الدكتور محمد مختار جمعة
وأكد جمعة، فى بيان له، اليوم السبت، أن للأحوال العادية أحكامها، وللأوبئة أحكامها، ولا شك أن الأوبئة تؤثر على حياة الدول والأفراد واستقرارها، وعلى المؤمن أن يوطن نفسه على تحمل الابتلاءات والجوائح والمصائب، وأن يتحلى بالصبر عليها، وأن يأخذ بكل أسباب التداوى والعلم من جهة، ويرضى بقضاء الله وقدره حُلوه ومُرّه من جهة أخرى، فمن رضى أرضاه الله وأسعده.
وأوضح وزير الأوقاف، أن من أهم مميزات الشريعة الإسلامية أنها تتسم بالمرونة واليسر والسماحة فى مراعاة أحوال الناس وقدراتهم وظروفهم الزمانية والمكانية، فيقول الحق سبحانه وتعالى: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"، ويقول سبحانه: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"، وحين بَعَثَ النبى محمد، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَبَا مُوسَى، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، رضى الله عنهما، إِلَى اليَمَنِ، قَالَ لهما موجهًا وناصحًا "يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا".
وأضاف "بما أن ظروف كورونا التى أصابت العالم كله ، وعم ضررها الأغنياء والفقراء، فقد وازنت الشريعة الإسلامية بين مصالح الدين والدنيا، وشرعت لهما ما يناسب حالهما بما يحقق مصالح البلاد والعباد التى هى من أهم غايات الشرع الحنيف، ولما كانت شعيرة الحج تجمع المسلمين من كل فج عميق، أصبح الخطر والضرر أشد على حجاج بيت الله الحرام من أثر الأوبئة وانتشارها وسط الزحام".
ولفت إلى أن المتأمل فى ركن الحج يجد أن الإسلام لم يفرضه إلا على المستطيع، حيث يقول الله، عز وجل: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا"، ويقول سبحانه "لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"، ويقول سبحانه "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا".
وأشار إلى أن الشريعة الإسلامية نظرت إلى حماية النفس من الضرر والهلاك على أنها من الكليات الست الضرورية وعملت على حفظها من كل ما يمكن أن يعرضها للهلاك، فيقول الحق سبحانه "وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"، وثبت أن من أهم أسباب انتشار الوباء هو الاختلاط والتجمعات، وهو ما يقتضى منع الناس من أن يخاطروا بأنفسهم إلى التجمعات الكبيرة أيًا كان نوعها أو مقصدها.
وتابع: "من كان قد نوى الحج أو العمرة هذا العام فحبسته نازلة أو جائحة أو وباء أو نحو ذلك كالظروف الراهنة فتصدق عن طيب نفس بكامل قيمة نفقاتهما وتكاليفهما للمحتاجين أو للأجهزة أو المستلزمات الطبية جمع الله، عز وجل ـــ بكرمه وواسع فضله ـــ له أجرين : الأول: أجر العمل الذى كان قد نواه فحبسه عنه العذر، والآخر: أجر صدقته على الفقراء والمحتاجين أو علاج المرضى أو توفير الأجهزة أو المستلزمات الطبية للمستشفيات، وحتى من لم يحج الفريضة فحبسه العذر فهو معذور ولا حرج عليه، كما أن لولى الأمر القائم على شأن الحج أن يتخذ من الإجراءات ما يضمن سلامة الأنفس، و أن لسائر الدول أيضًا أن تتخذ من الإجراءات ما يؤمِّن مواطنيها، فى ضوء ما تقرر من أن لولى الأمر أن يقيد المباح وأن ينظمه بما يحقق المصالح المعتبرة للعباد والبلاد".
واختتم: "هو ما يجعلنى أؤيد وأُحيى قرار المملكة العربية السعودية بشأن قصر الحج هذا العام على أعداد محدودة من المواطنين والمقيمين داخل المملكة، مراعاة للحفاظ على الأنفس فى ظل انتشار جائحة كورونا، نسأل الله، عز وجل، أن يعجل برفع البلاء عن البلاد والعباد عن مصرنا العزيزة وسائر بلاد العالمين".