البث المباشر الراديو 9090
عظة البابا
ترأس البابا تواضروس الثانى، اليوم الثلاثاء، صلاة القداس احتفالاً بعيد دخول العائلة المقدسة أرض مصر، بكنيسة أبى سرجة بمصر القديمة.

وألقى البابا تواضروس الثانى عظة جاء فى نصها..

باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. آمين.

تحل علينا نعمته ورحمته وبركته من الآن وإلى الأبد. آمين.

 

نحتفل أيها الأحباء فى هذا الصباح المبارك بأحد الأعياد السيدية الثابتة التاريخ (24 بشنس الموافق 1 يونيو) تذكار دخول السيد المسيح أرض مصر وهذا الاحتفال قديم فى الزمن بقدم الكنيسة القبطية ونحتفل به لأنه على هذه الأرض ولدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وهى واحدة من أقدم كنائس العالم، فكرسى الإسكندرية هو أحد الكراسى الرسولية الأولى فى تأسيس المسيحية عبر العالم كله فبعد أورشليم جاءت الإسكندرية وأنطاكية وروما ثم القسطنطينية، وفى التاريخ المصرى المسيحى نحتفل بهذا العيد وله جوانب كثيرة ونتحدث عن ثلاثة جوانب.

الجانب التاريخى:

هذا الحدث التاريخى وقع بين نقطتين هامتين فى التاريخ، النقطة الأولى كانت قبل الحدث بحوالى 700 عام وهى نبوة إشعياء النبى فى أصحاح 19 حين قال: "مُبَارَكٌ شَعْبِى مِصْرُ" (إش 19: 25) ولكنه قال فى تلك النبوة "فِى ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِى وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا." (إش 19: 19). فهذا المذبح الذى تأسس فى وسط أرض مصر وصار دير السيدة العذراء الشهير بـ"المحرق" فى أسيوط، وعمود عند تخومها وهو القديس مار مرقس الرسول لأننا نقول عن الآباء الرسل أنهم أعمدة الكنيسة، وهذا العمود الذى أتى من الحدود الغربية لمصر حيث مسقط رأسه فى ليبيا، أتى إلى مصر وبشرها بالإيمان المسيحى، فهذا الحدث (دخول العائلة المقدسة) يقع فى التاريخ بين نقطتين، نقطة سابقة بـ700 عام وهى نبوة إشعياء النبى، ونقطة لاحقة بعد زيارة العائلة المقدسة بحوالى 50 سنة وهى كرازة القديس مار مرقس الرسول، وبهذه الثلاث (النبوة والزيارة والكرازة) تأسست كنيستنا القبطية، وهذا امتياز تنفرد به الكنيسة فى كل تاريخ الكنائس المسيحية على مستوى العالم، فلا توجد كنيسة تأسست بهذه الثلاثة النبوة فى العهد القديم، وزيارة العائلة المقدسة فى بداية العهد الجديد، ثم كرازة القديس مار مرقس فى منتصف القرن الأول الميلادى واستشهد عام 68م وهذا هو الجانب التاريخى وهذا فخر وامتياز لكنيستنا وأرضنا وتاريخنا، ونحن نعيش فى تاريخ الكنيسة من خلال السنكسار ونقرأ الحدث الثابت فى التاريخ 24 بشنس.

عظة البابا

الجانب الجغرافى

هذه الرحلة لم تكن فى مكان واحد، فعندما دخلت العائلة المقدسة من الحدود الشرقية ناحية الفرمة ثم الدخول إلى منطقة الدلتا بجوار فرع دمياط ثم فرع رشيد فى وسط الدلتا إلى منطقة وادى النطرون إلى منطقة القاهرة القديمة وامتدادًا من المعادى إلى الصعيد فى بلاد كثيرة من خلال الطريق البحرى أو البرى واستقرت فى دير المحرق فى جبل قسقام حوالى 6 أشهر، هذا هو الجانب الجغرافى وكأن السيد المسيح كان يقصده، ونمى السيد المسيح حوالى ثلاث سنوات على أرض مصر ويطوف فى بلادها من سيناء إلى الوجه البحرى إلى القاهرة ثم إلى الصعيد وكأنه أراد أن يبارك هذه البلاد والطرقات والتراب والنهر والزرع والهواء، وكأنه أراد أن يشمل مصر ببركة خاصة وهذه البركة من خلال مسار العائلة المقدسة ونحن نحتفل بهذا العيد منذ القرن الأول الميلادى ورتبه الآباء من القرون الأولى وفى الزمن الأخير بدأت مصر بكل أجهزتها تهتم بالمسار وتنتبه إلى أهميته وأن هذا المسار يميز مصر كبلاد ووطن وحضارة، والتاريخ بكل هذه المواضع الأثرية وعندما زارت القديسة هيلانة هذه المناطق وبنت كنائس ومواضع مقدسة فى محطات الرحلة ونحن اليوم فى القرن 21 نقدم هذا المسار والدولة بكل أجهزتها وبقيادة السيد الرئيس وكل السادة الوزراء تقوم بإظهار هذا العمل وهذا التاريخ لكل العالم لكى ما يأتى ويتبارك به وتقدم مصر نفسها للعالم من خلال هذا المسار المقدس، وهذا هو الجانب الجغرافى.

الجانب الروحى

والجانب الروحى يهمنا بصورة خاصة، لأن الجانب التاريخى والجغرافى أمور عامة حدثت فى التاريخ، ونحن نعلم أن الله سيد وضابط التاريخ، فكل الأمور تتم من خلال ترتيب الله وهو ضابط الكل، الجانب الروحى الذى يجب أن نستفيد به لنفسنا، هذا الحدث هو هروب من وجه الشر، هروب من هيرودس العنيف الذى قرر فى غضب أن يقتل كل الأطفال من عمر سنتين إلى ما دون، ليموت وسطهم الملك المنتظر ملك إسرائيل الذى هو ربنا يسوع المسيح، وكان السيد المسيح يستطيع أن يواجه هذا الشر ولكن الكتاب المقدس قدم لنا هذا الحدث وسجله واحتفظت به الكنيسة لتعلم الإنسان مبدأ من المبادئ الروحية وهو الهروب، "اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ" وهذه إحدى الوصايا، مم نهرب؟

1- أهرب من الشر وأهل الشر: هناك أشخاص سمحوا لأنفسهم أن يكونوا أشرارًا وعاشوا فى الشر ونصلى فى صلاة الشكر" كل حسد، وكل تجربة، وكل فعل الشيطان، ومؤامرات الناس الأشرار، وقيام الأعداء الخفيين والظاهرين انزعها عنا"

الشر موجود فى العالم، اهرب من الشر، والهروب هنا قوة وحكمة واختيار هام للإنسان، اهرب من الشر بكل صوره الظاهر وغير الظاهر، واهرب من الناس الذين يميلون إلى الشرور، لا تقف أمام الشر، اهرب، وهذا ما فعله السيد المسيح والقديس يوسف النجار، الذى نسميه "حارس سر التجسد"، أخذ العائلة المقدسة حسب وصية الملاك "قُمْ وَخُذِ الصَّبِى وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ" (مت 2: 13). لتصير مصر رمزًا للأمان والسلام والاحتضان.

2- أهرب من الخطية: بكل أشكالها، الخطية تتسلل إلى الإنسان دون أن يدرى، يمكن أن يكون الإنسان سائرًا فى مخافة الله والخطية تتسلل إليه، أخطر خطية تصيب الإنسان السائر فى طريق الله هى خطية الذات التى تشعر الإنسان أنه الأفضل، وهذه هى الخطية التى أوقعت هيرودس حيث كان يظن أنه لن يموت، أهرب أيها الحبيب من الخطية، الخطايا الذاتية أخطر أنواع الخطايا، لذلك من ترتيبات الكنيسة أنها جعلت سر التوبة والاعتراف ليضبط البوصلة الروحية للإنسان، الخطية تجعل الإنسان يبعد عن مساره الروحى ثم تطرحه خارجًا، والخطية كل قتلاها أقوياء، دائمًا تشغلنا الخطايا الكبيرة لكن الأصعب هى الخطايا الصغيرة، لأن الخطايا الصغيرة تربط الإنسان بخطايا أكبر "لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا." (2 تى 3: 5). لذلك اهرب من الشر كما فعل السيد المسيح واهرب من الخطية بكل صورها، ومن التعاليم الديرية "ليس أفضل بالإنسان من أن يرجع بالملامة على نفسه فى كل شيء" بداية التوبة أن يلوم الإنسان نفسه ويعيش حياة جديدة لأن التوبة هى تغيير المسار، أهرب من الشر والخطية.

3- أهرب من الغضب "لو أقام الغضوب إنسانًا ميتًا فليس مقبولًا أمام الله" غضب هيرودس جعله يقتل كل الأطفال، الغضب أعماه عن نتائج هذا الشر، أهرب من الغضب، الغضب فعل إنسانى يمكن أن يوقع بالإنسان فى أشياء لا يمكن إصلاحها، أقنع نفسك أن الغضب لا يصنع حلًا ولا يقدم إجابة وعندما تكلم السيد المسيح كنز الفضائل قال: "تَعَلَّمُوا مِنِّى، لأَنِّى وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ." (مت 11: 29).. ليكن الإنسان بطيئًا فى الغضب.. انتبه لحياتك، علم نفسك أن تخرج من الغضب والانفعال.

الخلاصة يا إخوتى ونحن نحتفل بفرح هذا العيد ونحن فى أيام الخمسين المقدسة...

نذكره تاريخيًّا ونشكر الله على هذه النعمة الكبيرة.

نذكره جغرافيًّا ونشكر الله أننا فى بلادنا وأننا فى أرض مصر.

نذكره روحيًّا فى حياتنا اليومية.

الله اختصنا وأعطانا هذه النعمة أن يتم هذا الحدث على أرض بلادنا ونعيشه ونفرح به ونحن اليوم موجودون فى محطة من محطاته الهامة هذا يجعل الإنسان يفكر فى مقدار النعمة الكبيرة التى يعطيها الله لنا، نحن اليوم فرحين فى هذه الكنيسة المقدسة وهذه المنطقة بكل أديرتها المقدسة والآباء الأساقفة والآباء المطارنة والآباء الكهنة والأمهات الراهبات ووجودنا فى هذا المكان وفى هذا العيد مع نيافة الأنبا يوليوس كلنا نفرح، وهذا العيد ثابت ويكون فى وسط السنة ويكون سبب فرح ونعمة وبركة لنا كلنا، ويجب أن نذكره من سنة إلى سنة وأن بلادنا تشرفت بهذه النعم العظيم وبوجود السيد المسيح وأمه والقديس يوسف النجار على أرضها، ومن هذا الحدث الجميل حياتنا تتهلل وتفرح بلادنا وأرضنا بوجود المسيح فى بلادنا، بلا شك هى بركات متفاضلة فى حياتنا كلنا، يباركنا مسيحنا بكل بركة روحية ويعطينا أن نفرح على الدوام.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً