة بصفة عامة، والحواس الخمس التى أعطاها الله لنا جميعًا، عندما تضعف إحداها، النظر مثلًا، نذهب إلى الطبيب فيوصى بعمل نظارات طبية، أو إذا ضعف السمع يوصى الطبيب بعمل سماعة طبية، وهذا من الناحية المادية أو الفيسيولوجية الوظيفية لهذه الحواس، ولكن القيامة يا أحبائى أعطت الإنسان بعدًا جديدًا فجعلت له "الحواس المضيئة"، فلم نعد نستخدم فقط الحواس المادية فى حياتنا بل أضيف بالقيامة للإنسان بعد جديد نسميه فى صلواتنا "الحواس المضيئة" وهى الحواس الواعية الفاهمة التى تمتاز بحساسية فائقة، وربما نعلم جميعًا الفارق بين "البصر" و"البصيرة" ويتضح أمامنا أن البصر هو الاستخدام المادى للعين الذى يستطيع الطبيب قياسه وتقييمه، أما البصيرة فهى شىء آخر، القيامة ونورها يا إخوتى يعطيان حواسنا إمكانية أكبر فتصير حواسنا مضيئة، فهنالك شخص يمكن أن نصفه بأن عقله مستنير، وشخص آخر - الرب يحفظ الجميع - نصفه بأنه "أعمى القلب" فقلبه المادى يعمل وينبض وقد يقيم الطبيب أداء قلبه بـ "10/ 10"، ولكن قلبه لا يرى!، وقد يكون شخص آخر - الرب يحفظ الجميع - بليد الإحساس، إذًا فالقيامة أعطتنا بعدًا جديدًا فى الحياة اسمه الحواس المضيئة، أى الحواس التى تفهم وتشعر، الحواس المستنيرة، وأريد أن أقف معكم أمام 5 مشاهد فى القيامة تظهر هذه الحواس المضيئة:

1- حاسة البصر، ونراها فى جموع التلاميذ الذين كانوا فى حالة خوف وهلع بعد صليب ربنا يسوع المسيح، وهذا الخوف جعلهم يجتمعون فى العلية (وهى غرفة مرتفعة قليلًا) التى كانت أبوابها "مُغَلَّقَةً" حسب تعبير الكتاب المقدس، أى أنها كانت مغلقة بإحكام دليلًا على الخوف، فى مساء يوم القيامة نرى المسيح يظهر فى وسطهم ويمنحهم السلام ويريهم يديه وأثر المسامير ومكان الحربة ثم يقول الكتاب تعبيرًا هامًّا "فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ." فى هذا الوقت نالوا نعمة حاسة البصر المضيئة أو المستنيرة، فعندما رأوا المسيح انتُزِع منهم كل خوف وهلع وتحولا إلى فرح، فصارت العين المستنيرة أو حاسة البصر المضيئة ترى فرحًا والخوف ينتفي ويبتعد، وتصير لهم هذه الحاسة التى تبدل كل ما عاشوا فيه من مخاوف إلى فرح شديد وهو ما حركهم للكرازة والتبشير والتعب من أجل خدمة المسيح، كل هذا لأن عيونهم رأت فرح القيامة، أيها الحبيب ارفع قلبك وقل له: يا رب أعطنى هذه العين، حاسة البصر المضيئة لكيما ترى فرحًا، حتى إن هاجت الأمواج يمكنك أن ترى فرحًا لأن عيناك تريان المسيح الذى يقود هذه الحياة وهو ضابط الكل، فالنور أشرق فينا فصارت لنا الحواس المضيئة والأفكار النورانية، وهذه هى نعمة القيامة.

2- حاسة السمع، فآذاننا تسمع ولها مقياس مادى، والأذن الخارجية تجمع الصوت وتدخله إلى أعضاء الأذن الداخلية لكى يفهمه الإنسان وترتبط الأذن بالكلام، لكننا نرى مشهد الأذن أو حاسة السمع المضيئة فى مقابلة المسيح فى فجر القيامة مع مريم المجدلية، فمريم المجدلية كانت إنسانة غنية ولكنها احتُلَّت من قبل سبعة شياطين فصارت حياتها خربة، وعندما تقابلت مع السيد المسيح أخرج منها هذه الشياطين السبعة فصارت إنسانة فاضلة وتبعت المسيح وظلت فى تبعيته وفى وفاء شديد له لأنه أنقذها من أتعاب الشياطين، وظلت مع المسيح حتى الصليب وحتى الدفن وفى فجر الأحد ذهبت إلى القبر باكية، وتصور معى إنسانة بقيت 3 أيام تبكى وعيناها مليئتان بالدموع، وذهب إلى القبر لا تعلم ما عساها أن تفعل، هى فقط ذهبت لتراه فى القبر فدخلت لتجد القبر فارغًا فسألها الملاكان عن سبب بكائها فأجابتهما لأنهم أخذوا سيدى ولا أعلم أين وضعوه، ثم ظهر لها المسيح فلم تستطع تمييزه بسبب البكاء الشديد مما يعنى أن حاسة البصر لديها كانت ضعيفة بعض الشىء، لكنها عندما سمعت اسمها من فم المسيح استيقظت فيها حاسة السمع المضيئة وانتبهت أذناها، فقط عند سماع اسمها "يَا مَرْيَمُ" فالتفتت إليه ورأته ونادته بالتعبير اليهودى لكلمة "يا معلم" الذى هو "رَبُّونِى" وانتبهت للمسيح، وأرجوك أن تتخيل معى ماذا حدث لأذنها فى هذه اللحظة عندما استمعت إلى صوت اسمها من المسيح وصارت لها هذه الحاسة المضيئة فانتبهم واستيقظت وفرحت حتى أنها لم تكن مصدقة فحاولت لمس المسيح لتتأكد، الحاسة المضيئة تجعلك تستجيب وتستمع لصوت الله، ربما تتذكرون معى صموئيل النبى فى العهد القديم عندما كان طفلًا صغيرًا وكان الله يناديه فذهب لمعلمه الكاهن يسأله عما يجب أن يفعله عند سماع الصوت الذى لم يفهم مصدره، فقال له الكاهن الفاهم عندما تسمع الصوت قل: "تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ"، يجب أن تكون أذنك حاضرة وسامعة، قد تصادف شخصًا يقول أن أذنه تسمع "دبة النملة" لكن السؤال هنا، هل تسمع الوصية وتطيعها؟ وهل حاسة سمعك مضيئة؟، الله يشتاف أن يسمعنا ويرى وجوهنا، وفى سفر النشيد يكلم الله النفس البشرية ويقول: "أَرِينِى وَجْهَكِ، أَسْمِعِينِى صَوْتَكِ، لأَنَّ صَوْتَكِ لَطِيفٌ وَوَجْهَكِ جَمِيلٌ." الله يكلم كل نفس فينا بهذه الكلمات، ففى كل مرة تقف للصلاة أيها الحبيب، الله يشتاق أن يسمع صوتك ويرى وجهك، فهل تشتاق عيناك وأذناك بالمثل؟ هل تقول له "عندما دخل إلينا وقت الصباح أيها المسيح إلهنا النور الحقيقى فلتشرق فينا الحواس المضيئة"؟ وأنت تصلى الآن وتحتفل بالقيامة قل له يا رب أعطنى حاسة السمع المضيئة التى تسمع وصيتك وكلمتك وكل شىء تقوله لى.

3- حاسة الشم، يتميز بها الإنسان وإن كانت بعض الحيوانات لها حاسة شم أكثر تركيزًا، وهى حاسة رقيقة للغاية، وهى تتضح فى موقف المريمات وهن ذاهبات إلى القبر يأخذن معهن حنوطًا، وهى عبارة عن مواد نباتية عطرة مجففة، يأخذها الإنسان ويقدمها كتقليد قديم كرمز عن قيمة الشخص الذى انتقل بصورة الوفاء، كأننا نقول له "حياتك زى العطر، سيرتك كانت عاطرة، حياتك كانت سامية ومقدسة".

وتابع: "المريمات أخذن معهن الحنوط لكى يقدمونها، وهو ما يمثل حاسة الشم الرقيقة، وتقديم الزهور والورود هو تعبير عن المشاعر الرقيقة التى يحملها الإنسان، وهناك تقليد معروف لدى كل البشر، وهو تقديم الورود فى مناسبات مثل زيارة مريض، كنوع من التمنى له بالتحسن، أو عند انتقال أحد نقدم الورد كتعبير عن الوفاء لهذا الإنسان الذى فارق الحياة".

حاسة الشم نستخدمها فى الكنيسة عندما نستخدم البخور، فالبخور أيضًا يمثل الصلوات الصاعدة، لهذا فنحن فى احتفالات أعياد القديسين نقدم الحنوط، وكذلك فى الجمعة العظيمة نستخدم الكثير من الحنوط والورود، كلها تحمل تعبير عن معانى سامية وراقية للغاية، حاسة الشم المضيئة، هناك إنسان مشاعره غايبة أو هى ميتة، بينما هناك آخر مشاعره حساسة، حاضرة مضيئة مستنيرة، هكذا كانت حاسة الشم لدى المريمات اللاتى قدمن الحنوط.

4- حاسة التذوق، بطرس الرسول كان تلميذًا متقدمًا بين تلاميذ ربنا يسوع، ولكنه فى أهم موقف وقع فى خطأ شديد وقبل الصليب بساعات أنكر المسيح، وهو ضعف بشرى منه وبالطبع أن كل إنسان معرض للضعف، ولكن أنظروا يا إخوتى كيف تعامل الله مع هذا الضعف، بطرس الرسول الذى شهد معجزات السيد المسيح وسمع تعاليمه وحضر معه كثيرًا يأتى فى هذه اللحظة وينكر المسيح، فهل يتركه الله ؟!

بعد القيامة يذهب بطرس ويترك مكانته ويعود إلى مهنته الأولى (صيد السمك)، وبينما هو يحاول أن يصطاد لم يجد أى أسماك إلى جاء السيد المسيح وقال لهم ارموا الشباك فى الجانب الأيمن، وإذ فعلوا ذلك وجدوا سمكًا كثيرًا، أخرجوا 153 سمكة وهو رقم له مدلول (حاصل جمع الأرقام من1  وحتى 17 هو 153) ورقم 17 حاصل جمع 10 (الوصايا العشر فى العهد القديم) مع 7 (الأسرار السبعة فى العهد الجديد)، وظهر لهم المسيح فخرجوا من الماء وجلسوا ليأكلوا أى يتذوقوا من السمك الذى اصطادوه، وهنا أراد السيد المسيح لبطرس أن يتذوق طعامًا آخر وهو طعام الحب، حين قال له: أتحبنى؟! ثلاث مرات، ويجيبه بطرس بنعم، فيقول له ارع غنمى، ارع خرافى، وهنا يتذوق بطرس من خلال جلسة الأكل، طعم الحب، وبنجو ويعود إلى رتبته الأولى، ويبدأ عهد جديد مع المسيح، بالطبع لقد تذوق بطرس الطعام (السمك) لكنه بالأكثر تذوق طعم الحب، حب المسيح له وصارت له الحاسة المضيئة، حاسة التذوق.

وأحد أهداف الصوم هو أن يعطينا حاسة التذوق المضيئة، أى أن تنمو فى الإنسان حاسة التذوق المضيئة، فيقول "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز ٣٤ : ٨).

5- حاسة اللمس، عندما ظهر السيد المسيح للتلاميذ مساء يوم القيامة لم يكن توما الرسول معهم، وعندما أخبره التلاميذ أنهم رأوا السيد المسيح لم يصدق، وقال لهم لن أؤمن إن لم أضع أصبعى فى مكان المسامير ويدى فى مكان الحربة، وبعد أسبوع بينما كان التلاميذ مجتمعين وتوما معه، جاء السيد المسيح وقال له تعال هات اصبعك والمس مكان المسامير وهات يدك والمس مكان الحربة، ويلمس جراحات المسيح والمسامير وأثرها، ومكان الحربة فى جنبه، فيصرخ صرخته القوية ويقول "ربى وإلهى"، فيطوبه المسيح ثم يطوبنا نحن بقوله: "طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا"، وتصير حاسة اللمس مضيئة، لذلك ترون الأب الكاهن أو الأسقف يمسك صليبًا فى يده، فهذا تطبيق لحاسة اللمس المضيئة لأنه يتلامس مع المسيح على الدوام، وعندما نصلى القداس فى بدايته نقول: "قبلوا بعضكم بعضًا" ونسلم بعضنا على بعض بالأيدى وهو ضمن حاسة اللمس المضيئة أيضًا ويعبر عن المصالحة والصفح والغفران، ونعود لنقول مع هذه الحواس الخمسة: "عندما دخل إلينا وقت الصباح أيها المسيح إلهنا النور الحقيقى فلتشرق فينا الحواس المضيئة والأفكار النورانية ولا تغطينا ظلمة الآلام".

يا إخوتى الأحباء نحن لا نحتفل بحدث ماضٍ ولا مجرد تذكار ولا مجرد مظاهر العيد كغيره من الأعياد لأن فى عيد القيامة تتجدد حواسنا التى بها نحيا فنرى السماويات ونتذوق الروحيات، ونتمتع بهذه الحواس لكيما تكون مداخل للمعرفة الروحية، فهنالك شخص عندما يقرأ الإنجيل تفهم حواسه الروحية، أو يقف للصلاة فيسمع ويتكلم بالحواس الروحية، أو يقرأ فى سيرة قديس أو فى كتاب روحى أو يستمع إلى عظة فتستيقظ حواسه الروحية، لذلك ارفع قلبك اليوم أثناء القداس وصلِّ أن يعطيك الله هذه الحواس المضيئة والأفكار النورانية وألا تغطيك ظلمة الآلام، أعطنى يا رب هذه الحواس المضيئة فى البصر والسمع والشم والتذوق واللمس، وأعطنى ألا تكون حواسًّا جسمانية كما نصلى فى صلاة الساعة التاسعة "أمت حواسنا الجسمانية"، فالحواس الجسمانية هى للتراب أما الروحية فللسماء لذلك اهتم أن تكون حواسك روحية.

وأكمل البابا تواضروس: نحن نشكر الله الذى أعطانا اليوم أن نفرح فرحة القيامة المجيدة لكيما تملأ حياتنا وكنائسنا وبيوتنا وبلادنا وتغمر العالم كله.

وأكد: نكرر شكرنا للرئيس عبد الفتاح السيسى، رئيس الجمهورية على محبته وتعبه ومسؤولياته الكثيرة التى يقوم بها، حتى أننا نراه يستغل أيام الإجازات لتفقد المشروعات المتنوعة، نحييه ونصلى من أجله، كما نصلى من أجل كل المسؤولين فى قطاعات بلادنا الحبيبة، ونحيى أيضًا قواتنا المسلحة وشرطتنا الوطنية حراس الوطن فى الداخل والخارج، نحيى كل الذين يعملون بإخلاص وأمانة لبناء هذا الوطن على كل المستويات وفى كل مكان، ونريد أن تكون حياتنا وبلادنا متقدمة فى وسط بلاد العالم، نحن نصلى من أجل كل شهداء مصر ونذكرهم بكل الوفاء، أيضًا نصلى من أجل المصابين لكيما يعطيهم الله شفاءًا، ونصلى فى طلبة خاصة من أجل هذا الوباء والجائحة التى اجتاحت العالم بصورة مفزعة، واثقين أن يد الله الرحيم تيتطيع أن ترحم العالم كله، نصلى من أجل الأسر المتألمة ومن أجل المصابين لكيما يمن الله عليهم بالشفاء، نصلى من أجل الأحباء العاملين فى القطاع الصحى، الأطباء والتمريض والفنيين وكل العاملين باعتبارهم الخط الأول فى مواجهة هذه الجائحة، نصلى أن يعطيهم الله القوة والقدرة ونعزى أسر الذين رحلوا بعد أن أبلوا حسنًا فى معالجة المرضى عمومًا ليس فى الكورونا فقط.

وشدد البابا فى كلمته: نرفع طلبة خاصة ونصلى كثيرًا من أجل مشكلة سد النهضة، ليمد الله يده ويعمل فيها للوصول إلى حلول ترضى الجميع، نحن ننظر إلى دولة إثيوبيا الشقيقة فكلنا فى قارة واحدة، قارة إفريقيا، وندعو إثيوبيا حكومة وشعبًا بدلًا من أى قلق أو صراع أو متاعب إلى المشاركة والتعاون والتنمية، لكيما نعمل جميعًا، ونحن أشقاء فى نهر النيل الخالد، من أجل جميع هذه الشعوب التى عاشت على أرض إفريقيا مئات وآلاف السنين، ونصلى أن ينجح الله كل الجهود الطيبة، الجهود الدبلوماسية والسياسية، حتى لا نلجأ إلى أى جهود أخرى، ونصلى أن يعطى الله حكمة لكل المسؤولين فى هذا الأمر فالماء هو عطية إلهية يعطيها الله وأعطاها منذ آلاف السنين، ونهر النيل الذى نعيش على ضفافه وتعيش قبلنا تسع دول (بمجموع 10 دول على مجرى نهر النيل)، وهذه الدول كلها تعيش على هذا النهر منذ فجر التاريخ، ولذلك ندعو الجميع، بعيدًا عن التعنت وعن أى عناد، إلى السلام والحل التوافقى الذى يضمن التنمية لكل الشعوب، فنحن جميعًا نريد أن نعيش فى حالة من السلام والرخاء والنمو، ودائمًا تعلمنا الحياة أن المعارك لا تأتى بأى ثمر، ونحن نصلى دائمًا من أجل نهر النيل نفسه فى كل قداس واثقين أن يد الله تستطيع أن تعمل لأنه ضابط الكل.

واختتم: يعطينا الله جميعًا يا أحبائى أن نفرح بهذه القيامة المجيدة فى حياتنا، ويدبر أمورنا وأحوالنا، ويحفظ بلادنا وكل أهلها، ويسرنى أن أستغل هذه الأيام أيضًا وأهنئ إخوتى فى مصر بشهر رمضان الذى قارب على الانتهاء، وباقتراب عيد الفطر المبارك، نصلى أن يجعل الله أعيادنا جميعًا مباركة، فأعيادنا الدينية والوطنية والاجتماعية والقومية هى التى تجمعنا جميعًا، ونحن - كما قلت - نحتفل بعيد القيامة لمدة 50 يومًا، عيد القيامة يوم الأحد، والإثنين التالى له اسمه "اثنين القيامة" أو "Easter Monday" وهو كان عيدًا فرعونيًّا قديمًا سمى بـ "عيد الربيع" وكان تاريخه ثابتًا فى 21 مارس، وهو اليوم الذى خلق فيه الله الدنيا لذلك يطلق عليه أيضًا "عيد الخلقة"، ولأن 21 مارس دائمًا يأتى خلال الصوم الكبير، والصوم ليست فيه مظاهر فرح، نقله الأقدمون فى القرون الأولى من تاريخه المعتاد إلى اليوم التالى لعيد القيامة ليكون استمرارًا لعيد القيامة فصار "شم النسيم" وهو الاسم الفرعونى للعيد والذى يعبر عن الحصاد، وصار أيضًا امتدادًا لعيد القيامة وبداية للاحتفال بالخمسين المقدسة.

 
تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً