أبو الغيط
وقال أبو الغيط فى كلمته: "نجتمع اليوم ليس فقط لكى ندين ما يجرى فى القدس المحتلة، وفى الأراضى الفلسطينية المحتلة بوجه عام.. ولكن لنبعث برسالة واضحة للعالم بأن الوضع فى فلسطين غير قابل للاستمرار على هذا النحو. وأن الهدوء الذى طالما ادعى الاحتلال وجوده ليس إلا هدوًء على السطح، يخفى تحته عناصر لانفجار وتصعيد لن تقف آثاره عند حدود المنطقة. وقد أرينا بالأمس فقط كيف يمكن أن يؤدى التصعيد الإسرائيلى إلى هجمات عشوائية منفلتة لا تعكس سوى الرغبة فى استعراض القوة وتسجيل النقاط السياسية فى الداخل على حساب دماء الأطفال فى غزة".
وأضاف "لقد جرى ما جرى من عنف واعتداءات وانتهاكات واسعة عبر الأسابيع الماضية تحت بصر العالم أجمع.. وعلى كافة أصحاب الضمائر الحرة، ممن يتابعون وقائع هذه الجرائم المكتملة الأركان، أن يقفوا أيضاً على السياق الذى تجرى فيه هذه الجرائم... ما شهدناه هو بكل وضوح وصراحة استفزازات مفتعلة من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلى طالت أقدس المقدسات الإسلامية. وفى أقدس الشهور لدى المسلمين".
وتابع "خلال الأسابيع الماضية، لم تكن هناك واقعٌة واحدة بدأ فيها العنف من الجانب الفلسطيني.. لم تكن هناك حادثة واحدة بادر فيها الفلسطينيون إلى الاستفزاز أو التصعيد. إلا إذا اعتبرنا أن تنظيم إفطار جماعى للتضامن مع من ُيهددون بالطرد والتشريد ونزع الملكية هو إجراء عنيف أو إذا اعتبرنا سعى المصلين للدخول للمسجد الأقصى لأداء شعائرهم، ثم التجمع فى باحاته وحول مداخل البلدة القديمة جريمة نكراء تستوجب العقوبة".
ونتساءل: ما الذى يدعو الاحتلال الإسرائيلى إلى هذه الاستفزازات المفتعلة؟ هل يتصور الاحتلال مثلاً أن بإمكانه الفصل بين المقدسيين ومقدساتهم؟ هل يتصور أنه يستطيع أن يعزل الأقصى من سياقه الإسلامي، الذى تتطلع إليه أفئدة المسلمين فى كافة أرجاء الدنيا؟ هل يعتقد هذا الاحتلال الغاشم أن الاستفزازات
ستمر من دون حتى صرخة ألم، أو صيحة اعتراض؟ الحقيقة أن هذه الانتهاكات والاستفزازات كلها لا تجرى فى فارغ.. نحن أمام حكومة صارت خاضعة بالكامل لأجندة ُعتاة المستوطنين، وُغلاة المتطرفين من الأحزاب الدينية فى إسرائيل.. كما أننا نرى، وللأسف الشديد، مزايدات مشئومة بين اليمين واليمين المتطرف، وسباق على إظهار القدرة على القمع وممارسة العنف وارتكاب الانتهاكات فى حق الفلسطينيين وتقليص وجوِدهم في
المدينة.
وأكد، أن "هذه السياسات المتهورة، والإجراءات المخالفة بالكلية للقانون الدولى الإنسانى الذى كفلت نصوصه حرية إقامة الشعائر الدينية والوصول إلى الأماكن المقدسة، أقول إن هذه السياسات تأتى فى سياق لا ُتخطئه عين يستهدف الاستئثار بالقدس، والتحكم فى دخول الفلسطينيين فى الأقصى. فيما على الجانب الآخر، تمنح الجماعات اليهودية المتطرفة حق الدخول إلى باحات الأقصى فى زيارات استفزازية واستعراضية. إن هذه السياسات تخلق وضعاً قابلاً للانفجار.. ويتعين أن يخرج المجتمع الدولى من دائرة الإدانة أو تحميل المسؤولية للطرفين، إننا أمام تسلسل واضح للأحداث يضع المسؤولية على طرف بعينه. هو الطرف المحتل، الذى يملك القوة العسكرية والسيطرة بحكم الأمر الواقع، وهو الطرف ذاته الذى يبادر إلى العنف والاستفزاز".
وأمضى قائلا، "إن إسرائيل تسعى لإقناع العالم بأن ما يجرى فى الشيخ جراح هو نزاع عقارى على عدة منازل وكأننا بلا ذاكرة، أو قدرة على ربط الأحداث، إن ما يجرى فى الشيخ ج جراح، كما نعلم ويعلم الجميع، هو جزء من خطٍة متكاملة لتهويد مدينة القدس، وحصار الوجود الفلسطينى فيها. توطئة لتحويلها إلى مدينة يهودية خالصة. هذه الخطة تتواصل وتتصاعد منذ عقود بأدوات مختلفة وعلى مستويات متعددة. وهى خطة ترعاها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ولكنها شهدت طفرة غير مسبوقة فى زمن حكومات اليمين خلال العقد المنصرم، حيث تضاعف الوجود الاستيطانى الذى يحاصر المدينة وتكثفت سياسات نزع الملكية وهدم المنازل
وتهجير الفلسطينيين ونزع هوياتهم. إننا ندين كافة هذه الإجراءات التى تتخفى وارء منظومة قضائية منحازة بالكامل".
واستطرد "ندعو مجلس الأمن -الذى سبق وأصدر القرار 2334 (لعام 2016)- بتحمل مسؤولياته حيال هذا الانتهاك الصارخ للقرار ولغيره من القرارات الدولية، يتعين على كافة القوى المؤمنة بالتسوية السلمية العمل على وقف هذه الهجمة الاستيطانية الشرسة التى تهدد بتفجير الوضع فى القدس، وفي الأراضى المحتلة بوجه عام. إن ما يجرى هو جرس إنذار يتوجب التنبه لدلالاته، لم يعد بالإمكان الاطمئنان لاستمرار الوضع القائم أو استدامة الاحتلال ومظاهره المشينة، ويتعين على الرباعية الدولية أن تتحمل مسؤولياتها.. فمن دون أفق للتسوية السياسية أو تحرك جاد نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، ستظل هذه القضية رهينة لأجندة اليمين الإسرائيلى. وسيسيطر المتطرفون والمستوطنون على المشهد ويحددون الاتجاه بكل ما ينطوى عليه ذلك من مخاطر لا أبالغ إن قلت إنها تهدد السلم الدولى".